التعلم خارج الكتب د. محمود الضبع   ما تعلمته فى حياتى من الفلاحين وأصحاب الصنائع والبسطاء وممن لم يكن لهم حظ الالتحاق بمؤسسات التعليم النظامية، كثير، لا يقل أهمية عما

99333

Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2015-11-02 15:06:01Z |  |

التعلم خارج الكتب

د. محمود الضبع

 

ما تعلمته فى حياتى من الفلاحين وأصحاب الصنائع والبسطاء وممن لم يكن لهم حظ الالتحاق بمؤسسات التعليم النظامية، كثير، لا يقل أهمية عما تعلمته من الكتب ومن أساتذتى العلماء وفى المؤسسات التعليمية، بل كثيرا ما كنت أجد عند هؤلاء البسطاء أفكارا سابقة لقراءاتى ومعارفي، وخبرات قد يطول الزمن بى بين الكتب كى أتعلمها.

نحتاج لدراسة وتحليل «الفكر الثقافي»عند هذه الشرائح لأنهم الغالبية العظمى المعبرة عن الاتجاهات العامة للوعى وطرق التفكير والتعبير والإنتاج الثقافى إجمالا، وهم الحقيقيون الممثلون لهوية الأمة.

وتكفينى الإشارة هنا على سبيل المثال إلى «المثل الشعبي» الذى هو نتاج ثقافى لهؤلاء الحقيقيين الذين أتحدث عنهم.

نعلم جميعا أن هناك دراسات وبحوثا وكتبا فى الفنون الشعبية وعلاقتها بثقافة المجتمع، ودراسات انثروبولوجية عديدة ترصد حركة التركيب الطبقى للمجتمع وعلاقتها بالثقافات السائدة، وجميعنا يعلم أن هذه الثقافات هى نتاج حركة المجتمع ووعيه، لكن لأننا نعيش بالفعل قطيعة معرفية مزدوجة، وجهها الأول يتمثل فى القطيعة بين العلوم وبعضها، نظرا لانغلاق أصحاب التخصص على دوائرهم إلا ما ندر، ووجهها الثانى يتمثل فى القطيعة بين نتاج المعرفة إجمالا وبين المجتمعات فى واقع حياتها، وكلتا القطيعتين تفضيان إلى القطيعة الأكبر مع الحراك الحضارى السائد والتحول من نموذج الإنتاج إلى نموذج الاستهلاك.

أما القطيعة بين العلوم، فقد لا تتوقف فقط عند إلمام صاحب التخصص فى الاجتماع مثلا بفروع ومجالات العلوم الإنسانية أجمع، وإنما فى الاتصال مع العلوم التطبيقية، والعلوم البينية، وما يمكن أن يندرج فى سياق الإنتاج المعرفي، وإلا فما علاقة نظريات الفيزياء مثلا بالبحث فى علم الاجتماع ومساراته وحجم استفادته من منجزه وقواعده (علم الفيزياء)؟ أين استفادة علم الاجتماع من ذلك؟ وقد يحدث العكس فى استفادة الفيزياء من علم الاجتماع ورصد التشابه مثلا بين حركة المادة مع المواد الأخرى وحركة الإنسان مع البشر من حوله، أين باحثو العربية من هذا المسار؟ كم من النماذج التى يمكن رصدها فى واقعنا العربى تحتكم إلى الثقافة الموسوعية (سمة علماء التراث أجدادنا)؟ وكم من الكتب والدراسات التى يمكننا الوقوف عليها يتحقق فيها هذا التزاوج الذى يهدم أسوار القطيعة المعرفية؟

وأما القطيعة الثانية، بين النتاج المعرفى والمجتمع، فليس أدل عليها من أننا نتكلم لغة ونكتب بلغة، نعيش بلغة ونعبر عن أفكارنا بلغة، ومن المعروف للدارس المتخصص أن اللهجات العامية العربية (المصرية، العراقية، السودانية…. إلخ ) لها أبنيتها التى تمكنها من أن تكون لغة مكتملة النظام غير أن ذلك لم يتم استثماره على مر العصور، هذه القطيعة تؤكد أننا ننقسم لقسمين متباعدين، قسم يشتغل بالعلم ويتعامل معه ويفهم لغته، وقسم يمثله عامة الشعب يكاد لا يفهم ما يتم تداوله علميا ومعرفيا وبالتالى هو فى واد آخر يمثل ثقافة أخرى قد تقترب وقد تبتعد وقد تتعارض مع الثقافة المنتمية للعلم.

