يوسف الشارونى .. فى محبة الإبداع ______________________ بقلم : عبد الحافظ ناصف   لى مع عائلة الشارونى رصيد معقول ومحترم من المحبة الكبيرة، ربما تكون العلاقة المتواصلة مع الكاتب الكبير يعقوب

9200

يوسف الشارونى .. فى محبة الإبداع

______________________

بقلم : عبد الحافظ ناصف

 

لى مع عائلة الشارونى رصيد معقول ومحترم من المحبة الكبيرة، ربما تكون العلاقة المتواصلة مع الكاتب الكبير يعقوب الشارونى بحكم ممارستى لكتابة أدب الطفل منذ عام 88  وبدأت علاقتى مع الكاتب الكبير يوسف الشارونى تكبر وتقوى منذ التسعينات حين بدأت قدماى تبحث عن رموز الكتابة القصصية فى مصر فعرفت أنه أحد رمزين عظيمين غيرا طعم الكتابة القصصية، يوسف الشارونى ويوسف إدريس، وحدث ذلك مع مجموعة العشاق الخمسة التى كانت مفارقة للكتابة القصصية وقتها مع مجموعة أرخص ليالى لإدريس، وعرفت أنه أحد رواد القصة القصيرة المصرية فى طرحتها الثانية للحياة الأدبية المصرية ويشاء القدر فى عام 2005 أن أعمل فى جريدة البروجرية اليومية الناطقة بالفرنسية فى دار التحرير – الجمهورية والمساء – حيث كان يعمل الناقد التشكيلى الكبير صبحى الشارونى فشعرت أن ثمة شيئا يربطنى بهذه العائلة المبدعة التى أضافت للثقافة المصرية والعربية.

ومن الكتب الصادرة حديثا لكاتبنا الكبير يوسف الشارونى كتابه النقدى “فى محبة الإبداع“ الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة وأعتقد أن كتاب “فى محبة الإبداع“ ربما تخطى الستين كتابا فى مجالات الكتابة كافة، ويحتوى الكتاب على تسعة فصول غير المقدمة التى عبرت عن معنى المحبة التى يقصدها الشارونى وتعتبر المحبة أو القراءة النقدية الإيجابية هى المحرك الأساسى والتيمة المحورية للكتاب ككل وهى محبة للمبدعين ومحبة للأعمال المختلفة الأجناس، فنجد محبة القصة والرواية والمسرح وأدب الأطفال والفن التشكيلى والنقد والشعر والشعراء والقصة الومضة، ورغم الكتابة المحبة من جانب كاتبنا الكبير إلا أن القارئ سيجد نقدا موضوعا مستندا لتاريخ وسيرة الكاتب الإبداعية التى تعتبر إضاءة مهمة تهدى القراءة  لبر الأمان حول الشخصية الأدبية أوالفنية التى يتناولها المقال بالنقد المحب الإيجابى الذى لا يتورع أن يقول بعض المآخذ التى يراها لصالح العمل بشياكة كبيرة ولطف لا تشعر به ولكن يراه صاحب الكتاب جليا واضحا.

وبدأ الكاتب يوسف الشارونى كتابه “فى محبة الإبداع“ بمقدمة قصيرة لم تزد عن الصفحة الواحدة، شرح فيها ماهية المحبة التى يقصدها للإبداع والمبدعين وأكد أنها محبة إيجابية للعمل وقراءة نقدية للمبدع ولعمله الذى أحبه الشارونى ابتداء وانتهاء حتى بدأ القراءة الفاعلة الإيجابية والكاشفة لحقائق كثيرة ربما لا يعرفها أحد غيره وتكون للقارئ المجد معلومة جديدة وطازجة وربما تغير كثيرا فى ذهن القارئ وتجعله يعيد حساباته مع كاتب ما أو كتاب ربما قراءه فى الماضى ويضع الشارونى يده على أشياء أو مفاهيم جديدة بعد القراءة النقدية وهذا فى تصورى هو دور النقد الأدبى الذى يكتشف أماكن جديدة ورؤى لم يكن يراها القارئ من قبل .

ويتناول الفصل الأول الذى جاء تحت عنوان “فى محبة مبدعين وإبداعاتهم“ عددا من المبدعين الذين كان لهم إسهام كبير وواضح فى الثقافة المصرية والعربية، وبدأ الكتاب بالروائى والكاتب الكبير إحسان عبد القدوس صاحب مدرسة روائية لها مذاق خاص وتناول المقال فكرة الحب وشراسة الحرب التى تعرض لها عبد القدوس من النظام فكان بحق الثائر الوطنى وبدأ الشارونى مقاله بتعريف تلك العائلة الفنية المثقفة التى ساهمت بمقدار كبير فى الثقافة المصرية وأكد دوره الوطنى فى الكشف عن قضية الأسلحة الفاسدة وأشار إلى كتاب “فاروق ملكا“ الذى أشار فيه أحمد بهاء الدين أن إحسان كان يحارب فى العراء ويزحف نحوالحصن الهائل المدجج بسلاح القوانين، المحتشد بجند المنافقين، وليس فى يده إلا قلمه ومجلته روزاليوسف.

