خان.. معلمى فى الحياة والسينما   أحمد رشوان     المشهد قبل الأخير حينما قرأت على صفحة “الكتب خان” إعلانا عن ندوة لخان وعرضا لكتابه “ مخرج على الطريق” فى

99997

خان.. معلمى فى الحياة والسينما

6030

 

أحمد رشوان

 

 

المشهد قبل الأخير

حينما قرأت على صفحة “الكتب خان” إعلانا عن ندوة لخان وعرضا لكتابه “ مخرج على الطريق” فى مركز “دال” يوم 31 مايو 2016، سارعت بالاتصال به.. “سنتقابل اليوم يا استاذ.. فرصتى لاننا لم ارك من فترة“.. أجاب خان بنبرته الرنانة المميزة “يا رشوان.. ما تتأخرش“.

كنت فى موعدى جالسا فى الصفوف الأولى فى انتظار وصول الاستاذ.. كانت القاعة ممتلئة بشباب لم أرهم من قبل.. لم يكن بين الحضور من أصدقائنا سوى الناقد محمود عبد الشكور والمونتيرالناقدة ة صفاء الليثى.. حضر  خان متأخرا قليلا على غير عادته بسبب ازدحام شوارع وسط المدينة، ومعه الناشرة كرم يوسف التى أصدرت كتاب خان منذ عدة أشهر..  صافحت خان وكرم، وبدأت الندوة التى تألق فيها خان بشكل لافت.. لم أره فى ندوة عامة من فترة لسفرى إلى الأقصر أثناء ندوة معرض الكتاب الماضى .

تحدث خان عن تجربته وأجاب عن كل أسئلة الشباب الحاضرين، وفى نهاية الندوة فوجئت بخان يتحدث عنى وعن طريقة تعارفنا، وعن عملى معه كمساعد ثان ثم أول، إلى أن أخرجت فيلمى الروائى الاول وعددا من الأفلام الوثائقية.. وجدت نفسى أطلب الكلمة بدورى لأتحدث عن علاقتى بالاستاذ .

بعد الندوة تصافحنا وضحكنا، والتقطنا صورتنا الأخيرة، لم أكن أعرف وقتها أنها ستكون الأخيرة. انصرف خان حيث لديه موعد، بينما جلست مع محمود عبد الشكور لعدة ساعات فى إحدى المقاهى بشارع قصر العينى وتحدثنا لعدة ساعات عن خان.. عن مشروع فيلمى الوثائقى الطويل عنه، وعن كتاب عبد الشكور الذى يعده الآن عنه من أجل تكريم المرتقب فى الدورة القادمة لمهرجان القاهرة السينمائي..  عبرت عن دهشتى لمحمود من كلام خان عنى فى ندوة اليوم.. لقد حضرت مع خان عشرات الندوات ولكنها كانت المرة الأولى التى يتحدث فيها عنى فى ندوة .

بعد عدة أيام وتحديدا يوم 5 يونيو، وقبل بداية شهر رمضان بيوم واحد، كنت فى منزل خان احتسى قهوتى ونحن نتحدث عن مشروع الفيلم الوثائقي، وغادرته بعد أكثر من ساعة، ودعنى خان، داعبته بأن رمضان سيبدأ غدا ويجب ألا ينسى دعوتى على الافطار، ضحك خان قائلا “ يمكن سحور “.. لم أعرف أنه سيكون الوداع الأخير.

13782070_10157229011160319_4483441808116062153_n

فلاش باك

علاقتى بالأستاذ التى استمرت نحو 28 عاما تخللتها محطات وتقاطعات.. ضحكات وأحباطات..  لم ينقطع التواصل بيننا مهما باعدت بيننا قوانين الجغرافيا، ولم يستمر الخلاف بيننا طويلا مهما اختلفنا.. يكفى ان يهاتف أحدنا الاخر لينتهى أى خلاف.. يكفى ان يقول لى “ أنا زى أخوك الكبير”.. كنت اعتبره أبى.. مجازا أبى الروحي، لكن ربما تمنيت يوما أن يكون أبى.. أخاطبه أحيانا ضاحكا بكلمة أبى بالفرنسية “papa “، لكنى كنت أشعر بالخجل من نظرات المحيطين..

