من أصداء مؤتمر مؤسسة «نصر حامد أبو زيد» آليات الانتقال من النص إلى الخطاب   بقلم : أشرف البولاقى   «1» ليست الأزمة فى أن يكون القرآن «نصًا» أو «خطابًا»،

007

من أصداء مؤتمر مؤسسة «نصر حامد أبو زيد»

آليات الانتقال من النص إلى الخطاب

 

بقلم :

أشرف البولاقى

 

«1»

ليست الأزمة فى أن يكون القرآن «نصًا» أو «خطابًا»، لكن الأزمة فى التعامل معه عند اختيار واحدٍ منهما، وتتجلى خطورة الأزمة فى الدلالات التى يحيل إليها كل تعريف على حدة..

عندما تتخذ وتستقر كدالٍ وحيد على القرآن، خاصةً عند المفسرين وعند المؤدلَجين الذين يَبدءون فى تصدير أيديولوجيتهم للعامة وأنصافِ المتعلمين.. وهو ما حدثَ مع القرآن باعتباره «نصًا»، فـالنص – لغةً – يدل على رفعٍ وارتفاع وانتهاء فى الشيء، وبلوغ غاية، ويدل ثقافةً وشيوعًا ومعرفةً حتى بين عدد كبير من المثقفين والأكاديميين على شفرةٍ خاصةٍ تحتاج دائمًا إلى جهدٍ وعلمٍ فى محاولات فكّها… وهو ما استقر فى الذهنية العربية الإسلامية قرونًا طويلة، وما دام النص كذلك فليس لأحدٍ أن يقترب منه، ويظل معناه غامضًا وملتبِسًا لا يدنو من معرفته إلا كاتِبُه الأعظم «الله» وأولو العلم الذين هُم هنا بالطبع الفقهاء والمفسرون ورجال الأزهر!!

أمّا كونه «خطابًا» فالأمر مختلف تمامًا، فـالخطاب – لغةً يشير إلى معنييْن: الأول الكلام بين اثنين، مرسِل ومخاطَب… والمعنى الآخر اختلاف لونيْن.. ومعنى وجود مرسِل ومخاطب وجودُ «الإنسان» هنا، ومعنى وجودِ الإنسان انتفاءُ الشفرة!! ومِن ثَم لا يصبح القرآن غامضًا ولا ملتبِسًا، ويصبح الخطاب القرآنى مِن حيث هو خطاب – كلاما – وليس مِن حيث ألوهيته ولا مصدره ولا قدسيته – متاحًا للدرس والنظر فى طرائقه وأساليبه المختلفة… وهو المعنى الذى يعيد للقرآن حيويته لاعتباره حيّا حتى يومنا هذا بين مرسِله الذى هو الله وبيننا نحن المخاطَبين بكلامه.

واعتبار القرآن «نصًا» لا يفتح أمام الباحث إلا أفقًا واحدًا فقط يتمثل فى ضرورة الاستناد دائمًا وأبدًا إلى عملية التقنين التى جرت له منذ جمعِه وتدوينِه وترتيبه وتنقيطه، وهى عملية بشرية إنسانية شابتها ظروف وملابسات تظل مروياتٍ بالنسبة لنا.. أمّا اعتباره «خطابًا» فإنه يفتح آفاقًا أخرى لها علاقة بأنساقه اللغوية والتخاطبية، كما سيفتح الباب واسعًا أمام التعامل معه بعيدًا عن مصطلحات ومفاهيم الفقهاء والمتكلمين الذين حصروا التعامل معه فى المُحكَم والمتشابه والناسخ والمنسوخ وغيرها من تلك العلوم التى حاولتْ فقط رفْعَ ما ظنته تناقُضًا أو متعارضًا بين سوَرِه وآياته، فى حين أن التركيز عليه كـ«خطاب» سيستدعى صلاحيته الحقيقية لكل زمان ومكان بوجود الإنسان الذى هو مخاطَب، ولِتعدد الأصوات باعتبار أن المعارضات والتناقضات وهمٌ نتج عن فكرة «النص» وشفراته تلك.

