نعم.. بوب ديلان يستحق جائزة نوبل بقلم: جيم فوسيلي ترجمة: سناء عبد العزيز ربما يتساءل البعض ممن يؤيدون منح جائزة نوبل فى الأدب لبوب ديلان: لماذا تأخرت الأكاديمية السويدية كل

18

نعم.. بوب ديلان يستحق جائزة نوبل

18

بقلم: جيم فوسيلي

ترجمة: سناء عبد العزيز

ربما يتساءل البعض ممن يؤيدون منح جائزة نوبل فى الأدب لبوب ديلان: لماذا تأخرت الأكاديمية السويدية كل هذا الوقت؟ أما بالنسبة لهؤلاء الذين يعارضون هذا الاختيار فيطرحون تساؤلا آخر: الشاعر غنائي؟!

غير أن الاعتراف بالتميز لا ينقضى أجله مطلقًا بوقتٍ محدد، وديلان ليس مجرد شاعر وملحن؛ بل يتعدى ذلك بكثير. ربما يحق للبعض أن يثير جدلا حول التأخر الملحوظ فى منح الأكاديمية السويدية الجائزة لبعض الروائيين من أمثال هاروكى موراكامى وفيليب روث، وغيرهما كثيرون، أو بشأن أن ملحنًا مسرحيًا مثل ستيفن سونديم كان هو الأولى بالبدء إذا ما سلمنا بأن الأغانى تعد أدبًا. غير أنه لا أحد ممن يعرف مؤلفات ديلان ويدرك مدى تأثيرها عليه وعلى أجيال لاحقة من المؤلفين والملحنين بوسعه أن يشكك فى موهبته الفذة.

وتبقى بؤرة الجدل فيما يتعلق بمسألة إذا ما كانت كلمات الأغانى تشكل أدبًا: فقلما تصمد كلمات الأغنية وحدها دونما القالب الموسيقى الذى يمدها بالإيقاع. ومما يغيب عن التهكم بشأن تقييم كلمات السيد ديلان حقيقة أنه غَير الموسيقى الشعبية من خلال اكتشاف ثم استكشاف طرق جديدة لشحذ حكايات مميزة باللحن والإيقاع، مرارا وتكرارا، وفى كثير من الأحيان بشكل رائع، كما نرى ذلك فى “السيد رجل الدف” “Mr. Tambourine Man” وفى “مثل حجرٍ يتدحرج” “Like a Rolling Stone.”. والتى لا نجد لها مثيلًا- بغض النظر عن معيار القياس- فى أية أعمال أخرى لفنانى عصر الروك.

أقرت الأكاديمية السويدية بإجماع الآراء أن السيد ديلان “ابتكر تعبيرات شعرية جديدة ضمن التراث الغنائى الأمريكى العظيم”، وأوضحت بتلك الكلمات على وجه التحديد: إنها لا تدعى أن كلمات السيد ديلان تعتبر شعرا، ومن ثمَّ تصلح مقارنتها بأعمال الشعراء الحائزين على جائزة نوبل من أمثال تى اس إليوت، وروديارد كبلنج، وبابلو نيرودا، ودبليو.بي. ييتس وغيرهم؛ بل تقترح بأن مساهمته فى الأدب تندرج فى فئة منفصلة، تتمثل إحداها فى كونه شخصية بارزة. وتلك هى الحقيقة التى ستظل ثابتة.

أما أولئك الذين يعتقدون أن مؤلفات السيد ديلان الرائعة تنحصر فى بواكير أعماله الشعبية المعروفة باسم “الفولك” مثل “مطر سيهطل غزيرا” Hard Rain’s a-Gonna Fall,”، “فى مهب الريح” “Blowin’ in the Wind” و”الأوقات التى يتغيرون فيها” “The Times They Are a-Changin’”– فعليهم أن يدركوا أنه لا يزال يكتب بشكل بارع، حتى ولو أن ألبوماته لم تعد فى طليعة أغانى الروك والبوب. فأغنياته السردية التى ألفها فى أواخر التسعينات وأوائل القرن الـ21 والتى نذكر منها على سبيل المثال “قيود حديدية باردة” “Cold Irons Bound,”، “مياه عالية (من أجل تشارلى باتون)” “High Water (for Charley Patton),”، “مرضى الحب” “Love Sick” و”ادفع بالدم” “Pay in Blood” يمكن أن نقارنها من ناحية براعة السرد بأغنياته الرائعة فى الروك مثل “على طول برج المراقبة” “All Along the Watchtower” أو “الإعصار” “Hurricane.” حتى يتسنى لنا ادراك حقيقة مفاداها أن ديلان يعد بمثابة امتداد للتراث الأمريكى العظيم، ومن هنا فقد حرصت الأكاديمية على عدم اختصار السيد ديلان فى نمط معين من التأليف. حيث انه كتب أنماطًا رائعة فى شتى المجالات من الريف والغوسبل والبلوز وكذلك كتب أنماطًا مختلفة من أغانى الروك.

وتستطيع كلمات السيد ديلان أن يتردد صداها بشكل مستقل؛ فهو سيد العامية الأمريكية الذى يشحذ الكلمات والسرد بالموسيقى. وقد اشتملت جميع مؤلفاته على وجه التقريب ولاسيما أغانيه، على فكرة أو مطلع جملة تخصه وحده بشكل ملحوظ.

ولد ديلان فى هيبينج، بمينيسوتا، وهو كاتب أمريكى بزغ من نفس تربة الغرب الأوسط الأعلى مثله مثل إف سكوت فيتزجيرالد، وإلمور ليونارد، وسنكلير لويس، وكارل ساندبرغ وثورنتون وايلدر. كما ظهر فى سيرته الذاتية الرائعة التى صدرت تحت عنوان “مذكرات، المجلد الأول،” وكما تظهر أيضا وبشكل جلى فى كلمات أغانيه- فضلا عن أن السيد. ديلان يعد قارئًا نهمًا يقدر الحكى وكذلك التلاعب بالألفاظ وتدفق اللغة وانسيابها.

وتؤكد جائزة نوبل فى الأدب على تلك المكانة التى يستحقها باعتباره أكثر بكثير من مجرد شاعر وملحن مثلما غيره من الملحنين. وجدير بالذكر أن من يعرف ديلان عن كثب، يدرك مقدار طرافته، وملاحظاته المؤثرة وكلماته غير المتوقعة وبديهته الحاضرة.

وأخيرا فإن منح نوبل لبوب ديلان يعد بمثابة اعتراف تأخر كثيرًا، مع كل التقدير والاحترام للسادة موراكامي، وروث، وسونديم وغيرهم. فمؤلفات ديلان جملة جملة ومقطعًا مقطعًا تستحق بلا أدنى شك أقصى احتفال وأبلغ تقدير.

تذييل:

ثمة ملاحظة تسترعى الانتباه فيما يخص ترجمة كلمات بوب ديلان إلى العربية، فقد لاحظت إيثار ترجمة أشعاره إلى العربية الفصحى مما أفقد النص سلاسته، ولم يكشف عن جماليات النص وايقاعه الخاص والتى بموجبها حصل جائزة نوبل، ومن ثمَّ فإذا كنا نتكلم عن شاعر ومغن يعد سيد العامية الأمريكية فمن الأحرى أن تنصت الترجمة إلى صوته الخاص وتقدمه إلى القارئ العربى كما ينبغي.