وحدها شجرة رمّان سِنان أنطون تَعرف وئام مُختار   إذا كنت قد قرأت الرواية، فسيبدو لك العنوان كليشيهيا ومُتوقعا جدا، إذا لم تكن قرأتها، فهذا الوقت لكى تعرف ما تعرفه

8800

وحدها شجرة رمّان سِنان أنطون تَعرف

13415562_10153466031196086_5639147114699363212_o

وئام مُختار

 

إذا كنت قد قرأت الرواية، فسيبدو لك العنوان كليشيهيا ومُتوقعا جدا، إذا لم تكن قرأتها، فهذا الوقت لكى تعرف ما تعرفه شجرة الرمّان الخاصة بسِنان أنطون!

لكنّك أيضا ستعرف أن اختيارا كهذا الاختيار التقليدى للعنوان، لا مفر منه – لم تنجُ منه أى من المقالات التى كُتبت عن الرواية إلكترونيا على الأقل – حين يكون الأديب بقوة وسُلطة سنان أنطون على قارئه، سيفرض عليك فى الغالب الصِفات التى ستستعملها للحديث عن روايته الصادرة من منشورات الجمل فى العام 2014، والمطبوعة للمرّة الأولى فى لبنان عام 2010 من إصدار المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

تدور أحداث الرواية فى حوالى المائتى وخمسين صفحة، تبدأ بمشهد حالم وسريالى ومُقبض، وتتدرّج فى السرد الواقعى حتّى تتجمّع خيوط الأحداث فى بَكرة كبيرة مُتشابكة، «جواد» البطل الذى يعمل فى مهنة غير مألوفة نوعا لأبطال الروايات العربية: «مغسّلا» فى محل لتغسيل وتكفين الموتى! يساعد والده الذى ورث المهنة أبا عن جَد، وخلَفا لأخيه الأكبر «أمير» الذى قُتل فى معركة استعادة مدينة الفاو عام 1988 فى أواخر الحرب العراقيّة الإيرانية، تزخَر الرواية رغم المشاهد السريالية المَحكيّة بطريقة سينمائية فى المنتصف، بكم هائل من الواقع المرير، رصد سافِر وقاس للعراق فى سنينه الأصعب، بداية من الحرب مع إيران والتوقّع الدائم داخل العائلة الشيعيّة الصغيرة أنها حرب واحدة تتكرّر، حتّى أصبحوا يتوقعون انقطاعات الكهرباء وانعدام الموارد وأماكن التفجيرات.

لكن الأمر لا يتوقّف عند كون بطل الرواية «مغسِّلجي»، إنه فنان، درس الفنون الجميلة وتحديدا النحت فى جامعة بغداد، وأراد أن يهرب بكامل طاقته من مهنة أبيه، كان شابا عاديا يهوى الفنون ويحب زميلته فى الجامعة «ريم» طالبة المسرَح الموهوبة التى تعرّف عليها بتلقائية وبدا منذ أوّل لحظة أن هذا الحُب سيحدث، لكن بعد قليل نكتشف نهايته بأبشع الكوابيس – الرواية مليئة بالكوابيس – وهو اصابتها بالسرطان ورحيلها المفاجئ للعلاج، لنتماهى مع إسقاط مباشر من الكاتب، عنما فعلته الحرب بالعراق وتسرطُن الحياة فيها.

يموت الأب، وتحضِر لحظة الحقيقة إلى الابن الأصغر «جُودي»، فلا يقدِر على المشاركة فى غُسل أبيه، لكنه يحضره، ليناجى شجرة الرمّان الواقفة بصمود فى باحة المغسّل، ترتوى من ماء الغُسل، لتُزهر أوراقها وثِمارها فى دورة موت وحياة لا يقطَع صفاءها شيء، بالعكس، فكُلّما زادت الجُثث، رُويت وتفجّرت بالحياة: «خرجتُ إلى الحديقة الصغيرة الخلفية وتقرفصت أمام شجرة الرماّن التى كان أبى يحبّها كثيرا ًوالتى شربت مياه الموت لعقود، وهاهيَ تستعد الآن لشُرب الماء المُنساب من جسدِه هو عبر المجرى الذى يمتد من الحفيرة التى تحيط بالدكة».

