حكايات المجد والشقاء ___________________ حجاج أدّول يكتُب ..   عدنا من صحراء سيناء، لنحاصر القوات الاسرائيلية التى عبرت من ثغرة الدفرسوار. يفصل بيننا وبين الجيش الاسرائيلى ترعة نفيشة. وعلى ضفتى

1000

حكايات المجد والشقاء

___________________

%d8%ad%d8%ac%d8%a7%d8%ac

حجاج أدّول يكتُب ..

 

عدنا من صحراء سيناء، لنحاصر القوات الاسرائيلية التى عبرت من ثغرة الدفرسوار. يفصل بيننا وبين الجيش الاسرائيلى ترعة نفيشة. وعلى ضفتى الترعة كميات هائلة من الطين، نتيجة تطهير الترعة، فصار المكان وكأنه تصغير لقناة السويس وخط بارليف! وخلفنا القرية التى تم عندها تدمير ثلاث من دبابات العدو. «وبالقرب منها وفيما بعد بنى الشاعر الأبنودى بيته الريفى فى نفس هذا الموقع». فى المنطقة الخالية بين امتداد ساتر فصيلتنا والفصيلة التى تجاورنا، منطقة خالية إلا من بعض الأشجار. تعمدنا أن نحفر ليلا حفرة توحى بأننا ننشئ هنا موقعا. بعدها كل يوم وبعد آخر ضوء نهارى نضع رشاشنا على عجلتيه ونجره ونسير خلفه حاملين علبتى ذخيرة بحيث نترك للعدو أن يرى أشباحا فيستنتج مع سماعه لأصوات أقدامنا وصوت عجلتى الرشاش، أننا نحتل هذا الموقع طوال الليل، لكننا كنّا نعود سريعا حاملين الرشاش مفكوكا ونعيده دون جلبة إلى موقعه الحقيقي. لذلك عندما يحدث اشتباك ليلى معهم، كان هذا الموقع الكاذب ينال أغزر دانات هاونات اسرائيل وكذا طلقات رشاشاتهم. وكنّا نستخدم أوراق الشجر اليابسة ونرشها بغزارة حول مواقعنا، فكانت هذه الأوراق خير حارس لنا من أى متسلل، فلن يستطيع المتسلل إلا أن يدوس عليها فتحدث خروشة تفضحهم.

أوامر بعدم الاشتباك، هذا خلال المباحثات المصرية/ الاسرائيلية. أسفل موقعهم الذى يجابههنا مهبط رملى حوطوه بسلك شائك حتى ضفة الترعة. وهكذا اعتقدنا أن هذه المساحة العريضة الطويلة حقل ألغام، إذن إن جاءنا أمر بالهجوم ماذا نفعل فى هذا الحقل القاتل؟ شككنا نحن الجنود فى هذا الحقل، وحين أخذنا يوما كتيبات التوجيه المعنوي، قذفنا كتابا على هذا الحقل. فتهور أحدهم وهبط داخل هذه المساحة المحاطة بالأسلاك الشائكة، إذن لا ألغام هنا، هذا مجرد تهويش. لم يفهموا قصدنا إلا بعد أن وصل جنديهم إلى منتصف الحقل فبهتوا قليلا ثم تحدثوا معنا وكأن ليس فى الأمر شىء! ونحن أيضا ولا كأننا اكتشفنا شيئا.

الموقف الذى هزنى حين كنّا فى سيناء وقبل عودتنا لإيقاف ثغرة شارون، سرية من كتيبتنا كانت فى الخلف بالقرب من ضفة القناة الغربية. فإذا هم يرون غبارا عاليا يتصاعد.. إنها قوات مندفعة عليهم. يبدو من الغبار أنها دبابات كثيفة. إذن العدو اقتحم قواتنا وهم الآن آتون إلى ضفة القناة الغربية التى طردناهم منها، دباباتهم عائدة ليحتلوها كما احتلوها فى عار 67! مجموعة من الجنود القدامى والجدد التفوا حلقة ووضعوا كفوف أياديهم سويا، كفوف بيضاء وقمحية وسمراء، وقرءوا الفاتحة والمسيحى قرأ من إنجيله. أقسموا أ لا ينسحبوا وأن يموتوا فى موقعهم. وفعلا اتخذوا أوضاع القتال مع بقية السرية.. فإذا بالقوات الآتية هى قوات مصرية تعود بسرعة لتحاصر الثغرة التى نجح الإسرائيليون فى فتحها.