بدأت علاقتى بمحمد خان عام 1988، كنت طالبا بكلية الحقوق، اعشق السينما واعتبر أن أفلام خان هى أحد الاسباب التى يرجع إليها هذا العشق . وكان خان مخرجا مرموقا انتهى لتوه من تصوير فيلمه الثالث عشر “أحلام هند وكاميليا”..  أرسلت له عبر البريد النشرة الصغيرة التى كنت أصدرها فى الاسكندرية مع أصدقائى وكانت تحمل اسما أراه غريبا اليوم “سينما الفراعنة” !!.. كان العدد الخامس من النشرة عن فيلم “ زوجة رجل مهم”.. لم أكن اتوقع أن هذا المخرج الكبير سيتحمس لنشاطنا، بل يعرض علينا الكتابة فى نشرتنا المتواضعة، وبالفعل أرسلنا له مقالا بعنوان “بداية الطريق” تم نشره فى العدد التالى يونيو 88. أما لقاؤنا الأول فكان بعد قرابة شهرين، قابلته مع صديقى حسام نور الدين ودعانا خان لتناول البسبوسة فى محل هارون الرشيد بميدان الأوبرا.. “بدأت علاقتى برشوان بطبق بسبوسة”..  هذا ما قاله خان مداعبا فى ندوة مركز ”دال”!!..  وبعدها أوصلنا خان إلى محطة قطار رمسيس حيث سنستقل القطار العائد إلى الاسكندرية.

فى لقائنا الثانى بمهرجان القاهرة السينمائى من نفس العام أجريت معه حوارا من أجل نشرتنا الصغيرة، وأخبرته برغبتى فى دخول معهد السينما بعد انتهاء دراستى للحقوق هذا العام.. شجعنى خان بكلماته مؤكدا أنه يجب أن أفعل ما أريد، وأن أحقق ما حلمت به .

فى العام التالى 1990 نجحت فى الالتحاق بالمعهد، هنأنى خان بحرارة معتبرا أن دخولى المعهد خطوة جادة على درب تحقيق حلمى.. كانت الخطوة الثانية والأهم بالنسبة لى أن أعمل مع خان كمساعد مخرج، وأن أتعلم من هذا الرجل الذى أحببت السينما بسبب أفلامه.

وبعد عدة أشهر كنت أقف فى موقع تصوير فيلم قصير لخان يحمل اسم “يوم فى حياة أسرة سعيدة” وهو واحد من مجموعة أفلام حققها خان لمصلحة هيئة الاستعلامات عن تنظيم الأسرة . كنت مساعدا تحت التدريب بينما المساعد الأول و الأوحد فى هذا الفيلم كان على ادريس ومدير التصوير كمال عبد العزيز.. تعلمت بعض الاشياء خلال أيام التصوير المحدودة لهذا الفيلم، ولكنى كنت أطمح إلى تعلم الكثير.

فى عام 1992 كانت مفاجأة سعيدة بأن يقبل خان انضمامى لفريق عمل “مستركراتيه“ كمساعد ثان. لم أكن ألفت بعد  جو العمل فى الأفلام الروائية حيث تدربت العام الماضى فى فيلم “شمس الزناتي” مع سمير سيف.

بدأ تصوير “مستر كراتيه” أثناء امتحاناتى بالمعهد، ولكنى تمكنت من اللحاق بالتصوير من الاسبوع الثانى.. جراج وشوارع وناد لاشرطة الفيديو بمنطقة الزمالك.. الشوارع والكبارى ثم الشوارع ولا مفر.. اللهاث خلف هذا المخرج المخضرم الذى يشعرك أنه أصغر منك سنا..  التعامل مع محمد السبكى ومع أحمد زكى .. كل هذه خبرات جديدة..  ذهبت فى الايام الاولى للتصوير برفقة أحد مساعدى الانتاج وكان اسمه “التيت” !! لشراء دكر بط !

كنت أحاول الاستفادة من خبرات الأستاذ.. الاقتراب منه لتحقيق ما يريد.. نحن أقرب إليك من حبل الوريد.. أى شىء سيطلبه الأستاذ سأسعى لتحقيقه.. هكذا قررت . عملت بالفيلم عدة أيام “كلاكيت” بعد اعتذار كلاكيت الفيلم إلى أن أتوا بآخر .

طلب منى خان التمثيل فى أحد المشاهد لأن الكومبارس لم يعجبه، فوقفت امام الكاميرا لأول مرة فى حياتى أمام أحمد زكى الذى استوقفتنى شخصيته كثيرا.. كان بالنسبة لى الأكثر موهبة ولكنه إنسان غريب يصعُب التعامل معه.

أتذكر مواقف عديدة أثناء تصوير الفيلم، ولكنى لا أنسى الموقف حينما كنا نقف أسفل عمارة تحت الإنشاء لتحضير إحدى اللقطات، وتحرك خان لبضعة سنتيمترات ثم سقطت قطعة من الحديد أحدثت حفرة فى الاسفلت، وجِم خان ثم عادت ابتسامته “ الحديدة دى كانت داخلة فى راسى“.. “سلامتك يا أستاذ”..

