بوب ديلان… أيقونة الفن الشعبى الأمريكى تسبق رواد الأدب ____________ بقلم : مُصطفى طاهر   حالة الجدل الواسع صاحبت مفاجأة الأكاديمية السويدية بمنح جائزة نوبل للآداب 2016 للموسيقى الأمريكى الكبير

bob-dylan-net-worth-1

بوب ديلان… أيقونة الفن الشعبى الأمريكى تسبق رواد الأدب

____________

مصطفى طاهر

بقلم :

مُصطفى طاهر

 

حالة الجدل الواسع صاحبت مفاجأة الأكاديمية السويدية بمنح جائزة نوبل للآداب 2016 للموسيقى الأمريكى الكبير «بوب ديلان».. هذه المرة تنتصر الموسيقى والثقافة الشعبية وينتصر الفن الشعبوى والتفاعل المكثف مع الناس فتلك هى العناصر التى يحملها «ديلان» فى تحقيق مجده الفنى طوال مشوار حافل يتجاوز الخمسة عقود صنع فيها مجده محطما كل الثوابت ومتخطيا لكل الحواجز فأيقونة الفن الشعبى الأمريكى «روبرت ألن زيمرمان» الذى نعرفه جميعا باسم «بوب ديلان» المغنى والملحن والشاعر والفنان التشكيلى الأمريكى من أصول أوكرانية المولود فى 24 مايو 1941 نجح فى أن يكون الشخصية الأكثر تأثيرا فى الموسيقى والثقافة الشعبية الأمريكية لنصف قرن.. كانت الكثير من أعماله الأكثر شهرة فى الستينات لدى قطاعات عريضة من الشباب فى أنحاء العالم، حملت كلمات أغانيه من الحكمة والاحتجاج الشىء الكثير نجح من خلالها أن يكون لسان الطبقة العاملة والمضطهدة بالولايات المتحدة، استخدمت بعض أغانيه كنشيد لحركة الحقوق المدنية للأفارقة الأمريكيين والحركة المناهضة لحرب فيتنام، أجاد غناء العديد من الأنواع الموسيقية منذ طفولته مثل الريف والجوسبل والبلوز والروك، لتنجح كلمات ديلان وموسيقاه فى خلق مجموعة متنوعة من التأثيرات السياسية والاجتماعية والفلسفية والأدبية فى الحياة الأمريكية. فتصدت أغانيه لتيار موسيقى البوب وأحدثت تغييرا كبيرا فيها، ولعب ديلان بشكل كبير على أفكار الثقافة المضادة الصادمة معتمدا على احتياج الناس إلى التغيير. وفى بداياته كان أسلوب ديلان مستوحى من أسلوب أداء «ليتل ريتشارد» الذى تأثر به ديلان كثيرا، قبل أن يبدأ تطوير أسلوبه الخاص سواء فى الأداء أو كتابة أغانيه. ارتبط «بوب ديلان» باللعب على الجيتار، والبيانو والهارمونيكا.

 

هل انتصرت الشعبوية على نخبوية الأدب؟

 

ومنذ منتصف التسعينات قبل عشرين عاما بدأ ديلان فى نشر مجموعة من ستة كتب من الرسومات واللوحات لخصت تجربته مع الرسم الذى يعشقه والفن التشكيلى، فعرضت أعماله فى مجموعة من معارض الفن التشكيلى الكبرى أضاف بها مجدا جديدا لسلسله نجاحاته الفنية.. فبوب ديلان «الموسيقى» باعت أسطواناته أكثر من 100 مليون نسخة فى جميع أنحاء العالم، مما يجعله واحدا من أكثر الموسيقيين نجاحا وتأثيرا عبر التاريخ.. ولم يتوقف نجاحه على التأثير الشعبى بل لاقى احتراما نقديا كبيرا لم يحصل عليه فنان عبر التاريخ فتلقى العديد من الجوائز آخرها جائزة نوبل للآداب 2016، سبقتها 11 جائزة جرامى وجائزة أوسكار وجائزة جولدن جلوب وجائزة بوليتزر، وقبل 4 سنوات فى عام 2012 تلقى ديلان وسام الحرية الرئاسى من الرئيس الأمريكى باراك أوباما وهو أرفع الأوسمة داخل الولايات المتحدة.

b44

ورغم كل ذلك أثار فوز ديلان بجائزة نوبل للأدب هذا العام استغراب، بل واستهجان الكثيرين، بسبب قيام لجنة نوبل بكسر القوالب التقليدية لمنح الجائزة التى تعود عليها الجميع.