وحدة الصاعقة التى استطاعت إيقاف دبابات العدو، كانت بقاياها خلفنا. وفى الخلف ينتصب برج تقوية بث إذاعى أو تليفزيوني. أعمدة حديدية تتوجها منصة على ارتفاع لا يقل عن 20 مترا. يحتل هذه المنصة دائما جندى صاعقة يراقب العدو. اكتشفه العدو فضربوه بطلقة قناصة فأصيب فى مقتل. صرخ متألما. كان يجب أن يصعد إليه جندى ليهبط به سريعا ليعالج وإلا فالموت نزفا. لكن صعود جندى آخر مستخدما سلم البرج الحديدى المكشوف. وهو أمر جنوني، فسوف يطلق عليه القناص النار، يجب أن ينتظروا حتى يأتى الظلام. وحين يأتى الظلام تكون روح المصاب قد ذهبت! صعد إليه نقيب صاعقة فى تهور شجاع، فلم يتحمل النقيب البطل آهات جنديه المصاب. كانت النتيجة أن أصيب النقيب وهو يهبط به واستشهد الاثنان. رأيت هذا النقيب الشهيد مرة أو مرتين خلال الأوقات الهادئة. حتى الآن لم أنس هذا البطل. كم كان شابا فتيا طيبا ذا بسمة بالغة الهدوء، وتعطى فى نفس الوقت إصرارا ورسوخا غريبين.

1000vv

تسلمنا مواقع كتيبة الصاعقة التى انسحبت للخلف قليلا، وأحيانا كانوا يزوروننا وينظرون فى حنين واشتياق لمواقع معينة دارت فيها معاركهم ضد العدو واستشهد فيها زملاء لهم. كنّا نقرأ عليهم من كتابينا المقدسين. وحين كان يأتى لنا مجرد جندى صاعقة واحد، كنّا نضحك على الرعب الذى يقع فى قلب جنود العدو، يفزعون ويراقبون الجندى فى خوف غريب. لقد علموا وشاهدوا بطولات المظلات التى استشهدت وأعاقت تقدم دباباتهم، ثم أتت الصاعقة لتوقفهم تماما حتى أتينا نحن لنساند ونمنع نهائيا تطويق الإسماعيلية والجيش الثاني. إذا كنت أتكلم عن بطولات بعض الوحدات من العسكرية المصرية، فأنا لم أشاهد ولم أسمع بطولات الوحدات الأخرى، لكنى سمعت عن ضرب ميناء إيلات ثلاث مرات، وهذا عجيبة عسكرية. وغيرها وغيرها. بطولات تستحق أفلاما ومسلسلات وروايات، خاصة أن الغرب شيد أعمالا فنية لبعض المعارك التى انتصروا فيها، بعضها يعتبر هيافات بجانب البطولات المصرية. ونحن حاليا فى أشد الاحتياج ليرى شعبنا بطولات أبنائه ليثق فى نفسه ويثق أنه يستطيع الفهم والتخطيط والتنفيذ بما لايقل عن غيره من الشعوب.

وكان بين فصيلتنا وبين فصيلة العدو حوار ساخر خاصة بعد أن تعودوا أن نقذف لهم كتيبات التوجيه المعنوي. جنودهم يعلنون لنا اسماءهم.. فكان منهم إزرائيل وعاريو وآشر وديفيد. فماذا كان اسمي.. هيما، تدليل إبراهيم! سألوا عن عنوانى فقلت لهم.. خمسة شارع الحبايب، وهو اسم فيلم سينمائى مصرى خايب.

جندى إسرائيلى اسمه جوزيف. طلب أن نتفق لأن هذه الحرب ليس لنا دخل بها، حين الضرب نطلق النار عاليا وهم أيضا يطلقون النار عاليا فلا يصاب أى من الموقعين! كنّا نضحك وفى أول معركة نصب عليهم النار ونحن نبحث عن جوزيف حتى نطيح به.

ولم تحدث معركة تصفية الثغرة، فقد أتى كيسنجر وتمت لقاءات الكيلو 101. وحين تم إعلان الاتفاق الأول وأن لا حرب، نحن كجنود مصر فرحنا، الروح حلوة يا ناس. الجانب الإسرائيلى أمامنا فقد كان مهرجان فرح، بالبلدى كان فرح العمدة. ضربوا طلقات كثيفة فى الفضاء فرحا بالنجاة من الموت واستمروا للفجر فى غناء ورقص وصعدوا على التل الطينى أمامنا يحيوننا ويشيرون لنا بإشارات صداقة!