أثناء التصويرالذى استمر لعدة أشهر تغير المساعد الأول أكثر من مرة، إلى أن جاء الأستاذ بالراحل عادل شكرى ليكمل معه الفيلم كمساعد أول، وكانت بداية علاقتى الوطيدة بعادل والتى استمرت لسنوات طويلة تعرفت خلالها على نادية شكرى مونتيرة خان الأثيرة، وعلى السيدة الفاضلة زوجته ليلى فهمى مونتيرة النيجاتيف .

كانت سعادتى فى العرض الخاص للفيلم وأنا أرى اسمى لاول مرة على تترات فيلم طويل يحمل توقيع محمد خان الذى كان مهموما بردود الأفعال.. يعرف أن النقاد سينالون من الفيلم.. ولكنه كان يفكر فى فيلمه الجديد.

فى العام التالى 1993 وأثناء دراستى بالفرقة الثالثة، طلبت من خان أن يظهر فى مشروع فيلمى الروائى ويحمل اسم “أحلام فرح“ وبطولة فتحى عبد الوهاب وعزة بهاء.. وافق خان على المشاركة فى مشروعى حيث ظهره بشخصيته كمخرج وكذلك مدير التصوير كمال عبد العزيز، حيث يعمل بطل الفيلم فتحى عبد الوهاب كمساعد مخرج لخان، وكان تصوير مشهد خان لمدة يوم واحد فى استوديو جلال.. كنت سعيدا بأن يوافق الاستاذ على العمل معى كمخرج، ربما حاولت أن أثبت له أن تليمذه مخرج شاطر !

وفى شهر يونيو من نفس العام، كنت مساعدا  لخان فى فيلم “يوم حار جدا”.. تجربة جديدة مع الاستاذ حتما سأتعلم منها الكثير.. فى هذا الفيلم بدأت من مرحلة التحضير، بل ذهبت بنسخة السيناريو الذى كتبته زينب عزيز إلى حى “بين السرايات“  لأطبع أول عشر نسخ من السيناريو، الفيلم من إنتاج “خان فيلم”.. خضت تجربة معاينات أماكن التصوير مع الاستاذ.. كما خضنا تجربة جديدة فى “الكاستينج”..  صممت استمارة بمساعدة صديقى أحمد شحاتة، وذهبت لفرق الهواة المسرحية لملء هذه الاستمارات وإرفاقها بصورة لكل ممثل، كانت تجربة جديدة ومثمرة قبل أن يكون هناك إنترنت، واختار خان عددا من ممثلى الأدوار الثانوية عبر هذه الاستمارات.

بدأنا التصوير فى شهر أغسطس، وعملت “سكريبت” بجانب عادل شكرى كمساعد أول.. محمود حميدة، شريهان، محمد فؤاد، وخان يجول بكاميراه فى شوارع القاهرة ونحن معه.. شقق وفندق، ثم شوارع.. أتذكر التصوير فى ميدان رمسيس وخان يصرخ فينا “شيلوا الناس“.. كانت طلبات تعجيزية ولكننا تعلمنا منها الكثير.. تعلمنا التصوير فى الشارع دون خوف، وتعلمنا أن نفعل ما نريد دون تنازلات .

أتذكر مشهدا فى “يوم حار جدا” بين حميدة ومنحة البطراوى التى كانت تؤدى شخصية سيدة اسمها “عايدة “ صاحبة مشغل للخياطة ومتزوجة عرفيا بحميدة.. فى هذا المشهد تحدث مشادة بينهما يقوم حميدة على اثرها بحرق ورقة الزواج العرفي، التوتر المتصاعد فى المشهد والجملة التى يقولها حميدة “ انا بقيت خمسين.. عارفة يعنى ايه خمسين يا عايدة “.. لفت نظرى أن خان قد أتم عامه الخمسين منذ عدة أشهر وقتئذ، وشعرت أن هذه الجملة هى لسان حال خان الذى بدأ يشعر بتقدم العمر .