يمكن تقسيم الجمهور والنقاد الذى أبدى ردود فعل مندهشة أو مصدومة إلى فئتين أساسيتين: أولاهما تبنى موقفها على مفاهيم جمالية نخبوية ترى أن فنون «بوب ديلان» لا ترتقى لنيل ميدالية نوبل، وثانيهما كان القرار غير المتوقع لأكاديمية نوبل هو سبب الاعتراض بسبب الخروج عن دوائر الأدب والروائيين وكسر توقعاتهم المسبقة عن الجائزة.

وفى الفئة الأولى يرى البعض أن الشعر «الرفيع» الذى يلاقى الاحتفاء النقدى غالبا هو بالضرورة شعر نخبوى، فقال الكاتب السورى مفيد نجم إن الشعر يعانى اغترابا عن القارئ «بعد أن أصبح فك رموزه وعلاقاته الداخلية وإدراك جمالياته، يحتاج إلى قارئ نخبوى متمرس يمتلك حساسية شعرية خاصة تجعله قادرا على التفاعل مع بنية هذه القصيدة وجمالياتها».

ولا يمكن فهم صعود نجم ديلن دون ربطه بالسياق الثقافى والسياسى العام الذى بزغ فيه نجمه. فبداية من عام 1964 تحول ديلان إلى العزف على الجيتار الكهربائى منتقلا من موسيقى الفولك إلى الروك الذى صار فى ذلك الوقت اللون الموسيقى الأكثر حدة والتصاقا بهموم وتطلعات الشباب الأمريكي. ولذلك فإن من انتظروا انتصار الثقافة الشعبية الأمريكية فى معركة نوبل كانوا كثيرين جاءت أولهم المغنية جوان باييز، الصديقة السابقة لبوب ديلان التى قالت إن «الجائزة خطوة أخرى نحو خلود النجم». وأكدت أن موهبته مع الكلمات أمر لا يمكن تجاوزه.

 

المؤرخ غير الرسمى لمتاعب الولايات المتحدة طوال نصف قرن

 

 

كما أفادت شبكة «اندبندنت» البريطانية، أن المبيعات الخاصة بكتب المغنى الأمريكى ديلان، وألبوماته الغنائية، قد ارتفعت بصورة درامية، بمجرد الإعلان عن فوزه بنوبل للآداب.

وأكدت «جمعية الصحافة» وكالة الأنباء متعددة الوسائط، أن أحد كتب بوب ديلان بعنوان «كلمات أغانى 1961-2012» «The Lyrics: 1961-2012» قد ارتفع بصورة كبيرة، حيث ارتفعت مبيعات الكتاب ليتصدر موقع «أمازون» خلال أقل من 24 ساعة.

ونشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية أن مبيعات ألبومات بوب ديلان ارتفعت على موقع «أمازون» بمعدلات قياسية ؛ أولهم ألبوم بعنوان «أقوى أغانى بوب ديلان – Bob Dylan’s Greatest Hits»، و«بلوند بلوند – Blonde on Blonde»، حيث خلوا إلى قائمة أعلى 25 ألبوما على مستوى المبيعات.. ورغم ذلك لم يذكر «بوب ديلان» أو يشير إلى حصوله على الجائزة نهائيا فى حفله الذى أقيم فى نفس يوم فوزه الخميس الماضى فى لاس فيجاس معبرا ربما عن ترفع صانع الفنون الشعبية الأمريكية عن التكريمات النقدية وهو رد فعل لما عاناه صناع الثقافة الشعبية فى العالم من ازدراء نقدى لسنوات طويلة.. فيبدو أن «بوب ديلان» الحائز على الأوسكار والجرامى وبوليتزر لم يكن ينتظر الحصول على نوبل.

ge

 

متى ابتعدت جائزة نوبل للآداب عن الأدباء؟

ينتشر الاعتقاد الشائع بأن الجائزة تُمنح فقط للأدباء على مؤلفاتهم فى فروع الكتابة الأدبية كالشعر أو القصة أو الرواية أو المسرح.. فهى تذهب للمرة الأولى فى تاريخها، لمؤلف أغان وملحن ومطرب.