أناشيدنا الطيبة وأناشيدنا الغبية

خلال تواجدنا على ترعة نفيشة فيما بعد العبور والحرب مستمرة ونحن فى الجيش الثانى نحاصر الثغرة الإسرائيلية وهم يحاصرون الجيش الثالث فى سيناء، فى هذه الأيام الحساسة، كانت الأغانى الوطنية قد أخذت مجالها. قليلها جيد مثل «وأنا ع الربابة بغني. حلوة بلادى السمرة، بلادى الحرة. مملكش إلا إنى اغنى وأقول غنوة أمل للنصر وتحيى مصر» وهى لعبد الرحيم منصور وبليغ حمدى ووردة. وأغلبها بالغ العبط والصفاقة. نسيتها كلها فيما عدا نشيد زميلى البنّا كان يردد مقطعا منه بكثرة وهو «على باب الفتوح.. عدينا» اللحن كان ساذجا مثل الكلمات. لحن تطريبى متهدل. البنّا كان ينشده ويتراقص وهو يضحك بحرقة. يضحك وعيناه تدمعان من الكوميديا السوداء التى نعيشها. وأغنية كانت تغنيها مطربة تونس صاحبة الصوت الجميل عُليّا. متقولش إيه إديتنا مصر، قول حندى إيه لمصر! رغم حلاوة الكلمات وتناسبها مع الظرف الذى يحوى الوطن كله – ننسى أن الكلمات تكاد أن تكون مترجمة من خطبة الرئيس الأمريكى الأسبق جون كيندى فى حفل تنصيبه – معظم الأناشيد كانت مجرد نفاق وأكل عيش على حساب حرب مصر وشهداء مصر. أناشيد تقريع – من القرع، فهلوة عشان يظهر ويبان حضرة المؤلف وحضرة الملحن وحضرة المطرب أو حضرة المطربة. الأكثر بكش فى بكش والأقل مخلص. ونفس هذا الموقف الكاذب استمر فى احتفالات نصر أكتوبر فيما بعد وحتى الآن وأنا أكتب هذه الأسطر فى عام 2001! كل احتفال لنصر أكتوبر تجد عصابات من المنافقين يكتبون بضع كلمات سخيفة وتلحين أى كلام ومطرب لزج، يجتمعون فيما يقال عنه نشيد، شىء وقح لمجرد أن يظهروا فى شاشة التلفاز ويمثلوا دور الوطنية ولا ينسوا أن يقبضوا البكاوى مخصوما منها الرشاوى «المستنقعات». لكن لماذا أقول مخصوما منها الرشاوى «المستنقعات»؟ هل يتصور أى مواطن أن فى احتفال أكتوبرى ممكن أن يتم صرف حوالى نصف مليون ومليون جنيه، ولا يستفيد بعض الموظفين من هذه الميزانية؟ هل سيتركون من يدعون الفن يلهفوا المبلغ وحدهم؟ مش ممكن. بل إن هذه الأمور الوقحة تسير بسرعة لأن بعض الموظفين صغار النفوس غير الصغار فى مناصبهم لهم نسبة فى هذه الميزانيات. هل تتذكرون الأوبريتات والمسرحيات والأمسيات وكم كانت تتكلف وحتى الآن؟ ثم لماذا ننسى واقعة النشيد الوطني، الذى ظهر أنه مجرد أغنية كُتِبت خصّيصا ولحنت وغنيت لطفلة من بنات أمراء البترول فى عيد ميلادها؟ والمصيبة أن المؤلف الشهير من قبلها يمتلك الألوف المؤلفة – صار بعد ذلك مليونيرا- هذا المؤلف الصعيدى الأصل كان فعلا موهوبا وهو الآن مجرد صنايعى محترف، والغريب أنه مشهور بالندالة حتى مع أسرته نفسها. وأذكر أنه جاء ضيفا فى قصر ثقافة الحرية بالإسكندرية. فوقف الشاعر خالد حجازى ليلقى كلمة ترحيب فقال..

