ملف السريالية فى باريس .. تشويه جديد لرسوم كامل التلمساني   فى زيارة خاطفة لباريس قمت بها على حسابى الخاص، زرت معرض السرياليين المصريين الذى تم افتتاحه منذ أيام فى

kkkkk

ملف السريالية فى باريس .. تشويه جديد لرسوم كامل التلمساني

2011_634403526112475568_247_144150903

مى التلمساني

 

فى زيارة خاطفة لباريس قمت بها على حسابى الخاص، زرت معرض السرياليين المصريين الذى تم افتتاحه منذ أيام فى مركز بومبيدو تحت عنوان: “الفن والحرية. القطيعة، الحرب والسريالية فى مصر (1938 – 1948)”. كان اهتمامى منصبا فى هذه الزيارة على أمرين: رؤية لوحات كامل التلمسانى على الطبيعة، حيث لم تكن لدى أدنى فكرة عن اللوحات المختارة ولا عددها أو مصدرها، والاطلاع على وثائق جماعة الفن والحرية التى جمعها المنظمان سام بردويل وتيل فيلراث ومقارنتها بما جمعته من وثائق ومراجع على مدار العامين الماضيين.

وعلى الرغم من حرفية التنظيم وتنوع المطبوعات والوثائق وعرضها بشكل مثير ولائق بتاريخ الجماعة، إلا أن تراث كامل التلمسانى ودوره البارز فى تأسيس الجماعة وفى صياغة ملامحها الفكرية والفنية بالتعاون مع جورج حنين ورمسيس يونان وفؤاد كامل شابه قدر كبير من الاستخفاف والتحدى لم يعد مفهوما ولا مقبولا من مؤسسة بعراقة مركز بومبيدو تحتضن منذ عقود أهم تيارات الفن الحديث فى العالم ولا من منظمين يدعون الخبرة بهذا التراث وبهذا التاريخ، خاصة وقد ثارت شبهات حقيقية حول بعض اللوحات المعروضة واتهمت بعض الهيئات المروجة لها بعرض وبيع لوحات مزورة فى منطقة الخليج فى السنوات العشر الماضية.

20161022_090714

وكنت قبل أسابيع قد تبادلت مع المنظم سام بردويل بعض الإيميلات القصيرة أشار فيها إلى مقالى المنشور فى مارس الماضى فى جريدة «القاهرة» عن لوحة كامل التلمسانى المشتبه فيها والتى بيعت العام الماضى فى مزاد كريستيز بمبلغ مئة وثمانية عشر ألف دولار أمريكي، وكانت فى رأيه لوحة أصلية! وعلى الرغم من أنى حذرته كتابيا من ضمها إلى معرض بومبيدو أو إلى الكتالوج حرصا على سمعة المعرض نفسه وعلى سمعة مركز بومبيدو الأدبية والفنية إلا أنه أصر فى الايميل على اعتبار نفسه “جهة اختصاص” وقرر عرض اللوحة بل ضمها للكتالوج مشيرا إلى أنه أجرى عليها فحصا معمليا لإثبات أنها أصلية. ومن خلال مكاتباتى مع المسئولين فى كريستيز تبين لى أن مثل هذه الفحوص عالية التكلفة وليس فى مقدورهم القيام بها ولذا قرروا سحبها من المشترى واعادتها للبائع.

اللوحة المشتبه فيها معروضة اليوم فى باريس وقد التقيت سام بردويل أمس وتبادلنا الحوار حول لوحات كامل التلمسانى المعروضة فى مجملها، واشرت لاشتباهى فى لوحة ثانية لامرأة تمسك بين يديها وردة حمراء، كما أبلغته برأى كريستيز فى عملية البيع، وكان رد سام بردويل أن استعادة اللوحة أمر غير صحيح والدليل أن اللوحة معروضة ومدرجة فى كتالوج المعرض فى بومبيدو. وكان تبريره الوحيد الذى أصر عليه باعتباره “مختصا فى الفن” أن اللوحة قد تعرضت للترميم عدة مرات جعلها تختلف عن الأصل وأن احتمال أن يكون كامل التلمسانى قد رسمها بالحبر ثم حولها للوحة زيتية احتمال وارد، مرددا جملة تتنافى وأصول البحث العلمى هى جملة “ولم لا؟” متجاهلا أنها لا تصلح لتبرير التشويه الصارخ الذى طال عمل التلمسانى الفنى ومتغاضيا عن ضحالة اللوحة المشوهة فى مقابل الأصل المرسوم بالحبر. لم يقدم سام بردويل رأيا متخصصا، بل رأى أن الصدفة تحكم العمل الفنى وأن كل شيء وارد!