«2»

فى كتابه «مفهوم النص» – الصادر فى تسعينات القرن الماضى – هل كان د. نصر حامد أبو زيد يكرِّس للقرآن على أنه «نص»؟ وهل كانت فكرة «الخطاب» غائبة عنه؟ انفجر هذان السؤالان فى رأسى وأنا أستعد للمشاركة فى فعاليات مؤتمر «نصر حامد أبو زيد من النص إلى الخطاب» والذى عُقِد خلال الفترة من 14 إلى 15 أكتوبر 2016 بالقاهرة واضطررتُ لقراءة الكتاب مجددًا لأكتشف أن د. نصر انطلق من الفكرة المحورية فى الثقافة العربية فى تعاملها مع القرآن، بغض النظر هنا عن إيمانه هو بها، واكتشفتُ أنه من الظلم الزعم أن فكرة التعامل مع القرآن كـ «خطاب» كانت غائبة، يمكن القول إنها كانت مضَمرة أو مستتِرة.. لكنها كانت تنضج وتنمو فى ذهنه وذاكرته، كان المفكر الراحل مشغولا بتبيان آثار التعامل مع القرآن باعتباره «نصًا»، كما كان مشغولا أكثر بالتركيز على المنهج، ولعل الباب الأول فى «مفهوم النص» كان أكثر الأبواب سيطرة على مشروعه فى الكتاب، باب «النص فى الثقافة – التشكل والتشكيل -»، ثم راح فى باقى الأبواب والفصول يَستعرض علومَ القرآن عِلمًا عِلمًا ليبيّن حجم المآزق والإشكاليات التى تعرض لها القرآن باستسلام الثقافة العربية والإسلامية لنتائج فكرة «النص».. ويمكن لنا أن نشير هنا فى عجالة إلى أن مفردة «النص» مفردة حديثة ظهرت فى القرن التاسع عشر تقريبا كحقل معرفى من حقول علم اللغة، ولم ترِد عند القدماء من مفسرين أو نقاد أو بلاغيين فى أى من كتبهم، وإنْ وردت مشتقاتها فى أبيات شعرية عند بعض الشعراء كانت تشير فقط إلى معناها المعجمى كقول امريء القيس مثلا:

وجيدٍ كَجِيدِ الرئْمِ ليس بِفاحِشٍ.. إذا هى نَصَّتهُ ولا بِمُعَطَّلِ

وإذا تتبعنا كتابات علماء العربية القدماء سواء أكانوا فقهاء أو متكلمين أو مفسرين أو بلاغيين فسنجدها داخلة أو تنتظمها عندهم سياقات متعددة فى الجملة تارة، أو النظم تارة، أو فى تقسيم الكلام تارات أخرى.. إلى أن ظهرت كمفهوم مستقل معرف بالألف واللام فى كتاب «التعريفات» لعلى بن محمد الجرجانى – غير عبد القاهر – حيث يقول « النص ما ازداد وضوحًا على المعنى الظاهر لمعنى فى نفس المتكّلم وهو سوق الكلام لأجل ذلك المعنى كما يقال أحسِنوا إلى فلان الذى يفرح بفرحى ويغتم بغمى كان نصًا فى بيان محبته، وأنه ما لا يحتمل إلا معنى واحدًا وقيل ما لا يحتمل التأويل» «ت 816 هـ تقريبا».

ولعلها لم تختلف كثيرًا بعد تعريفات الجرجانى فى كتابات مَن جاءوا بعده، خاصة السيوطى «ت 911 هـ تقريبا» إلى أن أشرق القرن التاسع عشر بانفجار علوم اللغة واللسانيات حتى اتخذ مفهوم وتحليل النص مكانه ليحتل الصدارة فى كتابات عدد كبير من المستشرقين ومن المثقفين والأكاديميين العرب.

