تعقيبا على مقال سيد محمود نوبل بوب ديلان دفعة لإنعاش وسيط يعانى تجاريا وأبلغ رد على الجائزة: الصمت البليغ! إبراهيم فرغلى   أعجبنى مقال الصديق سيد محمود، رئيس تحرير القاهرة،

18

تعقيبا على مقال سيد محمود

نوبل بوب ديلان دفعة لإنعاش وسيط يعانى تجاريا

وأبلغ رد على الجائزة: الصمت البليغ!

إبراهيم فرغلى

 

أعجبنى مقال الصديق سيد محمود، رئيس تحرير القاهرة، العدد الماضى عن جائزة نوبل تحت عنوان «بوب ديلان ونوبل.. حبّة فوق وحبّة تحت»، لأنه حاول أن يجد فى اختيار الجائزة سياقا مختلفا وواسعا وجديدا، ينحاز لمفاهيم ما بعد الحداثة، ويكسر سلطة النقد التقليدية، ويصدم «أولئك الذين ينظرون للأدب نظرة نخبوية ضيقة»، كما أنه، فى تبريره لاختيار الجائزة المدهش، يشير إلى أن أنصار التحيز لهذا الاختيار يرون فيه تفكيرا إيجابيا خارج الصندوق.

وبالرغم من أن المقال بدأ بعرض الموقفين، المعارض والمؤيد، تجاه الجائزة إلا أنه مال فى ثلثيه الأخيرين للانحياز لاختيار اللجنة لبوب ديلان. مؤيّدا رأيه بأن الجائزة فى اختيارها الجديد: «تستعيد قدرتها على مقاومة الأعراف التقليدية والتعاطى بنوع من التقدير للثقافة الجماهيرية التى تعامت عنها النخبة طويلا، سيما تلك المعبرة عن ميول سياسية محبطة، وحس فردى هش، إنها مواجهة مع طبقية فحولية مترسخة وبحسبما أشار الناقد السعودى عبد الله الغذامى فى كتابه «النقد الثقافي» فإن هذه الطبقية ظلت متمسكة برفض الطارئ والجديد، بما أنه مخالف للقياس الذوقى المؤسساتي، وهو رفض يتحول بالتالى إلى رفض للآخر وحرمانه من حقه فى التعبير عن ذاته، وفى ممارسة ذائقته الخاصة، وهذا يتكامل مع سابقه فى تكوين طبقية فوقية تشكل سورًا من الحراسة يحمى قلعة الثقافة من الغزاة. ولا شك أن رفض ديلان فى عالمنا العربى يعبر بوضوح عن هذه الفحولية التى تقاوم ديمقراطية الثقافة بعدما تأكد حضور الديكتاتورية السياسية، فالسمة ما بعد حداثية فى الفنون تجلت منذ أكثر من ثلاثين عاما فى إلغاء الحد الفاصل بين النخبوى والشعبي، ومحو للحدود بين الفن والحياة اليومية، وإزالة التسلسل الهرمى بين الراقى والجماهيرى فى الثقافة الدارجة، وتفضيل الأسلوب الانتقائى المشوش، وتمازج الثغرات والمحاكاة الساخرة، والمعارضة والتهكم والسخرية والهزل والمزاح والنظر للثقافة بوصفها احتفالا».

