هل يكون فوز بوب ديلان بنوبل إعادة لتعريف مفهوم الأدب؟ أحمد ليثي   منذ ان تم الإعلان عن فوز بوب ديلان، الموسيقى الأمريكى بجائزة نوبل، حتى نقل كل ما يخص

ma

هل يكون فوز بوب ديلان بنوبل إعادة لتعريف مفهوم الأدب؟

ma

أحمد ليثي

 

منذ ان تم الإعلان عن فوز بوب ديلان، الموسيقى الأمريكى بجائزة نوبل، حتى نقل كل ما يخص ديلان من صفحات الموسيقى بالصحف الأجنبية إلى صفحات الكتب، فى تطور سريع ومذهل، أظهر مدى تأثير جائزة مثل نوبل للآداب فى المشهد الادبي.

لطالما وضعت لجنة نوبل نفسها بعيدة عن أى تصنيفات معيارية قد تعتمد عليها الاوساط الادبية، فى تكهناتها بالفائز بالجائزة، وغير عدة مواقع اعتمدت المضاربة بأسماء عديدة قد تحصل على الجائزة، لم تربط الأكاديمية نفسها بأية وسائط أخرى غير اللجنة التى يصدر منها الإعلان سنويًا.

لذا، تترك الاكاديمية لنفسها براحًا بعيدًا عن أى التزام بمفهوم الأدب مسبقًا، وعلى مدى تاريخ جائزة نوبل للآداب، ترك الإعلان عن الجائزة على العديد من المتابعين الكثير من الصدمة والتوجس، فلم تستقبل الأوساط الأدبية الإعلان عام 1953، بالكثير من الارتياح، حينما حصل عليها رئيس الوزراء البريطانى ونستون تشرشل للجودة الأدبية لخطاباته السياسية بحسب اللجنة.

وتزامن الاختيار المفاجئ مع يوم إعلان وفاة الممثل والكاتب المسرحى الإيطالى داريو فو، الذى حصل على جائزة نوبل فى الآداب عام 1997.

وقالت لجنة نوبل إن المغنى العالمى حصل على الجائزة “لأنه خلق تعابير شعرية جديدة ضمن تقاليد الغناء الأمريكية”.

يذكر أن ديلان هو أول كاتب أغان يحصل على جائزة نوبل، وهو أول أمريكى يحصل عليها منذ فازت بها الروائية تونى موريسون عام 1993.

وقالت سارة دانيوس، سكرتيرة مؤسسة نوبل، إن اللجنة اختارت ديلان لأنه “شاعر عظيم ضمن التقليد الشعرى للناطقين بالإنجليزية”.

وكان البعض يتوقع فوز ديلان بالجائزة منذ فترة، لكن القليلين من الخبراء كانوا يتوقعون أن تمنح الأكاديمية السويدية جائزتها لفئة موسيقى الروك الفلكلوري.

وقد استعار ديلان اسمه من الشاعر ديلان توماس، بينما اسمه الأصلى هو روبرت ألين زيمرمان، وقد ولد عام 1941 وبدأ مسيرته الموسيقية عام 1959، بالعزف فى مقهى فى ولاية مينيسوتا.

وتعود معظم أغانيه الشهيرة إلى ستينات القرن الماضي، حين تحول، عبر أغانيه، إلى “مؤرخ غير رسمي” لمتاعب الولايات المتحدة.

وقد اصبحت بعض أغانيه، مثل “Blowing in the wind” تتردد على شفاه المناهضين للحرب ونشطاء الحركة المدنية.

وسيتسلم ديلان الجائزة مع الفائزين عن الفئات الأخرى فى احتفال يقام فى 10ديسمبر/كانون أول، ذكرى رحيل مؤسس الجائزة ألفرد نوبل عام 1896.

طبقا للجنة جائزة نوبل، فإن ألبوماته “تتمحور حول مواضيع مثل الظروف الاجتماعية للإنسان، والدين، والسياسة والحب”. وأضافت اللجنة، فى محاولة لدرء الانتقادات الموجهة لحقيقة أن ديلان يُرى بشكلٍ كبير كموسيقى أكثر منه مؤلفا، ان الكلمات “تم نشرها بشكلٍ مستمر فى إصدارات جديدة”، وانه “بجانب إنتاجه الواسع للألبومات، فقد نشر ديلان أعمالا تجريبية مثل تارانتولا (1971) ومجموعة الكتابات والرسوم (1973)”، بالإضافة إلى “السيرة الذاتية بعنوان مذكرات (2004)، والذى يُصور ذكريات من حياته المبكرة فى نيويورك والذى يعرض لمحات من حياته فى مركز الثقافة الشعبية”.