واقعنا العربى يحتاج إلى قراءة خارج الكتب قليلا، وخارج النظريات العلمية الواردة من فكر آخر، وخارج التغريب الذى وقعنا فيه فصرنا نطبق نظريات غربية على ثقافة عربية دون تكييف، وخارج التمسك بمعطيات التراث فقط، خارج ذلك كله، بالاهتمام بقراءة الواقع الفعلى لدى أصحاب الثقافة المجاورة للثقافة العلمية والمتوازية معها، ثقافة الشعوب من عمال وفلاحين وأصحاب صنائع وموظفين فى عالم البطالة :

– فهؤلاء هم الحاملون الحقيقيون لقيم التراث القابلة للتطبيق، هذا إن كنا نبحث عن إعادة صياغة لمنظومة القيم.

وهم الحاملون الحقيقيون لتقاليد وعادات الشعوب القابلة للمحافظة عليها بوصفها مكونا من مكونات الهوية، هذا إن كنا نبحث عن رصد ملامح هوية المجتمع فى ظل محو العولمة للحدود والفوارق بين الأشياء والبشر.

وهم المادة الأصل الثرية للأدب ونماذجه، والدراسات الإنسانية وعيناتها، هذا إذا كنّا نبحث عن الفنون التى تعيد صياغة شعوبها، وتمنحها مكانة بين الشعوب، وتدل عليها عالميا.

وهو المؤشر الحقيقى لواقع الاقتصاد، وآليات إنتاجه، هذا إن كنّا نبحث عن معطيات لبناء اقتصاد قوى يمكننا من المواصلة فى هذا العالم المتوحش، وقد دلت التجارب الفعلية مؤخرا على مدى فاعلية الشعب المصرى فى الالتفاف ومساندة أى مشروعات كبرى تتبناها الدولة.

يمكن استثمار قراءة كل ذلك، وقراءة المجتمعات العربية قراءة ثقافية متأنية، تمكن العلم العربى من أن يكون علما له وجود، وتمكن المجتمعات العربية من رؤية نفسها على خشبة المسرح لتتأمل أفعالها وترى صورتها الحقيقية بين الشعوب بديلا عن الفخر بـ“كان أبى “، و“ أولئك أجدادى فجئنى بمثلهم “، وغيرها من عيوب العقلية العربية التى لم تستطع الانتباه إليها بعد.

هذه التأملات لم تكن فقط نتاج القراءة والتعليم وإن كانا هما الأساس، وإنما هى أيضا نتاج التعايش مع المجتمع، ومراقبة وجوده وفكره ونتاجاته، ولذا نحتاج كما نتعلم من مصادر العلم، أن نتعلم أيضا من أصحاب الثقافات الفرعية ( الشعبية والريفية والصحراوية…إلخ )، فهى المفتاح الأول لأى بوابة، وهى التى يكون وعيها إما دافعا للتحرك، أو معيقا له تماما، وقد دلت التجارب فى تاريخنا المصرى على أنه حين كان هناك تعليم عام جيد ترعاه الدولة، كانت تنتج عنه نهضة جيدة، مثلما حدث فى عهد محمد على ما أنتج الطهطاوى وأقرانه، وفى نهاية عهد الملك فاروق، ما أنتج فنونا وآدابا مثلت مطلع العصر الذهبى للفن فى مصر، وفى عهد الرئيس جمال عبد الناصر، من اهتمام بالإذاعة والتليفزيون ونشر الكتب ومكتبات الشعب، ما أنتج أدباء وأعلام وفنانى القرن العشرين، وهكذا يكون العكس، فعندما يقل الاهتمام بالتعليم وتتدنى جودته تكون الشعوب غولا يلتهم كل معدلات التنمية، بل يقضى على الأصول، مما ينذر بالخراب الشامل.

نحتاج لأن نقرأ بنية ثقافة مجتمعاتنا خارج المؤسسات الرسمية، وأن نهدم الأسوار التى بنيناها حول جامعاتنا ومعاهدنا ومعاملنا ومراكزنا وتخصصاتنا وبالتالى حول عقولنا، نهدم الأسوار التى وسعت الهوة بين شرائح المجتمع وأطرافه وماضيه وحاضره فى عالم يتطور باستمرار بفعل العلم والتطبيق العملى على واقع الحياة وبالاهتمام بالفرد والإعلاء من شأنه وليس تجاهله بوصفه عبئا على الدولة أو تأخير مرتبته ومكانته فى أولويات الحكومات.

رفقا بهذا الوطن، ولننظر إلى عقول هذه الشعوب وليس إلى بطونها، لنساعدهم على أن يمتلكوا العقول التى تمنحهم القدرة على الإنتاج ليعتمد كل منهم على ذاته فى تغذية بطنه، ليكن اهتمامنا بدعم التعليم الجيد الذى لا ينفصل عن تيسير أدوات الثقافة والتثقيف، ولا ينفصلان عن اهتمام بالشباب وبنيته العقلية والجسدية، ليكن اهتمامنا بدراسة وتأمل هذا الشعب والعمل له ومن أجله فى التعليم والصحة والاقتصاد والسياسة والدين والفن وكل ما له علاقة بهذا الإنسان فى واقعه وحياته.