سنكتشف حالا ما فعله الاجتياح الأمريكى بالعراق فى العام 2003، فحتّى الطريق إلى المدافن من الكاظميّة إلى النجف كان خطيرا، وبالفعل تم تهديد الركب الصغير الحامِل للنَعش، من قبل جنود أمريكان على الطريق، لولا رحمة القدَر لماتوا على أيديهم بلا حساب.

الرواية المكتظة بالأحداث، تبدو كأنها تحاول أن تجارى الواقع الصعب اللاهث حول «جواد»، لكنّها فى بعض الأحيان تفشل فتلجأ إلى عالم أحلامه/ كوابيسه، لقد استقر الأمر به فى المغيسل الآن، نظرا لتفشّى البطالة والفقر، تضاءلت النقاط المضيئة فى حياته، بسَفر ريم، ورحيل أبيه وأخيه، حياته اليوميّة بين الموتى، أضاءتها فتاة صغيرة من أقربائه لفترة قصيرة، وزيارة قصيرة من عمه الشيوعى السابق «صبري»، تخللها حوارات مع أمّه ومهدي، مساعده الجديد، لكن هناك شخصية أخرى عجيبة تظهر، وهى الشيخ جمال، الرجل العجيب الذى أوكل إلى نفسه مهمة تولّى جَمع وتغسيل ودفن جُثث مجهولى الهوية فى أنحاء العراق، ليدور بينه وبين جواد حوارات أخرى، تسرد شذرات الموت القادمة من حرب الكويت.

يبدو هذا همّا كبيرا لدى سنان أنطون، سرد تاريخ العراق وحاضره، والإمساك بكل التفاصيل على جميع الأصعدة وروايتها من جميع الجهات المُمكنة، فهاهو المغسّلجى الفنّان، يتعارض مع كل الحروب التى مر بها العراق ويعيش تبعاتها، تهزّه الانفجارات الطائفية كمسلم شيعي، ويتقاطع مع الطوائف الأخرى ولو بالجيرة أو بالمعرفة.

يقول سنان أنطون فى حوارٍ سابق معه لمحرّره: «الذاكرة الجمعيّة مُهمة فى أى مجتمع، وتصبح أكثر أهمية فى مجتمعات مرّت بتجارب صعبة وديكتاتورية وحروب وغزو واحتلال وخراب. وليم فوكنر قال ذات مرة «الماضى لا يموت أبدا». الماضى يتعايش مع الحاضر ويحترب معه دائما، على مستوى فردى وجمعي. الأمر ليس توثيقا بالنسبة لى وإن كان الأدب يحفظ الذاكرة بكل تأكيد. هناك أشباح وأطياف تعاودنى وحكايات تؤرقنى ورغبة الكتابة تدفعنى نحو محاولة اقتناص ما يمكن اقتناصه. ليس حنينا ولا استعادة لأى مجد لم يكن أساسا، وإنما هو استعادة أصوات وصور وأماكن اندثرت أو همشت.

لقد عاش العراق حروبا مستمرة منذ عام 1980 وما زال يعيش إلى اليوم تداعيات الحروب، بل إن حربا جديدة مع تنظيم الدولة تدور على أراضيه. أذكر هذا لأن البعض يستكثر أن نكتب عن الحروب وكأنها فى عداد الماضي. العمل الذى سأنتهى منه فى شهرين هو رواية كنت قد بدأت بوضع معالمها عام 2003 ولكننى تركتها مؤقتا بعد انشغالى بفكرة «وحدها شجرة الرمان» وكتابتها وبعدها «يا مريم». والشخصية المحورية فى الرواية الجديدة هى رجل مهووس بفكرة تدوين تاريخ دقيقة واحدة من الحرب وما تقتله من بشر وحجر وحيوان ونبات».