بعد عامين وفى 1995، أُسند لخان إخراج افتتاح وختام حفلى المهرجان القومى الأول للسينما، واستعان خان بكتيبة من المخرجين والسينمائيين الشباب وانا بينهم لمساعدته فى إخراج الحفلين، وكذلك لإخراج الكليبات الخاصة بالمكرمين.. قائمة طويلة تضم : هالة جلال، سعد هنداوي، هالة خليل، خالد الصاوي، هانى خليفة، زينب عزيز، إسلام عزازي، عادل أديب، سامى حسام.. أخذنا خان إلى شركة مونتاج فى مصر الجديدة اسمها “كيميت” لنتعرف على جهاز مونتاج Avid الذى كان اختراعا عصريا وقتها. شاب صغير اسمه “تامر عزت” أخذنا فى جولة لنتعرف على هذا الاختراع، أصبح فيما بعد من أصدقائنا المقربين وتحول إلى الإخراج . كان الافتتاح مذهلا وتمم فيه تكريم فاتن حمامة وصلاح أبوسيف ومحمد توفيق وهاشم النحاس، أشاد الحضور بروعة الافتتاح.. لكن فى حفل الختام حدثت بعض الاخطاء اصابت خان بالإحباط، وبدورنا انتقل الينا هذا الإحساس.. أن ترى خان مهموما، أو تغيب الابتسامة عن وجهه فاعرف أن هناك أمرا عسيرا.

فى سبتمبر من نفس العام، وأثناء مهرجان الإسكندرية السينمائى كان خان عضوا فى لجنة التحكيم، دعانا أبى لتناول الغداء فى منزلنا بالاسكندرية.. المرة الوحيدة التى التقى فيها أبى بخان.. وكان بصحبتنا سعد هنداوي، أمل فوزي، زينب عزيز، وإبراهيم صالح.. كانت جلسة لطيفة بعد الغداء وبادر أبى الذى لا يعرف الكثير عن السينما بانتقاد فيلم الحريف وهو لا يعرف انه من إخراج خان، فلفت نظره  على فكرة يا بابا الفيلم ده بتاع الاستاذ خان“ شعر ابى بالحرج وضحكنا كثيرا.. على مدى عشرين عاما كان أبى يسألنى عن خان وصحته “خان عامل ايه ؟“ وأيضا خان سألنى عنه حينما علم بمرضه “ابوك عامل ايه ؟ “.. هذه المقابلة الوحيدة ربطت بين أبويّ، وتشاء الأقدار أن يرحل خان، ثم يرحل أبى بعد أقل من شهر أبى الروحى .

88111

أيام السادات الصعبة

عام 1999 طلب منى خان أن أعمل معه كمساعد أول فى فيلم “أيام السادات“، ترددت قليلا لكنى عدت وقبلت المهمة الصعبة لكى أكون بجانب الأستاذ.. قرأت السيناريو وقلت لخان ان السيناريو يعانى ضعفا، ولم يفاجأ خان برأيى لأنه كان يعلم أكثر منى المشاكل التى يعانيها السيناريو . بدأنا رحلة التحضيروالكاستنج وبدأت المصاعب فى الظهور، وإعادة اكتشافى لشخصية أحمد زكي، ليس فقط كممثل، بل كمنتج للفيلم ومشارك أيضا فى السيناريو.. توقعت أننا سنعانى الكثير من المشاكل خلال فترة التصوير.

كنت مشفقا على خان الذى كان يبدو عليه القلق، ولكن التحدى كان سمة واضحة من سمات خان، وأنه سيصنع هذا الفيلم الصعب مهما كانت المشقة. كان رهان خان على المشاهد الانسانية وهى مواقف قليلة فى سيناريو يمتلئ بالخطابة.. كانت الاجتماعات تعقد فى مكتب أحمد زكى وفى فندق “رمسيس هيلتون” حيث يقيم زكي.

الكاستنج لهذا الفيلم كانت تجربة صعبة لأننا نبحث عن وجوه معينة لشخصيات تاريخية تحمل ملامح معينة، كان كل منا يحمل الكتاب التذكارى لصور السادات فى مراحله المختلفة.. ذهبت مع خان فى البداية لمشاهدة عدد من المسرحيات لتعيننا فى اختيار الممثلين .

قبل بداية التصوير بعدة أشهر أجرينا اختبارا  بالكاميرا Audition لعدد من الممثلات لاختيار الممثلة التى ستلعب دور جيهان السادات شابة، وشارك فيه نيللى كريم، جيهان فاضل، ومنى زكى التى تم اختيارها لأداء الدور وهو ما لم تعتد عليه السينما المصرية، وفى هذا اليوم قمنا بتصوير أحمد زكى بمكياج “ السادات شابا” وأيضا ميرفت أمين بالمكياج وفورمة الشعر، وصورنا أيضا الطفل الذى لعب دور السادات .

بدأ تصوير الفيلم فى يوم 22 فبراير 2000 فى مدينة بورسعيد، واثناء انتقالنا بالعبارة لبورفؤاد تصفحنا الجرائد اليومية، وتوقفت عند خبر رحيل المخرج حسام الدين مصطفى الذى كان يبادر بإعلان العداء والكراهية لخان ورفاقه من جيل الثمانينات واسماهم “مخرجى الصراصير”، وصرح أكثر من مرة بأنه أولى بإخراج السادات من محمد خان “ الشيوعى “، بينما هو “ساداتى“ أصيل!

