محمد فوزي شحات الغرام والفن وائل سعيد   إذا بحثنا فى التاريخ الفنى الإنسانى منذ أن بدأت البشرية تُسجل إنتاجها وحتى الآن، سنجد بعضا من الفنانين قد دخلوا دُنيانا على

5050

محمد فوزي شحات الغرام والفن

‎وائل سعيد‎'s Profile Photo

وائل سعيد

 

إذا بحثنا فى التاريخ الفنى الإنسانى منذ أن بدأت البشرية تُسجل إنتاجها وحتى الآن، سنجد بعضا من الفنانين قد دخلوا دُنيانا على عجل؛ انخرطوا مثلنا فى تفاصيل الحياة، تزوجوا وأنجبوا أو لم يفعلوا شيئا من هذا.. المهم انهم سريعا سريعا قدموا دفقتهم الفنية التى أرسلوا من أجلها ورحلوا تاركين بصمتهم الأبدية، التى ونحن نرتشفها عبر سنين أعمارنا نتساءل فى جنون: كيف وإن أمهلهم الموت بعضا من السنوات على أعمارهم؛ ماذا كانوا سيصنعون؟!!

محمد فوزي، الذى تهلُ علينا هذه الأيام ذكراه الخمسون واحد من هؤلاء..

حضر إلى القاهرة فى أوائل الأربعينات وهو فى العشرين من عمره، بعد أن تعلم بدايات الموسيقى فى الغربية على يد أحد أصدقاء والده وغنى الكثير من أغانى عبد الوهاب ودرويش فى الأفراح والمناسبات، وفى الموالد المستمرة فى القرية، وفى ملامح وجه فوزى تستطيع رؤية سمات القرية؛ وجه فلاح أصيل يتمتع بوسامة طبيعية مع خفة الدم التى تبين فى ابتسامته الدائمة دون أن يتحدث.

بدأ حياته بالعمل فى كازينو الشقيقتين رتيبة وإنصاف رشدى ثم التحق بكازينو بديعة، حيث تعرف هناك على فريد الأطرش وعبد المطلب ومحمود الشريف.. وقد لحن لطلب أشهر أغنياته “ساكن فى حى السيدة” والتى يمزج فى جملها اللحنية بين الشرقى والبلدى ويتضافر ذلك مع صوت عبد المطلب الخارج من الحارة المصرية.

اعتبره التأريخ النقدى الامتداد الأقرب لسيد درويش؛ حيث اعتمد فى الحانه على الجملة الموسيقية البسيطة، الخفيفة طوال الوقت.. مُلتحما مع الموروث الموسيقى الشرقى والشعبى فى نفس الوقت، البلدى الطعم واللون فى كثير من الأغنيات؛ من ينسى أغنية “الشوق” على سبيل المثال والطبلة فيها ترقص ذهابا وإيابا لترسم صورة الحبيبة التى – تتمختر – أمام المشتاق وهو يشكو حاله، ومن ثم توصله إلى الموال فى الكوبليه الثانى الذى يُمثل سمة من لازمة سمات الغناء البلدي.

فى أغنية “مال القمر” أو “حبيبى وعنيا” و “ليا عشم وياك يا جميل”.. سنجد الإيقاع يتراقص مع الناى والكمنجات بجوار الكورس الذى يختاره فوزى نسائيا تحديدا مما يخدم فكرة ( الرقص ) أو – الترقيص – إذا جاز التعبير، حالة الرقص تحتل مُعظم اغنيات فوزى أو الاستعراضات الغنائية التى اشتهر بها فى أفلامه، والولع بالموال البلدى يُلازمه فى أغلب الكوبليهات؛ ينتظر الفرصة المناسبة لتطويع الكلمة والتطريب بها.

لا شك أن مدرسة فوزى اللحنية لها طعمها الخاص والمختلف الذى ميزه عن مُحيطيه فى أول ظهوره وخلال مشواره الفني، صانعا توليفة جديدة تحمل من التجريب الذى مارسه عبد الوهاب عبر الحانه، ومن دسامة الجملة اللحنية عند السنباطى وزكريا احمد والقصبجي، بالإضافة إلى شرقية فريد الأطرش وخفة الحان منير مراد، وفى النهاية سنجد أنفسنا وجها لوجه أمام تلك التوليفة!

فى الوقت الذى فكرت فيه أم كلثوم فى تجديد دماء مُلحنيها طلبت من محمد فوزى مرتين أن يُلحن لها أغنية وفى المرتين منعه القدر وكانتا من نصيب بليغ حمدى (أمل مصر فى الموسيقي) كما قال عنه العندليب فى احدى الحفلات، المرة الأولى كانت سنة 1960 فى حفلة بمنزل الدكتور أحمد سويدان أحد المعالجين للست، وكان بليغ وفوزى من بين الحضور ولما طلبت منه ام كلثوم ان يُلحن لها أبلغها بأن معه شابا يجنن (عندى ليكى حتة ملحن يجنن مصر حتغنى الحانه اكتر من 60 سنة قدام)..!