ولخص يحيى حقى دور إحسان فى الحياة الثقافية فاعتبره الكاهن الأكبر فى معبد الحب، الذى يجلس فى صدارة مجلس العشاق ليصعد إليه بريد القلوب، بعد أن تحول الحب فى مؤلفاته إلى قضية ورسالة تطمح إلى تحرير الإنسان دون أن تخجل من جسده.

وتناول الدكتور عبد الغفار مكاوى فأطلق عليه الشارونى رباعى الاطلاع إشارة إلى إبداعه والذى كان فى المسرح والقصة القصيرة و دراساته النقدية التى بدأت بكتاب “سافو شاعرة الحب والجمال عند اليونان“ ودراساته الفلسفية التى بدأها عن “ ألبير كامو“ وترجماته لاسيما من اللغة الألمانية والتى بدأها بجوته “الديوان الشرقى للشاعر الغربى“ وأخيرا علاقاته الحميمة بأصدقائه ومحبيه ومعارفه وتلامذته وقدم لنا الشارونى ملخصا عن سيرته الذاتية التى قدمها الدكتور مكاوى فى كتاب تحت عنوان “معالم وخطوط أساسية “.

وتناول ثنائية التعارض والتكامل عند الروائى عبد الوهاب الأسوانى وابداعه الجنوبى المشحون بالرمز والذى ولد فى المنصورية أقصى جنوب مصر ونشأ فى الاسكندرية أقصى الشمال فتفردت شخصيته وصار لها عبقها وخصوصيتها وأشار إلى أن الأسوانى قد ثقف نفسه بنفسه على نحو ما فعل العقاد الذى نشأ فى هذه البيئة الأسوانية نفسها وأكد أن الأسوانى كاتب متطور لا يكرر نفسه .

وتناول الشارونى الإبداع الروائى عند طه حسين من حيث الذاتية والموضوعية وأشار إلى دراسة الدكتور عبد المحسن طه بدر التى أكد فيها أن معظم روايات الكتاب العرب الأولى قد عانت تضخم الذات على حساب الموضوعية والتى تجعل من الروائى العربى منشغلا بذاته وعاجزا عن الالتحام بواقعه والاقتراب منه وأكد الشارونى أن طه حسين حاول أن يلغى ذاته بحيث توارت تماما أحيانا، وشفت أحيانا وإن كان يرجع إلى ذاته من حين لآخر فيما تلا ذلك من الأجزاء الأخرى لسيرته الذاتية الأيام، فنشر رواية دعاء الكروان بعد خمس سنوات من نشره الجزء الأول من الأيام.

وأشار الكاتب إلى أن التطور الروائى لدى جيل الرواد كان متأرجحا بين الذات والواقع الموضوعى إذا قارنا ذلك بأدباء الجيل التالى مثل محفوظ والسباعى.

وتناول الرواية الفنتازية عن الروائى فؤاد قنديل والتى بدأها برواية الناب الأزرق عام 1981 ورواية السقف عام 1984، وصولا للرواية البديعة “ديك محبات” وأكد فى نهاية المقال أن فؤاد قنديل يستخدم فى نصوصه السرد والوصف والحلم والحوار والاسترجاع والرمز والمفاجأة والسخرية وروح الدعابة والتعبير بالصورة والنهايات المفتوحة، كما تتسم أعماله القصصية والروائية بالقدرة على اقتناص لحظات ونماذج ومشاهد مبتكرة وأشار إلى شعار الروائى الكبير فؤاد قنديل – الذى أعلن عنه – اركب حصانك وانطلق وأنت محمل بخلاصة الوجود.

وتناول رحلة الكاتب الكبير مجيد طوبيا الذى ولد بالمنيا عام 1938 الذى نشر تسع مجموعات قصصية وسبع روايات بالاضافة إلى بعض الأفلام التى اعتمدت على عدد من قصصه ورواياته مثل أبناء الصمت وحكاية من بلدنا وقفص الحريم وأكد روايته المهمة جدا تغريبة بنى حتحوت «إلى بلاد الشمال 87 وإلى بلاد الجنوب 92 وإلى بلاد البحيرات وإلى بلاد سعد» وصدرت الأجزاء الأربعة عام 2005 واستغرقت كتابتها ستة أعوام سبقها عام لتجميع المادة العلمية وتدور أحداثها فى نهاية القرن الثامن عشر، ثم القرن التاسع عشر فى محاولة لاستنباط شكل روائى جديد مستلهما التراث المصرى الحكائى فى سرد الأحداث، كما كتب فى كتب التاريخ والسير الشعبية وألف ليلة وليلة وبدأت الرواية من فترة التحول الحاسمة من أيام المماليك حتى قيام دولة محمد على عبر ثلاثة أجيال من أسرة حتحوت .