يقول التصريح، “كفنان، يُعتبر متنوعا بشكلٍ مذهل: فقد كان نشطا كرسامٍ، وممثل وكاتب سيناريو. ديلان له مرتبة الرمز. تأثيره على الموسيقى المعاصرة نافذ، وهو موضوع تيارٍ مستمر من الأدب الثانوي”.

تم اختيار الفائز بجائزة نوبل للأدب من قِبل 18 عضوا من الأكاديمية السويدية، والذى يبحثون عن “الشخص الذى قد أنتج فى مجال الأدب العمل الأبرز فى اتجاهٍ مثالي”، وفقا لوصية ألفريد نوبل.

تعترف هيئة الجائزة على موقعها، بأن “وصفات ألفريد نوبل لجائزة الأدب كانت غامضة إلى حدٍ كبير”، مضيفين أنه “فى الواقع، يبدو أن تاريخ جائزة نوبل فى الأدب سلسلة من محاولات تفسير وصية لم تُنتقَ كلماتها بدقة”.

 

يتبع اختيار ديلان تكهنات بشأن خلافات بين أعضاء اللجنة. كان من المتوقع أن يتم الإعلان عن النتيجة الأسبوع الماضي، نفس الأسبوع الذى اُعلن فيه عن الجوائز العلمية. قال بير فاتسبرج من الأكاديمية، إن التاريخ المختلف مجرد أمر لوجستي. لكن بيورن فيمن، محرر الصفحات الثقافية بصحيفة داجينز نييتر السويدية، قال لصحيفة “ساوث تشاينا مورنينج بوست”، “إن سألتني، فإن الأمر بالتأكيد ليس مشكلة فى التواريخ. هناك علامة على خلافٍ فى عملية اختيار الفائز”.

منذ نصف قرن مضى، سبب بوب ديلان صدمة للوسط الموسيقي، حين أوصل الجيتار بالكهرباء، وأنشد العديد من الأغانى الشعبية. ولعقود تلت، استمر ديلان فى كسر كل التوقعات، وواصل بيع الملايين من الاسطوانات، وتأليف الأغانى الغامضة.

والآن، حاز ديلان، الشاعر ونجم عصر الروك، على جائزة نوبل فى الأدب، لينضم بذلك إلى ت. س. إليوت، وجابرييل جارسيا ماركيز، وتونى موريسون، وصامويل بيكيت.

يعد ديلان أول موسيقى يفوز بالجائزة، كما يمكن أن يكون اختياره يوم الثلاثاء الماضى هو الاختيار الأكثر راديكالية فى تاريخ الجائزة عند العودة إلى عام 1901 حين حصل على الجائزة الشاعر الفرنسى رينه سولى برودوم . باختياره واحدًا من أشهر الموسيقيين للحصول على جائزة الأدب، تعيد الأكاديمية السويدية تعريف الأدب من جديد، كما أنها توسع حدوده، وذلك لأنها عادلت بين قيمة كلمات الأغنية، وبين قيمة الشعر والرواية.

احتفى بعض الكتاب بحصول ديلان على جائزة نوبل للأدب، كستيفن كينج، وجويس كارول، وسلمان رشدي، الذى أثنى على اختيار ديلان، واعتبره وارث سلالة التراث العريق.