مررت الجريدة لخان الذى قرأ الخبر باهتمام “يا رشوان.. دى علامة“..

صورنا عدة أيام فى بورسعيد وبدأت المشاكل تطفو على السطح، وحدث فى اليوم الثالث للتصوير أول مشادة بينى وبين أحمد زكى.. طلب منى خان الهدوء وعليّ أن أتحلى بالصبر.. وانتقلنا بعدها إلى القاهرة، وبدأ الصراع يظهر بين قسم الانتاج من جهة وأقسام الإخراج والتصوير والديكور من جهة أخرى.

كانت رغبة أحمد زكى كمنتج ان يتم التصوير فى 10 أسابيع، بينما أصر خان أننا نحتاج إلى 12 أسبوعا. كان تحويل موقع التصوير إلى موقع يدور فى حقب الاربعينات أو الخمسينات أو الستينات هو صراع يومى وشاق خاضه خان مع طارق التلمسانى وأنسى أبو سيف ونحن من ورائهم.. كنا نتوقف لعدة أيام بين الفينة والأخرى لنعد مواقع التصوير أو لنعثر على بعض ممثلى الأدوار الثانوية.. ومن المآثر التى حدثت قيام أنسى أبو سيف وفريقه بترميم مبنى مجلس قيادة الثورة “الحقيقي” بالجزيرة، حيث قمنا بتصوير نفس المشاهد فيه .

كنت أعمل تحت ضغط كبير، وكان عليّ ان أوكل بعض المهام لفريق الإخراج المعاون لي، وأوكلت مهمة اختيار ممثلين “مجلس قيادة الثورة” لفاضل الجارحى والذى أتمها على أفضل وجه رغم وجهة نظر أحمد زكى بأن نستعين بنفس الممثلين الذين قاموا بنفس الأدوار فى فيلم “ ناصر 56” !

مرت أيام التصوير على مضض إلى أن حدثت الأزمة الكبرى بين خان وزكي، توقف التصوير على اثرها، وانتقلت الأزمة إلى نقابة السينمائيين وإلى صفحات الجرائد . كان خان فى حالة نفسية سيئة ولكنه كان يتحلى بالقوة والقدرة على اتخاذ القرار كعادته.. كنت أرغب فى الاعتذار عن استكمال الفيلم، لكن قوة خان أشعرتنى بالخجل فتراجعت عن قرارى .

بعد انفراج الأزمة عدنا لتصوير ما تبقى من مشاهد الفيلم، كان التصوير فى استراحة السادات بالإسماعيلية، وطلب منى خان أن أذهب مع زكى وفريق الانتاج قبل التصوير بيوم، حاولت تحسين علاقتى بزكى حتى تسير الأمور على ما يرام وقبلت دعوته على العشاء . وفى يوم التصوير الاول لم يكن هناك حديث بين خان وزكي، وكان عليّ أن أنقل لكل منهما ما يريد أن يقوله للآخر ..

انتهت الأيام الصعبة مع آخر أيام التصوير فى مطار القاهرة.. المشهد الذى تصل فيه طائرة السادات إلى تل أبيب ويتم استقباله من قبل جولدا مائير وعدد من المسئولين الاسرائليين.. كان فريق العمل فى حالة من السعادة، كنا نغنى فرحا بقرب انتهاء التصوير.. ومع كلمة STOP الاخيرة التى نطقها خان، أُغلق هذا الملف بالنسبة لى وقررت أن أتوقف عن العمل كمساعد مخرج.. لا أعرف كيف قطعت المسافة الفاصلة من المطار إلى الهرم.. كنت أقود سيارتي، وكانت الأحداث تمر أمامى كشريط سينمائى كابوسى.. الأحداث تمر ببطء، إلى أن وصلت لمنزلى بالهرم .

khan(7)

كليفتى.. التبشير بالديجيتال

بعد عامين من انتهاء فيلم “أيام السادات“ وتحديدا فى 2002, بدأ خان تجربة جديدة راهن فيها على التمرد عبر الديجيتال من خلال إخراجه وإنتاجه لفيلم “كليفتي” . لم تكن تجربة خان هى الأولى، بل سبقه يسرى نصر الله فى فيلم “المدينة “، وتزامن مع “كليفتي” فيلم خيرى بشارة “ ليلة فى القمر” .

بدأ خان رحلة من البحث واشترى كاميرا ديجيتال وجهازا لتسجيل الصوت DAT، وكان يرى أن بشارة أشطر منه لأنه درس الموضوع بشكل أكاديمى أعمق وأكثر دأبا، لذلك قرر أن يستعين به كمستشار فنى فى تجربة “كليفتي”.