– إلى الشاعر اللى عشقناه بعبله فضحك علينا بهبله

هذا الشاعر الندل، لا يقل عنه ضعة الملحن والمطرب، فلماذا هذه الدناوة والحقارة؟ لماذا يتاجرون بوطنهم فى سبيل أموال هم ليسوا فى حاجة لها؟ لو كانوا فقراء لقلنا الفقر مصيبة، وعلى رأى بعض الشباب الفقير وقتها.. – لو كان الفقر رجلا لنكحته – لكنهم مستورون، فلماذا المتاجرة بالوطن وباسم مصر؟ ويقف المطرب أمام الكاميرات ليواجه الناس ويمثل دور المصرى المحب لمصر ودون ارتعاشة ضمير صغيرة! صفاقة. نفس هذه الوقاحة فعلها بعض المستأدبين، كتبوا عن الحرب كتابة سطحية تافهة لينالوا الشهرة والمال! ونفس الشيء فعله من يدعون الوطنية فى مجال السينما، فقد أخرجوا عددا من الأفلام أغلبها سلق بيض وارمي، ثم اقبض فلوس وخدلك شهرة على حساب الوطن.. حقارة واستغلالا لحرب أكتوبر. بعد الحرب كنت أسير هائما بائسا فى شارع صفية زغلول. أسير فأجد بعض السينمات تعرض ثلاثة أفلام عن الحرب. أنظر للصور والأفيشات الشاسعة التى على الواجهات العالية.. عهر ومتاجرة.. هل هذا السمج يمثل اصدقائى الشهداء مسعد ونصّار والإشكيف وصلاح؟ هل هذا المخنث يمثل دور فاروق وعبد الجواد وغبريال؟ هل هؤلاء الذين صعب عليهم أن يقصروا شعرهم قليلا فيفقدوا فرصة التمثيل فى فيلم آخر مع هذا الفيلم، بالإضافة إلى أن الموضة وقتها هو الشعر الطويل فاستحيوا أن يحلقوا شعرهم ليماثل شعر الجنود الحق، «فيلم ابناء الصمت» هل هؤلاء التافهون يمثلوننى أنا ورضا والزينى وأبو الفتوح والشهيد الضابط لملوم وقائدنا العظيم الشهيد عادل والأسطورية الحربية البطولية عبد المنعم رياض؟ لماذا حتى الآن يطالب الشباب الذين ولدوا بعد العبور، لماذا يطلبون من محمد منير أغنية حدوتة مصرية؟ لأن منير وكاتبها عبد الرحيم منصور وملحنها أحمد منيب كانوا صادقين ولم يدخلوا فى زحام القرعجية فى مولد أكتوبر التهليبى التخريبي. للآن نشيدنا هو «بلادى بلادي» لبديع خيرى وسيد درويش. حتى الآن كلما سمعت قصيدة «مصر تتحدث عن نفسها» لحافظ إبراهيم ورياض السنباطى وأم كلثوم، يرتج قلبى حماسا، وعندما غنت المجموعة هذا النشيد الرائع فى الأوبرا بتوزيع عظيم وقور عميق، غصت فى هذا المحيط اللجى من الأصوات البشرية وأصوات الآلات الرائعة فتعمق الإحساس بهذه اللوحة الموسيقية الغنائية الوطنية. نشيد «اسلمى يا مصر إننى الفدا»، لِصَفَرْ علي. ثم لماذا نحب أغنية «مدد مدد شدى حيلك يا بلد» للفنان محمد نوح؟ لماذا كانت دموعى تنساب فى الفجر على ضفة لسان بحيرة التمساح وأنا استمع لأغنية القدس العتيقة للرحبانية؟ بل لماذا التف مثقفو مصر والبلاد العربية حول الثنائى الرائع نجم وإمام؟ كلنا ومعنا شبابنا نطلب هذه الأناشيد فى الحفلات التى نذهب إليها لنستمتع. لأنها فن صادق صَدَر من القلب ولم يتم توليفها لأجهزة الإعلام وقبض البكاوى مخصوما منها الرشاوى فالتقطته القلوب وبه ترتعش نشوة وتألقا. حين ارتدى على الحجار ملبس الصاعقة وغنى نشيدا لم أرفضه، فهو فى وقتها كان شابا نحيفا فى قوة ورجولة. لكن بعده يأتى شاب مايع مايص. ليغنى نشيدا ويرتدى ملبس الصاعقة ويدخل المسرح ومن أول خطوة يتقصع مرجرجا مؤخرته! شاهدته فانتفضت صائحا لا، لا.. دا ولا رقّاصة فى خمّارة! البتاع ده يطلع ويغنى ويقوم بدور أبطال مصر وشهدائها؟ اسفخس عليك، واسفخس على اللى كتب لك العهر ده واسفخس على الملحن واسخفس على اللى وافق يطلعك فى التليفزيون، وكمان اسفخس على اللى ما يتف على أمك.

فى شارع صفية زغلول وأنا وسط إعلانات هذه الأفلام المخجلة عن حرب أكتوبر.. انحدرت دموعى رغما عني، لم أشعر بالحرج والبعض يتطلعون إلىّ، فهم مجرد جهّال لم يعرفوا شيئا عن عنائنا وعن تضحياتنا. هم لا يعرفوننى ولن يعرفونى وإن شاالله ماعرفوني، فصورتى وصور زملائى المشوهين والمصابين والشهداء تبدلت لتكون الممثل السئيل والممثلة العبيطة والممثل المخنث، بالإضافة لمن غنوا لنا وخدودهم ريّانة من الشبع والدلع وأضواء الكاميرات. تعذبنا وعبرنا مقتحمين القناة.. والآن يُعبّر عنّا الطغمة السفلة وقبضوا ثمن سنوات عمرنا التى انقصفت.

______________________________

حجاج أدّول

من مخطوط (ينابيع الذات. مساحات من السيرة الذاتية 2002)

هنرى كيسنجر، وزير خارجية أمريكا وقتها. وصاحب نظرية السلام خطوة خطوة، والذى قام بدور أساسى فى معاهدة كامب ديفيد.