لكن آخرين اعتبروا فوز بوب ديلان بنوبل للآداب بمثابة تضليل من اللجنة، متسائلين ما إذا كان كاتب الاغانى يرتقى لمنزلة الشعراء والروائيين، مثلًا كتب ربيع علم الدين على حسابه الخاص فى تويتر تعليقًا على فوز ديلان بالجائزة أن هذا سخيف كفوز تشرشل بالجائزة، بينما علق جودى بيكوت، واحدًا من الروائيين الأكثر مبيعًا: “أنا سعيد جدًا من أجل ديلان، لكن أيمكن أن أحصل على الجرامي؟”

العديد من الموسيقيين استقبلوا خبير فوز ديلان بتوجس، فقالت روزانا كاش، كاتبة أغان وابنة جونى كاش على حسابها فى تويتر: “أيها الأب فى السماء، بوب ديلان حصل على جائزة نوبل”.واستمر تعليق مواقع الموسيقى فى أمريكا، كموقعى بيتشفورك وفايس، إذ تساءل كلاهما هل من المناسب أن يحصل ديلان على نوبل للآداب؟

لم يكن كاتب العديد من الأغانى الشعبية، كـ”يترنح بفعل الهواء،” و”الزمن يتغير”، والعديد من الأغانى التى هزت أمريكا، من ضمنها “رولينج ستون” بشخص عادى يحصل على جائزة نوبل. فهو أول أمريكى يحصل على الجائزة منذ عام 1993 حين حصلت عليها موريسون، التى درست فى أكسفورد وكانت محبوبة من قبل رؤساء أمريكا.

وبدلًا من أن يظهر فى مؤتمر صحفى ينظمه له ناشره، كان ديلان فى لاس فيجاس على خشبة المسرح يغني، وبعدما أُعلنت الجائزة، لم يعلق ديلان على هذا الشرف.

غالبًا ما ترك ديلان العديد من الآثار الأدبية فى كلمات أغانيه، وشعرنا بأثر الشعر فى موسيقاه، وبالإشارة إلى آرثر رامبو، وإزرا بوند، نشر ديلان أيضًا الشعر والنثر، متضمنة مجموعته التى صدرت عام 1971، ومذكراته التى نُشرت عام 2004، كما جمعت كلمات أغانيه منذ عام 1961-2012 وتصدر فى الأول من نوفمير.

حظى الأكاديميون المتخصصون بالأدب بمناقشات مطولة حول سؤال واحد، وهو هل يمكن لكلمات ديلان أن تقف متحدية الشعر؟ صدر منذ عشر سنوات كتاب أكاديمى مذهل لتحليل موسيقاه، صدر عن جامعة أكسفورد وتضمن أغنيته “صف الخراب”، كما أصدرت جامعة كامبريدج كتاب “صحبة كامبريدج برفقة بوب ديلان” فى 2009، وفضلًا عما يتميز به ديلان من سمعة طيبة، فهو ذو ذوق أدبى رائع.

حين وجه السؤال لبيلى كوليينز الأمريكى الحاصل على نوبل للآداب سابقًا، هل يستحق ديلان الحصول على جائزة نوبل للآداب، وهل إذا استحق الحصول عليها كمؤلف أغان، يستحق الحصول عليها كشاعر؟ رد كولينز بأن: “معظم كلمات الأغانى لا تصمد دون موسيقى، وليس من المفترض أن تصمد أصلًا، لكن بوب ديلان من ضمن 2% فقط من مؤلفى الأغانى الذين تصمد كلماتهم على الصفحات دون مصاحبة الجيتار، كما أن لديه صوتا مذهلا، أعتقد أنه يستحق الحصول على الجائزة كشاعر”.

وبحصول ديلان على جائزة نوبل، يعتقد الكثير من المعلقين على الشأن الأدبي، أن الأكاديمية بقرارها ذاك قد أغلقت الهوة الموجودة بين فن المثقفين وبين فن الجماهير الأكثر تجارية.

قال ديفيد هيدجو، الناقد الموسيقى بصحيفة “ذا نيشن”: “ان ما يقوم به ديلان أدب، لكنه موسيقى، انه اداء، وفن، وبالإضافة إلى ذلك هو تجارى جدًا، التقسيم الموجود منذ زمن كبير بين الفن الراقى والفن المنخفض كان قد أخذ طريقه إلى الاندثار منذ مدة، لكنه الآن صار رسميًا”.

اعتاد الناشرون والكتاب فى السنوات السابقة، على أن الجائزة تمنح دائمًا للكتاب المحافظين الذين لديهم رؤية سياسية واضحة، لكن باختيار اللجنة لواحد معروف على نحو واسع، وبعيد جدًا عن التقاليد الأدبية المعروفة، فإن اللجنة تذهب لاتجاه آخر تمامًا، ومنحت هيبة الجائزة لشخص يملك الكثير من الهيبة بالفعل.