و لكن «ديلان» ليس مطربا عاديا فالموسيقى الأمريكى أصبح هذا الأسبوع أول شخص عبر التاريخ يستطيع أن يفوز بنوبل للآداب وجائزة الأوسكار وجائزة جرامى الموسيقية معا.. لم يسبقه إلى جمع نوبل للآداب والأوسكار معا إلا الكاتب الكبير «برنارد شو».. ورغم أن ديلان أول موسيقى إلا أنها ليست المرة الأولى التى تخرج فيها نوبل للآداب بعيدا عن عالم الرواية والقصة والمسرح والشعر لكنها حدثت 6 مرات سابقة.. عندما منحت الأكاديمية السويدية الجائزة لشخصيات لا تمارس الكتابة الأدبية وإنما تمارس العمل السياسى أو الفكرى أو تعمل فى مجالات كالتأريخ والصحافة.

1- تيودور مومسن – 1902 (المؤرخ) – ألمانيا

هو الفائز الثانى بالجائزة والمؤرخ الوحيد الذى يفوز بها، حيث لم يعرف طيلة حياته بكتاباته الأدبية، وإنما عرف مؤرخا وسياسيا ومدرسا للقانون، وعضوا بالبرلمان الألماني، وقد منحته الأكاديمية بالجائزة على عمله التاريخى «تاريخ روما».

2- رودلف أوكن – 1908 (الفيلسوف) – ألمانيا

تخصص الفيلسوف الألماني، فى الفلسفة التى درسها فى جامعتى جوتنجن وبرلين، ثم عمل أستاذا للفسلفة، ووفقا لحيثيات فوزه بالجائزة، فإنه حصل عليها تقديرا لعمله الجاد فى البحث عن الحقيقة واتساع رؤيته ونفاذ أفكاره حول الفلسفة المثالية للحياة.

3- هنرى برجسون – 1927 (الفيلسوف) – فرنسا

أحد أشهر الفلاسفة الفرنسيين، حصل على الجائزة مكافأة له على نظراته الفلسفية المختلفة عن السائد فى ذلك العصر، وكذلك بعض الكتابات السياسية، وجاء فى حيثيات فوزه: «فاز تقديرا لحيوية أفكاره».

4- برتراند راسل – 1950 (الفيلسوف)

لم يكن شاعرا أو روائيا، وإنما فاز بـ«نوبل» عرفانا بكتاباته الفلسفية المهمة والمتنوعة حول المثل الإنسانية وحرية الفكر.

5- ونستون تشرشل 1953 (السياسى) – بريطانيا

وفقا للأكاديمية السويدية، فإن رئيس وزراء بريطانيا أثناء الحرب العالمية الثانية، قد حصل على «نوبل» فى الآداب، تقديرا له على كتاباته التاريخية والسيرية، وكتاباته المدافعة عن القيم الإنسانية الرفيعة.

6 – سفيتلانا أليكسيفيتش 2015 (الصحفية) – بيلاروسيا

قالت لجنة الأكاديمية، إن الكاتبة والصحفية البيلاروسية، حصلت على الجائزة على «أعمالها المتعددة الأصوات التى تفند معاناة عصرنا وشجاعته»، حيث اشتهرت سفيتلانا بكتاباتها الصحفية ذات النسيج القصصى، تحمل كتاباتها محتوىً تاريخيا مصاغا بشكل سردى يقترب من اللغة الأدبية، تكون البطولة فيه للأحداث الواقعية وليست المتخيلة.

 

a90d0ff5b1ecacf598ce0e7433ba7f19

 

أول من يفوز بنوبل وأوسكار وجرامى وبوليتزر فى تاريخ الإنسانية

«المؤرخ غير الرسمي» لمتاعب الولايات المتحدة.

حاصد الجوائز بوب ديلان «نوبل أوسكار وجرامى وبوليتزر»

 

 

لم يكن هذا التتويج الأول فى حياة «ديلان» المولود عام 1941، حيث حاز جائزة الأكاديمية «أوسكار» عام 2001 عن أغنيته الشهيرة «Things Have Changed» ضمن فيلم «Wonder Boys».

عندما أخبر «ديلان»، الذى ركّز مؤلفاته الموسيقية على المهمّشين والمضطهدين فى الولايات المتحدة، بنبأ فوزه بـ«أوسكار»، قال: «دعونى أشكر الرب، دعونى أيضًا أشكر الأكاديمية على جرأتها لمنحى جائزتها عن هذه الأغنية تحديدًا؛ كونها لا تتغاضى عن الطبيعة البشرية».