كان خان ينشد الحرية.. حرية اختيار الممثلين، وحرية زمن تنفيذ المشروع، وحرية العمل مع فريق محدود العدد.

تحدى السوق السينمائى بمنتجيه وموزعيه.. تجربة استحقت من خان أن يخوضها .

كنت فى هذا الوقت أكتب بشكل منتظم فى جريدة الحياة اللندنية، وقمت بعمل عدة موضوعات عن تجربة خان وخيرى مع الديجيتال، وحضرت عددا من أيام تصوير “كليفتي” من أجل التقاط الصور الفوتوغرافية حيث لم يكن يسمح محدودية فريق العمل بوجود مصور فوتوغرافي، قمت بلعب دور صغير لسائق تاكسى متطرف يركب معه بطل الفيلم باسم سمرة صدفة وتحدث بينهما معركة تنتهى بتكسير زجاجات الخمور التى يحملها باسم..  لقد عرض عليّ الاستاذ هذا الدور ورحبت به وأديته بجدية شديدة وأشاد بأدائى الاستاذ.. سعدت بهذه المساهمة البسيطة فى “كليفتي” الذى تعود أهميته لبدايات الأفلام المستقلة بالديجيتال.

لاحقا وبعد عدة سنوات حققت فيلمى “بصرة” عام 2007 عن طريق الديجيتال أيضا، وشجعنى خان من بداية المشروع حيث قرأ السيناريو وأبدى لى بعض الملاحظات، وزارنى أثناء التصوير، كما شاهد النسخة قبل الاخيرة أثناء المونتاج.

أثناء تكريم خان فى المهرجان القومى للسينما بدار الأوبرا فى ابريل 2008 كتب لى إهداء على كتاب تكريمه الذى كتبه الناقد أحمد يوسف “ إلى أحمد رشوان.. تلميذ ثم زميل وأخيرا يحقق حلمه، وهذا ما تمنيته لك دائما.. محمد خان.. 22/4/2008 “، بعد شهور أصيب خان بأزمة صحية وأجرى عملية “القلب المفتوح”، وسارعت بزيارته حينما سُمح بالزيارة.. كان يبدو مجهدا، وأثر ابتسامته على وجهه وهو يحكى ما حدث “ أول ما حسيت بالألم الفظيع ده، أنا قولت خلاص باى باى “.. “ لا يا استاذ متقولش كده.. لسه فيه أفلام جاية كتير”.. نظرات وسام سليمان مليئة بالقلق.. الفترة القادمة تحتاج إلى نظام غذائى معين “ ماكروبيوتك “ وخان المحب للطعام والمتذوق له من الصعب إخضاعه لأى نظام.. هى إذن الفترة الأولى التى سيلتزم فيها بالطعام المحدد والابتعاد عن التدخين..

سيعود بعدها خان إلى الطعام والعصبية والسجائر..

فى المهرجان القومى للسينما 2009، حصل “بصرة” على جائزتى العمل الأول والجائزة الثالثة فى الانتاج . كان خان عضوا فى لجنة التحكيم برئاسة الكاتب الراحل جمال الغيطانى . ورغم وجود أسماء مهمة من السينمائيين فى لجنة التحكيم إلا أننى شعرت بالفخر لأن أحد المحكمين هو أستاذى الذى تعلمت منه الكثير.

ظل خان موجودا فى حياتى العملية والشخصية مشاركا فى مناسباتى الخاصة، كان يمدنى بالحماس فى مشاريعي، ويحدثنى عن مشاريعه المستقبلية دون أن يفقد حماسه يوما.. لقد انتقل من مشروع فيلم “نسمة فى مهب الريح“ بعد توقفه إلى “ستانللي”، وعمل أيضا على مشروع “ المسطول والقنبلة”، وظهر أيضا فى هذه الأثناء مشروع “ عزيزى الأستاذ إحسان “ الذى كتبته وسام سليمان والذى حمل فيما بعد اسم “بنات روزا”.. هذه السنوات لم تفقد خان حماسه إلى أن بدأ فعليا فى تنفيذ فيلم “فتاة المصنع” عام 2012 .

 

تحيا الثورة

كنت أعرف أننى سأرى خان فى الميدان.. كان وطنيا وعاشقا لبلده، ويتمنى أن تنال حظها من التطور والديمقراطية، كان لقاؤنا يوم المليونية الاولى فى 1 فبراير 2011، ثم التقينا يوم جمعة النصر، وهى الجمعة التالية لتنحى مبارك 18 فبراير، كان يبدو عليها السعادة، يحمل ابتسامته العريضة التى كنت اسارع بالتقاطها بكاميرتى حينما آراه.. لاحقا حينما أنهيت فيلمى الوثائقى “ مولود فى 25 يناير” كان خان موجودا فى عدة لقطات بالفيلم.