لكن تلك ليست هى المرة الأولى التى تغير لجنة نوبل مفهوم الأدب، ففى عام 1953، حصل ونستون تشرشل على جائزة نوبل للآداب “لمساهمته فى إعادة الاعتبار والجودة الأدبية لخطاباته السياسية، وخطاباته الرائعة التى كانت تؤكد دائمًا قيمة الإنسان”، وذلك طبقًا لما ورد فى إعلان الأكاديمية، وتفاجأ العديد من الناس فى العام المنصرم، حينما ذهبت الجائزة لصحفية بيلاروسية هى سفيتلانا أليكسيفييتش، التى كانت توثق بعمق روايات الناس لترسم التاريخ الشفاهي.

فى تقرير الإعلان عن الجائزة، اعتبرت الأكاديمية السويدية أن ديلان: “ أبدع تعابير شعرية جديدة تليق بعظمة الأغنية الأمريكية وتقاليدها”.

قالت سارة دنيس أستاذ الأدب السكرتيرة الدائمة للأكاديمية السويدية: “ان بوب ديلان يعد شاعرًا عظيمًا فى الإنجليزية”، وقارنته بهوميروس الذى كان يتلى أعماله شفاهة، ومع ذلك وصلت إلينا، وفى ردها على سؤال ما إذا كانت الأكاديمية ستتسبب فى تغيير مفهوم الأدب، قالت: “ربما يتغير ذلك مع الوقت”.

ولد بوب ديلان، واسمه الحقيقى روبرت آلن زميرمان فى 24 مايو 1941 فى دولوث، مينيسوتا، وبزغ اسمه فى المشهد الموسيقى فى نيويورك عام 1961، كفنان متخصص فى تراث وودى ويلسون، يغنى أغانى احتجاجية على الجيتار فى النوادى والمقاهى فى قرية جرينويتش.

لكن، ومنذ البداية، كان ديلان يركز على الكلمات الرائعة، والاداء الفنى الراقي، الذى جعله مصدرا من مصادر الإلهام للكثير من الفنانين والنقاد، ففى عام 1963، وصل بفرقته الشعبية المكونة من بيتر وبول ومارى للمرتبة الثانية فى سباق بيللبورد للأغنية الشعبية بنسخة من أغنية “يترنح بفعل الهواء”.

وبعد سنوات قليلة، كان ديلان يفند الفكرة السائدة عن الموسيقى الشعبية، بآدائه العديد من الأغانى والحركات المعقدة نسبيًا. فى عام 1965 لعب بالجيتار الالكترونى فى مهرجان نيوبورت للأغنية الشعبية مثيرًا بذلك عاصفة من الانتقادات من محبيه، متهمينة إياه بأنه قد أفلس.

بعد تقارير عن حادثة دراجة بخارية عام 1966 بالقرب من منزله فى وودستوك، ابتعد ديلان فترة عن الحياة العامة، لكنه ظل مؤلفًا للأغاني، فمؤلفاته الموسيقية تظهر تقدم عمله من خلال الآلاف مسودات كلمات الأغاني، التى أثارت اهتمام العديد من المؤسسات فى تلسا، أوكلاهوما.

فى عام 1975 حينما صدر ألبومه “دماء على الطريق”، اعتبر هذا الألبوم درجة خطرة من الانهيار، لكنه وبعد أربع سنوات لاحقة، عندما أصدر “قطار بطىء فى الطريق”، والألبوم اللاحق له، كانا الأكثر متعة فى تاريخ الموسيقى الشعبية الأمريكية وقد كانا مرتبطين بموسيقى فرانك سيناترا.

فى الإعلان قالت سارة دينيس: “ديلان صار رمزًا، وتأثيره فى الموسيقى المعاصرة لا نستطيع إنكاره، كما يعتبر نموذجا جيدا للأدب الثانوي”، كما تقلد ديلان العديد من الجوائز الموسيقية مثل جرامى وجولدن جلوب، وجائزة بوليتزر عام 2008، وقلده رئيس أمريكا وسام الحرية عام 2012.