بهذه الإجابة تبدو كتابة الرواية عند سنان أنطون استجابة دائمة لهذه الرغبة، والرواية التى يُشير إليها هنا هى «فِهرس» التى صدرت اوائل هذا العام، وتَحمِل هذا الهم على كتفيها بمنتهى الجَمال والتضافُر والتمكُّن، كما تمت الإشارة فيها إلى بطل رواية «شجرة الرمّان»، كأن الروايتين تدوران فى دائرة تُكمل بعضهما، وتعود إحداهما إلى الأخرى، إذا كان «الذى خان العِراق.. عراقيا» كما يقول يحيى السماوي، فالذى يُضمّد الجرح عراقيا أيضا، باختياره للحكى من خلال المغسّلجى وما يراه يوميا من موت ودمار، وتكفينه لجثث عبثت بها الحرب، وأعمَلت فيها صنوف التنكيل والتمثيل المختلفة، لا يتوقّف عن فعل هذا بوعى شديد وبلُغة جميلة وشاعريّة، يتفلّت منه الشِّعر تحديدا حين يعود إلى المحكيّة العراقية داخل رواياته عموما وداخل شجرة الرمّان خصوصا، مكتوبة بدقة وحِرص لا يخفيان، رغم عدم معرفتى التامّة بها، لكن يبدو وراء طريقته فى كتابتها شغف وولع بالتوثيق، وحِفظ لطريقة النُطق وتشكيل الكلمات، ومعانى الألفاظ للتأريخ، كما تنهمر من روايات سنان أنطون الرغبة فى تسجيل العراق حيا وحاضرا، تهطل أيضا هذه الرغبة، من شجرة الرمّان، التى تأخذ مياه الموت والغُسل، لتحيلها مرة أخرى إلى حياة زاهية، وثمار شهيّة، ربما فى نظرة آملة أن العراق العظيم سيعود يوما من تحت أنقاض الموت والخراب، وسيحتاج إلى هذه النصوص ليتذكر نفسه، ويسترد روحه، وهذا التأريخ القاسى بجوانبه المتعددة، مُهم إذا أراد الناس أن ينهضوا مجددا، كأنه يقوم بتقديم القرابين لآلهة العالم السفلي، كما الديانات السومريّة القديمة، لتظل الآلهة رفيقة بالعراق المُتشرذم، وتعينه فى هذا الموَات المؤقت، حتّى تنقذه عشتار ربّما، أو يفتديه ما يكفى من حيوَات البَشر، ليعود من تحت الأرض إلى أعلاها، فى صورة عنقاء عظيمة تزهو بتفجُّرها بالحياة وبخلُودها، فهكذا يبدو العِراق فى كتابات سِنان أنطون، شجرة رمّان تُزهرُ من ماء الموت، أو عنقاء تمُوت، ولكنّها فى كُل مرّة تُعيد خلق نفسِها من الرمَاد.

 

سنان أنطون، روائى وشاعر عراقي. وهو أستاذ مساعد الأدب العربى فى جامعة نيويورك. ولد سنان أنطون فى 1967، بغداد، العراق من أب عراقى وأم أمريكية، هاجر إلى الولايات المتحدة بعد حرب الخليج. وحصل على ليسانس الآداب، أدب إنجليزى عام 1990 من جامعة بغداد، وحصل على الماجستير عام 1995 من جامعة جورجتاون، والدكتوراه من جامعة هارفارد عام 2006. يعمل كمدرس وباحث فى الثقافة الإسلامية – العربية ما قبل الحديثة، والسياسة والثقافة العربية المعاصرة. تعتبر أطروحته «The Poetics of the Obscene» أول دراسة لشاعر القرن العاشر ابن الحجاج. نشرت له قصائد فى عدّة دوريات.

مؤلفاته: دواوين شِعر: Baghdad Blues 2007، وموشور مبلل بالحروب 2004، ليل واحد فى كُل المُدن 2010

روايات: إعجام 2004، وحدها شجرة الرّمان 2010، يا مريم 2012، فِهرس 2016.