20161022_184222

والحقيقة أن كامل التلمساني، مثله مثل رمسيس يونان وفؤاد كامل، لم يلجأ لرسم اسكتش بالحبر ثم حوله للوحة زيتية، ولم يخلف وراءه كراسات لرسوم خطية تحضيرية للوحاته الزيتية. ومنطق “لم لا؟” منطق سطحى جدير بأن يستخدمه تجار الفن فى بحثهم المضن عن صيد ثمين، لكنه غير جدير بباحث يحترم أصول البحث ويبرأ بنفسه عن تبرير ما لا يمكن تبريره: تشويه مبادئ العمل الفنى وجمالياته الأصيلة. إن هذا النوع من النقل من اسكتش للوحة زيتية يتنافى تماما مع مبدأ الفن السريالى فى ممارسة الفن باعتباره شحنة خيال ودفقة شعور تصدر بشكل اتوماتيكى على طاولة الرسم. فضلا عن أن اللوحات التى نحن بصددها تبرز بوضوح لا لبس فيه التشويه المجحف الذى طال رسوم كامل التلمسانى وهى معروفة وموثقة وغنية عن البيان من حيث خصوصيتها وتفردها الفني.

وما زاد الطين بلة أن لسام بردويل كتابا اخر نشر منذ أيام عن دار نشر “أى بى توريس” البريطانية بعنوان “السيريالية فى مصر” اشتريته بالأمس فقط وتصفحته بحثا عن صور للوحات كامل التلمساني، وهالنى أن أجد لوحة زيتية أخرى مزورة ومنشورة فى الكتاب باعتبارها عملا أصليا تحت عنوان “امرأة من المدينة”. اللوحة عبارة عن تلوين مشوه وضحل لرسم أصلى بالحبر لكامل التلمسانى نشر عام 1938 فى كتاب جورج حنين “لامبررات الوجود”. والعجيب أن سام بردويل نشر الرسم الأصلى بالحبر فى كتابه ولم يتوقف عند مقارنة الرسم الأصلى باللوحة المزورة مكتفيا بنشر صورة اللوحة الزيتية وحجمها بهدف اعطائها الشرعية اللازمة تمهيدا لتسويقها فيما بعد بمئات الالاف من الدولارات.

deraisons_p26-27

يتنافى هذا الجهد الكبير فى تأليف كتاب عن السرياليين المصريين وفى إقامة معرض لأعمالهم فى بومبيدو لا شك فى أهميته التاريخية الكاشفة، مع طموحات التجارة فى الفن إلى حد استخدام البحث وسيلة للترويج التجاري، بل خيانة منهج وطموحات الفنانين السريالين أنفسهم فى كفاحهم ضد النخب البررجوازية باستعادتهم واستعادة فنهم بوصفه سلعة للبيع والاقتناء. موقفى هنا ليس فقط موقف الراعية لتراث عائلة التلمسانى الفنى ولا موقف الباحثة الأكاديمية التى وجدت نفسها فجأة فى مواجهة مع شبكة البيع والشراء الخفية التى تسيطر على سوق الفن المصرية، بل هو موقف مبدئى من قيمة الفن ومن قيمة الحرية التى ينبغى الحفاظ عليهما فى مواجهة التشويه المتعمد والافتراء والضحالة الفكرية والاتجار بالقيمة. لقد عرضت على د. خالد سرور فى لقاء سابق فى القاهرة منذ شهور فكرة كتاب يضم رسوم كامل التلمسانى وكتاباته النقدية فى الفن، ورحب ترحيبا كبيرا بالفكرة. الآن أصبح هذا المشروع أكثر الحاحا، ويحتاج لدعم وزارة الثقافة المعنوى قبل المادى فهى تمتلك عددا من لوحات كامل التلمسانى الأصلية وعددا من الوثائق المهمة عن تلك المرحلة والأجدر بها أن تصون هذا الكنز الثمين من الاهمال والتشويه بتوثيقه توثيقا علميا ومنهجيا فى القريب العاجل. وكما يحلو لى أن أذكر دائما، بالأمس لم يكن الوقت مناسبا، وغدا سيكون الوقت قد فات!