وحتى لا أكرر ما جاء بالمقال أحيل القراء للمقال فى العدد الماضي. لكنى أعتقد ان الانحياز لمبررات اللجنة من المنطلقات الما بعد حداثية التى أشار إليها سيد محمود، واستشهد فيها بمقولات الغذامى تنقصها بالضرورة اعتبارات أخرى عديدة، من بينها النظر إلى السياق الرأسمالى المصاحب لصعود موجة ما من الثقافة الشعبية، بشكل عام، والصعود هنا بمعنى دعمها كما يحدث فى إنتاج السينما التى أبرزت البطل الشعبي، بمواصفاته الجديدة، المنتزعة من الأحياء الشعبية الجديدة المسماة بالعشوائيات، بوصفه بطل الحى العشوائى بكل القيم السلبية التى يتسلح بها، وأبرزها امتلاك القوة غير الشرعية وعشوائية القيم التى يؤمن بها واضطراب حياته قيميا، ودمجها مع أغنيات «المهرجان» الشعبية التى أصبحت صرعة جديدة بعد صرعات مثيلة سادت واختفت بعد أن حققت لمنتجيها الأرباح الطائلة، أو عبر إنتاج ألوان محددة من الموسيقى الشعبية ودعمها بالإنتاج والدعاية، كما حدث فى الدعم الإعلامى لعدد من الظواهر الشعبية فى الإعلام المصرى مثلا على مدى العقدين الماضيين، وانتقال هذا الدعم للسينما من خلال قيام المطربين الشعبيين بالغناء أو حتى التمثيل فى الأفلام السينمائية. فهذه الظواهر لا يمكن تأملها من دون وضع اعتبار طبيعة رأس المال الذى يدفع بها، من أجل نوع من البحث عن الأرباح التى لا تحققها اليوم السينما الرفيعة، على حساب القيم المتعارف عليها فى الطرب أو فى السينما أو كلاهما معا.

وشخصيا لا أستطيع تأمل ظاهرة نوبل هذا العام دون الأخذ فى الاعتبار التغيرات المرعبة التى يمر بها فن الموسيقى فى العالم، وكلامى هنا ينبنى على بعض أفكار إريك هوبزباوم، المؤرخ البريطانى (1917- 2012)، فالموسيقى، مقارنة بألوان اخرى من الفنون والثقافة مثل الفن التشكيلى والعمارة والأدب المطبوع، تأثرت بشدة بسبب التغيرات التكنولوجية سواء على مستوى نوع الموسيقى نفسها، أو على مستوى الوسيط، أى التحولات التى مرت بها سبل الحفاظ على أو إعادة تسجيل الموسيقى من الفونوغراف إلى النسخ الإلكترونية التى تمثل اليوم لونا من الرعب لسوق إنتاج الموسيقى فى العالم بسبب تأثر مبيعات الألبومات الموسيقية تجاريا بشكل غير مسبوق، بسبب عدم قدرة المنتجين الموسيقيين على احتكار حق الأداء، بسبب انتشار التسجيلات على اليوتيوب ونسخ «الأوديو» غير الرسمية. وكونها فى الوقت نفسه، مقارنة بوسائط حفظ الأدب المكتوب والعمارة والفن التشكيلى التقليدي، ستحتاج لوسائط جديدة غير السائدة الآن مستقبلا بسبب التغيرات التحديثية المستمرة التى تطال برامج حفظ الموسيقى الإلكترونية والافتراضية. وهو ما ينسحب بالمناسبة على ألوان الفن التشكيلى الما بعد حداثى التى تواجه نفس المأزق خصوصا الفيديو كليب والوسائط الفنية الشبيهة، فهى تنتج على وسائط ليس لها نفس قدرة صمود العمارة أو حتى الوسيط الكتابى الورقي.

bd

الأمر الثانى أن اختيار لجنة نوبل لنوع من الفن لا يمكن الاستماع إليه إلا بلغته لأنه يفقد جزءا كبيرا من قيمته إذا استخدمت لأدائه لغة أخرى، لأنه «أغنية شعرية» مرتبطة بأداء موسيقي، لا يمكن الاستماع إليها بنفس النص إذا ترجمت للغة أخرى، ما يعنى أنها ستظل مسجونة فى زنزانة لغتها، وربما لن تُحدث تأثيرا وجدانيا إلا للعارفين باللغة الإنجليزية. وصحيح أن الموسيقى لغة عالمية كما يقال، لكن بما اننا هنا بصدد «شعر غنائي»، فربما يكون هذا المنجز الغنائى غير قادر على الصمود أمام اختبار الزمن، ولا يمكن مقارنته بقدرة صمود نصوص شكسبير مثلا التى تتناسل وتصل لقارئها أو تشاهد على المسارح منذ أربعة قرون.