بعد هذا التاريخ بعام واحد يُرتب القدر فرصة أخرى لبليغ، أثناء زياره لاستاذه فى بيته يدخل مكتبه لانتظاره وتقع عينه على كلمات أغنية “أنساك” وقد لحن فوزى منها المقدمة فقط فيمسك العود ويبدأ فى تلحينها ولا يتركها إلا وهى منتهية، اتصل فوزى بام كلثوم ليُخبرها بأن بليغ قام بتحلين الأغنية أفضل منه ويعتذر لها، حيث انشغل وقتها بمُصيبة تأميم شركته «مصر فون» الأمر الذى كان بداية لرحلته مع المرض عندما دخل فى حالة اكتئاب شديدة، لأنه كما كان يقول عنها (حاطط فيها تحويشة العمر) والتى ستصير فيما بعد شركة صوت القاهرة للصوتيات والمرئيات.

أضاف محمد فوزى للموسيقى العربية الكثير خلال سنواته القليلة التى عاشها، وكان من أبرز المُجددين فيها مع المحافظة على سماتها الشرقية وتعشيق تلك المفردات بالجمل اللحنية الغربية ومُستلهما السيمفونيات العالمية ايضا.. لنستعيد اغنية “طير بينا يا قلبي” ونستمع لخطوات الخيل فى مقدمتها وهى تحمل المُحب بجوار معشوقته ثم دخول الة الفلوت التى تُشبه أصوات العصافير لتأكيد حالة الطيران العشقية المطروحة بالأغنية.

نحن أمام صناعة بانورامية؛ تتجاور فيها الالات وأصوات المجاميع كمنمنمات صغيرة لتكملة – الصورة السمعية – وفى الأغنية الواحدة نستطيع نحن غناء أكثر من طعم لحني؛ فى اغنية “دارى العيون” يمكنك الشعور بالطعم الاسبانى الى حد ما، وفى الكوبلية الثانى منها تأخذك الابوا إلى الروح الغربية. هذه الأغنية تحديدا نموذج لمنهج أو روح عبد الوهاب فى التماس مع الموسيقى المختلفة، إلا أن ما يميز فوزى عن عبد الوهاب أن الأخير كان أقرب لوضع الجمل اللحنية بجوار بعضها وتقطيعها أو تعشيقها، أما محمد فوزى قام بصهر الروح الموسيقية – نفسها – وصنع إنتاجه الخاص.

هيمنت فكرة التجريب والتجديد على محمد فوزى طوال مشواره الفني، مما جعل كل اغنية عنده تختلف عن غيرها.. وفى تجربة عجيبة لم تتكرر من بعده يصل فوزى لأعلى درجات التجريب وهو يراهن على اللحن الخارج من الصوت البشرى دون موسيقي؛ اغنية “طمني” التى لم تدخل فيها أى آلة موسيقية ورغم ذلك عزفت المجاميع بأصواتها وتوزيعه جملا لحنية بالصوت الذكورى والأنثوى من خلال الترديدات أو الخلفية بالإضافة إلى الصوت فقط، فيستبدل الآلات بأصوات عادية من الفم (تا را را رام..)!

كما حفر فوزى اسمه داخل الحقل الاستعراضي، حيث لم يخل فيلم تقريبا من استعراض أو مونولوج أو دويتو، ويعتبر دويتو “شحات الغرام” من أشهر ثنائيات السينما المصرية، كما لحن أشهر اغنيات الأطفال مثل “ذهب الليل “ و“ماما زمانها جاية”.. وتشابه مع سيد درويش فى تلحين النشيد القومي؛ حيث لحن نشيد الجزائر القومى “ قسما “ كما لحن درويش “ بلادى “ .

9090

ويظهر أن القدر اختار لفوزى مرضا فريدا يخصه كبصمة فردية كما كانت له بصمته الموسيقية الفريدة هى الأخرى، حتى أن البعض أطلقوا عليه اسم (متلازمة فوزي)!! والحق أقول ان محمد فوزى لم يلق التقدير الذى يستحقه إلى الآن لا فى حياته ولا بعد وفاته، ورغم ذلك سنجد فى خطابه الأخير شعوره التام بالرضا من تلك الدنيا التى لم يعش فيها غير 48 سنة وسط اخفاق ونجاح ومرض، ويُقال انه تنبأ فيه بموته؛ حيث وافته المنية فى اليوم التالى مباشرة لكتابته: «إن الموت علينا حق.. إذا لم نمت اليوم سنموت غدا، وأحمد الله أننى مؤمن بربي، فلا أخاف الموت الذى قد يريحنى من هذه الآلام التى أعانيها، فقد أديت واجبى نحو بلدى وكنت أتمنى أن أؤدى الكثير، ولكن إرادة الله فوق كل إرادة والأعمار بيد الله، لن يطيبها الطب ولكنى لجأت إلى العلاج حتى لا أكون مقصرا فى حق نفسى وفى حق مستقبل أولادى الذين لا يزالون يطلبون العلم فى القاهرة.. تحياتى إلى كل إنسان أحبنى ورفع يده إلى السماء من أجلي.. تحياتى لكل طفل أسعدته ألحاني.. تحياتى لبلدي.. أخيرا تحياتى لأولادى وأسرتي»..