كانت الأجواء الثورية فرصة لأن نطرح مجددا قضية منح الجنسية المصرية لمحمد خان، وهو المصرى الوطنى الاصيل، المولود والمعبر بأفكاره وأفلام عن البسطاء وهمومهم ليس بحاجة لشهادة ورقية موثقة تثبت وطنيته او انتمائه، ولكنها كانت رغبته.

طرحنا الأمر على د.عماد الدين أبوغازى وزير الثقافة آنذاك والذى وعد بطرح الأمر على مجلس الوزراء، قمنا بحملة لجمع التوقيعات، وأنشأنا صفحة على الفي سبوك تحمل اسم “ الجنسية المصرية لمحمد خان”، ساندتنا الصحافة فى حملتنا، وبعد أن أصبح حصول خان على الجنسية المصرية قاب قوسين أو أدنى، اختفى الامل والاوراق فى أدراج البيروقراطية مرة أخرى، لكن بعد نحو ثلاث سنوات وتحديدا فى 19 مارس 2014 أصدر الرئيس عدلى منصور قرارا جمهوريا بمنح الجنسية المصرية لمحمد خان . جاءنى الخبر وأنا فى مدينة الأقصر فجرا، واتصلت به باكرا وشعرت بمدى سعادته لأن أمنيته قد تحققت أخيرا.. أليس من حق هذا الفنان أن يفرح ونفرح نحن معه.

الأقصر.. أجداد وذكريات

احتلت مدينة الاقصر جزءا مهما من ذكريتنا خاصة بعد الثورة، فقبل حصول خان على الجنسية بنحو شهرين كنا ضيوفا على مهرجان الأقصر للسينما الأوروبية والمصرية، حيث جمعتنا ندوة عن السينما المستقلة شارك فيها عدد من السينمائيين المعنيين بالأمر، كما شهد المهرجان العرض الاول لفيلم “فتاة المصنع” فى مصر بعد عرضه فى مهرجان دبى السينمائى الدولى وحصوله على جائزتين هناك.

كان العرض يكتظ بمئات المشاهدين . بعضهم من أصدقائنا السينمائيين، لكن كانت أغلبية الحضور من أهالى الأقصر، انتهى العرض بعاصفة من التصفيق،ووقف خان ليلقى كلمته ولكنه بدأ فى البكاء لأنه تذكر سعاد حسني، أصابتنى حالة من الوجوم لأنها كانت من المرات النادرة التى أرى فيها دموع الأستاذ. حتى صوره فى كل المناسبات أغلبها تحمل ابتسامته العريضة المتفائلة.. وأغلب صورى الضاحكة كنت بجواره.. أعيد تأملها اليوم وأبتسم .

كان وجودنا فى الأقصر فرصة لنتجول فى شوارع المدينة الهادئة مع خان ونادين وكمال عبد العزيز وآيتن وهالة لطفى وأحمد شوقى ويوسف هشام وياسر هويدى وأحمد فوزى ومحمد سمير وغيرهم من الشباب الذى يسعدون بصحبة هذا المخرج الكاريزمى العاشق للسينما .

قبل عامين فى فبراير 2012 كان لقاؤنا فى مهرجان الأقصر للسينما الافريقية الأول، كنت مشاركا فى المسابقة بفيلم “ مولود فى 25 يناير “ وكان خان عضوا بلجنة التحكيم . كنت اشعر قليلا بالحرج، رغم أننى أعرف جيدا أن خان لا يجامل فيما يتعلق بمهامه المهنية، وحينما حصلت على الجائزة كنت أشعر بالفخر لأنها بمثابة شهادة من أستاذى.. فى حفل الختام كنت أجلس فى صفوف الحضور، وخان يعتلى المنصة، ثم أعلن عن فوزى بجائزة أفضل إسهام فنى عن فيلم «مولود فى 25 يناير».. قفزت لأتسلم الجائزة وتوجهت نحوه لأقبله وابتسامته تعلو وجهه كالعادة.. لا يمكننى مهما طال الزمن أن أنسى هذا المشهد.