حصد «ديلان» أيضًا جائزة جولدين جلوب «Golden Globe» فى فئة أفضل أغنية أصلية عام 2001 عن «Things Have Changed».

يحتفظ «ديلان» أيضًا فى جعبته بجائزة «جرامي» لأفضل أداء صوتى لأغنية روك عن أغنيته «Gotta Serve Somebody» ضمن ألبوم «Slow Train Coming» الصادر عام 1979.

كما منحته جامعة كولومبيا أيضا فى نيويورك جائزة «بوليتزر» عام 2008، وجاء فى حيثيات تكريمه أنه «أحدث تأثيرًا عميقًا فى الموسيقى الشعبية والثقافة الأمريكية، عبر مؤلفاته الموسيقية التى تميزت بقوة شاعرية استثنائية».

 

14741759_10153845378771135_468538155_n

 

قالوا لبوب ديلان

المغنية جوان باييز:

«إن جائزة نوبل فى الآداب هى خطوة أخرى لبوب ديلان نحو الخلود».

«إن تمرده وتفرده وشخصيته التى لا يمكن التنبؤ بها كفنان وملحن تستحق الجائزة، وموهبته مع الكلمات لا يمكن تجاوزها، ومن خبرتى الفنية الممتدة يمكننى القول إنه لا توجد أغان أكثر حيوية وقيمة فى عمقها وتشاؤمها وغضبها وغموضها وجمالها ومرحها أكثر من أغانى بوب، لن يأتى أحد مثله»

الرئيس الأمريكى باراك أوباما:

«تهنئتى لواحد من أفضل الشعراء، بوب ديلان يستحق نوبل»

بروس سبرينجستين المغنى والموسيقى الأمريكي

نشر سبرينغستين على الإنترنت، فقرات من سيرته الذاتية «ولدت لأعدو» Born to run التى تحل ثانية فى ترتيب أعلى الكتب مبيعا داخل الولايات المتحدة فى موقعه على الانترنت، وصف فيها ديلان بأنه «الأب لوطني».

وكتب المغنى البريطانى مارك نوبلر فى صفحته على فيس بوك يقول:

«بوب ديلان كاتب أغان عظيم منذ صباه، ولم يحل شيئا دون مواصلته الكتابة وتقديم موهبته للعالم».

وغرد الكاتب البريطانى فيليب بولمان فى صفحته على تويتر:

«اختيار عظيم لجائزة نوبل، ونتيجة لذلك يمكن فتح الجائزة لهذا النوع من الأدب».

سارة دانيوس، سكرتيرة مؤسسة نوبل:

«اللجنة اختارت ديلان لأنه شاعر عظيم ضمن التقليد الشعرى للناطقين بالإنجليزية».

الشاعر الفلسطينى أشرف الزغل – مدونة لغو:

«ديلان شاعر حقيقى قبل أن يكون كاتب أغان»، دون أن يتناقض هذا مع الرأى القائل بأن كتابة الأغانى هى صنعة شعرية أيضا.

«إلى جانب موهبته الغنائية الفذة، يتمتع بوب ديلان بحس شعرى رفيع برهنه عبر كتابته لأغانيه المحملة بالتناص التاريخى والشعري، الميثولوجيا، والإيقاع الخاص، حتى أن الناقد والمنظر الأدبى اللامع كريستوفر ريكس ضمنه كأحد أعظم الشعراء فى التاريخ إلى جانب ملتون وكيتس».

ان جنوح لجنة نوبل إلى اختيار فنان يميل إلى الشعبية أكثر من ميله إلى النخبوية، قائم على رؤيتها أن الدور الذى تلعبه وسائل التواصل الاجتماعى فى الفترة الأخيرة قرب الفنون والآداب من الذوق الشعبى بشكل أكبر، وربما كان هذا «مغازلة» للواقع الثقافى الجديد الذى يتسم «بتحرر» الثقافة من النخبوية بفضل وسائل التواصل الاجتماعي.

 

___________________________________

كنت أتمنى لو أكون موظفا عاديا يعمل كل يوم حتى الساعة الخامسة مساء ثم يعود للبيت وينسى كل شيء.

«بوب ديلان»