وما أنقذ نصوص شكسبير ونصوص التراث السردى عموما فى اختبار الزمن تمثل فى عمليتى الطباعة فى كتاب ورقى قادر على إنقاذها باستمرار، والترجمة، الآن وفى المستقبل.

بالتالى فإن المنجز الذى منحت له جائزة نوبل هذا العام ممثلا فى أغنيات بوب ديلان، ربما للمرة الأولى ستظل منجزا لا يمكن نشره فى لغات مختلفة.

ولهذا فإن ما يراه البعض خروجا من أسر التقليدية، وانحيازا لأشكال (فن – أدبية) جديدة، قد لا يزيد على كونه ربما دفعة، على عربة نوبل، لإنعاش سوق تجارية تهددها التكنولوجيا الإلكترونية التى تعد أبرز ما أنتجته ما بعد الحداثة، عبر مغامرة غير محسوبة أو لعلها محسوبة جيدا، تعرف أن مثل هذه الاختيارات تجد دائما من يبرر لها تحت لافتات التجديد، والخروج من أطر الأنساق التقليدية، ومقاومة الفحولية والديكتاتورية الثقافية.

ومدّا لهذا القوس ينبغى علينا أن نتساءل، إذا ما صدقنا أن هذا الاختيار أدبى بامتياز «ولو بالمعنى الما بعد حداثوي»، هل يمكن أن نثق حقا فى أن بوب ديلان، وليس أى موسيقى وكاتب أغنيات آخر من اليابان مثلا أو من الصين أو مصر والعالم العربى أو حتى من امريكا أو بريطانيا قد يكون هو الأحق بالجائزة؟ ما الخارطة التى تحركت فيها اللجنة لكى تصل إلى اختيار يمتح من الثقافة الأنجلو أمريكية فقط، وهل كان بين المرشحين شعراء من كتاب الأغانى من ثقافات أخرى غير الأنجلو أمريكية؟ أم أن هذه المغامرات هى مجرد ألوان جديدة من صور تفتيت القيم بشكل عام، فى مجتمعات صارت تعانى اليوم فكرة تسييل وتمييع كل الأفكار لصالح ما يدعى الذائقة الشعبية؟

السؤال الأهم الآن وهو إذا سلمنا جدلا مرة أخرى فى قدرة هذه المغامرة التى قامت بها لجنة نوبل لهذا العام، على التأثير فى «قيم وتقاليد» ما يسميه أنصار المغامرة «القيم التقليدية الأدبية»، فما المسار الذى سوف يسلكه مستقبل الأدب والفن؟

لعل الإجابة هنا تتمثل فى بعض المنجزات التى قدمتها صرعات الفنون التشكيلية التى سادت فى الخمسينات والستينات فى أوروبا وأمريكا ووصلتنا فى التسعينات، وكان بين شواهدها بعض الجرائم الفنية التى ارتكبها مغامرون فى محاولات لمزج الواقع بالفن تحت عنوان «المفاهيمية»، من بينها أتذكر الآن وعلى سبيل المثال، فضيحة قيام فنان شاب فى مصر يوما، مطلع التسعينات، باستخدام عضو بشرى من جثة ميت فى عمل فني. وشارك بها فى صالون الشباب. وهذه التجربة وغيرها مما شاع باسم «الفن المفاهيمي» جاء سليلا لتجربة مارسيل دوشامب الذى دشن ما عرف باسم «الفن جاهز الصنع»، حين وضع «مبولة» من تلك المتواجدة فى المراحيض العمومية فى معرضه الشهير. ولا يمكن إعادة تأمل هذه التجربة وما امتد خلفها فى إطار يبتعد عن كونها تجارب كانت تحارب الفكرة الجمالية نفسها. بالرغم من أنها استقبلت، بطبيعة الحال، من أنصارها ومروجيها، باعتبارها إطارا جديدا لمحاربة الفحولة التى تحارب ديمقراطية التجربة الفنية!

هذا المثال ليس تقليلا من شأن موسيقى بوب ديلان، بل يخص تعميم «تعريف ثقافى جديد» للأدب، لا يبتغى سوى تسييل القيم، كما شأن أغلب منجزات ما بعد الحداثة، بدعوى أن مؤسس الجائزة لم «يحدد» مفهوم الأدب المقصود!