وتناول الروائى محمد جلال من خلال رحلته فى الصحافة والمسرح والكتابة الروائية التى ترجمت منها قهوة المواردى ومحاكمة منتصف الليل وخان القناديل وأشار الشارونى إلى دراسة الدكتور سمير سرحان الذى أكد أن روايات محمد جلال الأخيرة تمثل قمة النضج التى فى رحلته الطويلة من الواقعية الاشتراكية إلى الواقعية الصرفة، إلى تيار الوعى، إلى تيار الواقعية الرمزية. وتناول الشارونى روايته “ حب فى كوبنهاجن “ كنموذج لإبداعه حيث يتناول موضوعها لقاء الحضارة الشرقية بالحضارة الغربية واختار الجنس لأنه أحد الموضوعات المهمة التى تبين مدى الهوة بين الشرق والغرب.

وتناول الشارونى الروائى محمد قطب من خلال علاقته به ودراساته النقدية عن الرواية الوحيدة للشارونى “ الغرق” والحوار الذى أجراه قطب معه وسيرة مختصرة عنه منذ مولده عام 1941 وتخرجه فى دار العلوم وعمله العام بنادى القصة والمجلس الأعلى للاداب والفنون، ثم تناول الشارونى بالتحليل رواية محمد قطب “الطرف الآخر من البيت“ وأكد أن السرد الروائى يبدأ بضمير المخاطب، لكنه ليس مخاطبا آخر ولكنه ضمير البطل الروائى يخاطب نفسه وتبدأ الرواية بتعرف البطل على أسرة سيصبح فيما بعد زوجا لابنتهم وتبدأ لحظة الحب من الدرس الأول لتلك البنت التى يفارقها ويعود إليها ولكنه يختم روايته على علاقة أخرى شائكة، لحظة لدرس لزوجة الشيخ فى إحدى الدول العربية وصارت تلك اللحظة أكثر رعبا وكأنه يضعنا فى مقارنة صعبة بين لحظتين غاية فى الصعوبة.

وتناول يوسف الشارونى رواية محمد جبريل “صخرة فى الأنفوشى“ الصادرة عن دار الهلال ويرى أن هذه الرواية على قصرها يبدو من الصعب صرها فى منديل، فهى خطوة تبرهن أن جبريل ما زال يتقدم فى طريق بلاغته الروائية والتحم فيها ما يمكن أن نسميه الواقع الرواى بالخيال، مما دفعه إلى التنبؤ بما وقع فى مصر- وفى أكثر من دولة من دول العالم العربى – من ثورات على الفساد، حيث نقرأ الرواية التى صدرت فى الأول من يناير عام 2011 وبعد تحليل الرواية يؤكد أن الرواية تحتشد بأربع عشرة شخصية ما بين رجال ونساء من مختلف الطبقات والمهن وأن لهذه الشخصيات الصادرة والأحداث فى خدمة تقدمها الدرامى .

وتناول الإبداع العلمى خاصة الخيال العلمى وأعتبر نهاد شريف أول رائد للخيال العلمى فى الأدب العربى وتناول بالحديث مجايلويوسف إدريس فى القصة ممن ولدوا فى العشرينات من القرن السايق وهم بدر الديب وعباس أحمد وفتحى غانم وإدوار الخراط ويوسف الشارونى واختتم الفصل الأول بمقال عن صالح عبدون وكتابه عن الثقافة الموسيقية وأشار إلى أن يوسف السباعى استعان به كسكرتير للجنة الموسيقى وكان برتبة صاغ «رائد» وكان أحد الشباب المثقف ورأس بعد ذلك عدة مناصب أهمها مديرا للأوبرا وأكاديمية روما والمجلس وكان عبدون أحد العسكريين المثقفين الذين أكدوا أن للعسكرية المصرية وجه آخر من الثقافة الرفيعة.

وتناول فى محبة الإبداع الروائى عددا من الروائيين مثل نجيب محفوظ ومحمد جبريل وبشرى أبوشرار وحسن صبرا وسعد القرش وسعيد بكر وصفاء النجار وكمال رحيم وكوثر عبد الدايم ومحمد عزلان ونوال مهنى وهالة البدرى ومحاور الرواية العمانية، وفى محبة الإبداع القصصى تناول أعمال تشيكوف وأحمد حمدان وحسن الجوخ وعبد الله السلايمة وعزة رشاد وفؤاد قنديل ونادر السباعى ومحمد القصبى وفى محبة الشعر والشعراء تناول د. عايدى على جمعة وفى محبة أدب الطفل تناول ثريا عبد البديع وفى قصة الومضة تناول منة الله سامى وفى محبة الإبداع النقدى تناول د. أمانى فؤاد وفى محبة الفنون التشكيلية تناول مها فاروق عبد الرحمن وتناول عزة بدر فى كتابها المثقف والسلطة.

وأهمية هذا الكتاب تكمن فى أنه يعطى ملمحا نقديا مهما عن عدد من الكتاب فى كل المجالات من خلفية قراءة نقدية محبة، حتى ولو كانت بعض الأسماء لا تمثل الكشف الحقيقى عن أبرز كتاب هذا المجال الأدبى ولكنها تعطى فى النهاية كشفا عن الكاتب نفسه.