كان خان قد شاهد الفيلم فى مراحله المختلفة، وأمدنى بآرائه الصائبة، ثم عاد وشاهده فى عرضه الأول بمهرجان دبى السينمائى الدولى فى ديسمبر 2011.. حضور المهرجانات السينمائية بصحبة خان له متعة خاصة .فخان عاشق نادر للسينما، ليس فقط كصانع أفلام، بل كمشاهد ومتابع دءوب للافلام العالمية والعربية والمحلية.. قبل السفر يدخل على موقع المهرجان ليتعرف على الافلام المشاركة ويجهز جدوله الخاص.. تراه يسرع من قاعة لقاعة ليلحق بفيلم ما.. له نظرة خاصة فى الافلام، فأجدها فرصة لأشاهد معه ما اقترحه عليّ فى قائمته، ونتناقش بعد العرض فى الفيلم الذى شاهدناه.

فى مهرجان الإسكندرية العام الماضى ذهبت للقاء خان . وفى المساء ذهبنا بصحبة سعد هنداوى وعصام رجائى إلى مطعم “كالثيا” حيث صور خان من سنوات طويلة مشهد يجمع بين أحمد زكى وميرفت أمين فى فيلم “ زوجة رجل مهم “.. لم يزر خان هذا المكان من وقتها، ولكنه شعر بالحنين بعد تلك السنوات وهو يتلقى التحيات من الجرسونات القدامى الذين حضروا تصوير الفيلم، وكذلك من أمير صاحب المكان الحالى الذى كان يحضر التصوير برفقة والده حينما كان طفلا.. التقينا فى “كالثيا” بخالى عبد العزيز السباعى والصديق السكندرى وجيه القاني، أكلنا الأسماك وضحكنا رغم أن خان كان مهموما..  صحبة خان هى لحظات تاريخية، والأماكن حية وشاهدة على إبداعاته وأفلامه من العلامات التى حُفرت فى ذهن محبى السينما فى العالم العربى.

انشغل خان بعدها فى الانتهاء من المراحل الأخيرة لفيلمه “قبل زحمة الصيف”، ثم سافر إلى مهرجان دبى السينمائى لعرض فيلمه هناك ولم أره إلا فى اواخر شهر ديسمبر حينما ذهبت إلى مكتبة “الكتب خان” لأحضر أول حفل توقيع لكتابه الذى انتهى منه مؤخرا ويحوى المقالات التى كان يكتبها فى عدد من الجرائد العربية والمصرية على مدى سنوات عدة، وقع لى الاستاذ على كتابه “ إلى أحمد رشوان.. مشوار مشترك مثمر دائما.. محمد خان 20/12/2016“.. كنت سبق وأن قرأت أغلب هذه المقالات وقت صدورها، ولكنى أعدت قراءتها ضمن متن الكتاب الذى يحمل العديد من المقالات فى السينما والحياة، واستمتعت بقراءته مجددا .

المشهد الأخير

منذ أن غادرت منزل خان فى الخامس من يونيو لم أره، كنا نتبادل التليفونات ونحاول أن نحدد موعدا، ولكن أصيب خان بكسر نتيجة لسقوطه، وبعد عودتى من الإسكندرية فى إجازة العيد حددنا موعدا للقاء يوم الخميس تأجل إلى الجمعة، ثم الأحد 25 يوليو.. اتصل خان بى فى الثانية والنصف ظهرا ليلغى الموعد وكان صوته متعبا بشكل أصابنى بالقلق، حاول أن يطمئنى ولكنى لم أتخلص من القلق .

لم أكن أدرك أنها كانت مكالمة الوداع إلا حينما أيقظنى الهاتف فى السادسة صباح يوم الثلاثاء 27 يوليو لينقل خبر رحيل الأستاذ.. ساعات من عدم التصديق والارتباك.. مكالمات هاتفية وبوست صعب على الفيس بوك.. عانيت لكى اكتب كلمة وداع.. عدم الرغبة فى التصديق.. نزلت برفقة أحمد شوقى متوجها للمستشفى ومنها إلى المسجد لأشارك فى حمل الصندوق الذى تقبع بداخله يا أبى.. الأصدقاء والمحبون جاءوا من كل حدب وصوب.. وانت قابع فى صمت داخل صندوقك.. لا تضحك كعادتك.. انتظر أن تنادينى بصوتك المميزالرنان (يا رشوان).. أسير معك إلى مستقرك الأخير.. أنزل معك إلى هذا المكان الموحش المسمى بالقبر.. هل هو بالفعل مشهد النهاية؟

أصعد لأجد أحبائك وأصدقاءك وتلاميذك فى حالة انهيار وعدم تصديق. نحتضن بعضنا البعض ونحن نجفف دموعنا..  ولكنى أرفض مشهد النهاية وأصر على أنك ستكون معى فيما تبقى من الرحلة.. سأريك فيلمى القادم وسأستمع لرأيك.. ستصلنى ضحكاتك، ستظل معنا بأفكارك وأفلامك وأحلامك، لقد قُدر لك البقاء ولن تذهب إلا جسدا.