المثير للتأمل هنا فى تقديرى أن التحيز لقيم «الديمقراطية الثقافية» بتبنى مقولات الغذامى جاء تماما فى غير محله، لأنه قد يكون مقبولا مثلا فى الدفاع عن منجز مثل أعمال الكاتبة سفيتلانا اليكسييفيتش، لكنه هنا حين يثار على هذا النحو دون الالتفات إلى أن الوسيط الذى تنشغل به الجائزة هو «حقل صناعة الموسيقى»، فإننى أشك كثيرا فى أصالة فكرة التفكير خارج الصندوق هنا، لأن الخروج من الصندوق كان لا بد أن يحيلنى لتأمل المناخ العام للموسيقى فى الولايات المتحدة، والاطلاع على التقارير التى تتناول حجم الخسائر الهائلة التى يمنى بها هذا القطاع، لتأمل ظلال منح هذه الجائزة على هذا القطاع.

فبين تقارير كثيرة نشرت حول الموضوع نشرت صحيفة Buisness insider تقريرا عن الخسائر الهائلة التى منى بها قطاع صناعة الموسيقى الأمريكى بدء ا من عام 2009 مع سيادة ألوان التخزين الموسيقية الالكترونية، كتبه مايكل دى جوستا جاء فيه أن الأمريكيين قبل عشر سنوات كانوا ينفقون ثلاث أضعاف ما ينفقونه اليوم على الموسيقى، وأنهم كانوا ينفقون ضعف ما ينفقونه اليوم على شراء المنتجات الموسيقية قبل 26 عاما.

الأمر الثانى أننا بالتأكيد اليوم، وغدا لا يمكن أن نشك فى إمكانية توفير عروض مستمرة لمسرحيات شكسبير، لكن الأمر بالنسبة للموسيقى لم يعد على هذا النحو بالنسبة للموسيقى الكلاسيكية مثلا، لأن غالبية جمهور عروضها الحية على المسرح من كبار السن، ولا يجد الجيل الجديد بشكل جماهيرى ما يغريه للذهاب للاستماع لحفل موسيقى كلاسيك مقارنة بإغواء الفكرة لفرقة بوب معاصرة حديثة، ما يجعل سوق الموسيقى الكلاسيكية الحية بالنسبة لمنتجيها فى انحدار، وإذا كانت موسيقى البوب، كما يشير إريك هوبزباوم قادرة على إحياء وإنعاش سوقها حتى الآن ببراعة، فالأمر يختلف بالنسبة لموسيقى سادت خلال أكثر من ثلاثة أو اربعة عقود.

وربما يكون فى تقديري، من خلال منح جائزة أدب مرموقة، لموسيقى ينتمى لعقد الستينات، محاولة ذكية لإنعاش سوق تحتاج إلى الكثير من الدفع من أجل إنقاذ مستقبلها التجاري.

وتاليا أعتقد ايضا أن الخروج من الصندوق يستدعى تأمل تجربة ديلان التجارية فى السنوات الأخيرة، وهو قدم إعلانات تجارية لعدد كبير من المنتجات الأمريكية بينها مثلا الملابس الداخلية لشركة فيكتوريا سيكريت الشهيرة، ومشروب بيبسى (الصرعة الجديدة اللاحقة على كوكاكولا)، وسيارات كاديلاك، وسيارات كرايزلر. وفقا لتقرير نشرته صحيفة الجارديان البريطانية. ولا يمكننى أن أفكر فى نوبل ايضا دون تأمل تأثير المنتجات «الأمريكية» التى روج لها ديلان فى الإعلانات التجارية.

على أى حال، فإننى أعتقد أن أبلغ تعليق على اختيار لجنة الجائزة لهذا العام هو رد الفنان بوب ديلان نفسه، الذى لم ينطق بحرف ولم يرد على اتصال مؤسسة الجائزة وحتى لحظة كتابة هذا المقال، مؤثرا التجاهل والصمت التام. وهذا حقا هو الصمت البليغ.