حتى ظهر كتاب «مفهوم النص» – المشار إليه – للدكتور نصر حامد أبو زيد بمنهجه ومادته ونتائجه ليصبح الكتاب علامة على المفهوم، وليتحول الكتاب إلى أيقونة كتابات مؤلفِه بعد الضجة التى أثارها – ولا يزال – فى كل الأوساط السياسية والدينية والثقافية والأكاديمية أيضًا. والمتتبِع لكتابات د. نصر لن يحتاج إلى كبير عناء ليدرك أنه انتقل انتقالةً كبيرة وواسعة من «النص» إلى «الخطاب»، الأمرُ الذى أعلنه وصرّح به أكثر من مرةٍ فى أبحاثه وكتاباته، وقدّم للمكتبة العربية جهدَه فى ذلك.. وهاهو نفسه يقول فى بحثه المعنوّن بـ«مقاربة جديدة للقرآن: من النص إلى الخطاب نحو تأويلية إنسانوية» وهو البحث الذى كان فى الأصل محاضرة اعتلائه كرسى ابن رشد للإسلام والهيومانيزم بهولندا: «أريد فى البداية تأكيد أن مجال التجديد الفكرى يمثل أفقا مفتوحا للباحث، يستطيع فيه مراجعة نفسه. ولأنى سأنتقل هنا نقلة ليست يسيرة فى التعامل مع القرآن لا بوصفه نصا – كما هو الأمر فى كتابى «مفهوم النص: دراسة فى علوم القرآن» بل بوصفه خطابا».

ففى الفصل الأول – من الاب الأول – وعنوانه «مفهوم الوحي» من كتاب «مفهوم النص» وفى الفقرة المعنونة بـ « اتصال البشر بالجن» يظهر مستوى من مستويات «الخطاب» لا «النص» عندما يتعرض د. نصر لتحليل سورة «الجن» ص 29 من كتابه، عندما يلاحظ النص وهو يصوغ الواقع بطريقة بنائية خاصة تعيد تركيبه فى نسق جديد، عندما يشير إلى التداخل الدلالى فى استخدام الضمائر فى السورة حيث يشر ضمير المتكلمين فى السورة كلها إلى الجن، «وأنا – ظننا» وفجأة «وأنهم ظنوا كما ظننتم» فضلا عن فعل المخاطَب «قل» إلى آخر ما أشار إليه. وتعدد الأصوات مستوىً مِن مستويات «الخطاب» الأمر الذى يؤكد أن مفهوم «الخطاب» لم يكن غائبا عن ذهن الباحث حتى وهو يتناول مفهوم النص.. لكنه احتاج سنواتٍ طويلة فى جدٍ وبحثٍ لينتقل من «النص» إلى الخطاب.

«3»

سنحاول هنا أن نلقى الضوء على آليات الانتقال من «النص» إلى «الخطاب» وكيفية المراجعةِ وبلوَرةِ الفروضِ والتصوراتِ التى انطلق منها الباحث د. نصر حامد أبو زيد فى كتابِه «مفهوم النص» ليصل بكثير منها – فى الفصل الأخير من كتابِه «التجديد والتحريم والتأويل» إلى نتائجَ تبدو للوهلةِ الأولى وكأنها مغايرةٌ أو متناقضةٌ لفروضِه ونتائجِه فى كتابه «مفهوم النص»… وتَزعمُ هذه القراءةُ أن النتائجَ الأخيرةَ التى تَوَصَّل إليها الباحثُ ليست مغايرةً ولا متناقضة، بل هى تطوير لأفكارِه التى تؤكِّدُ الوعيَ بالقضايا والإشكاليات الفكرية والثقافية المطروحة.

فى مُقَدِّمتِه التى صدَّرَ بها نصر حامد أبو زيد كتابَه «مفهوم النص – دراسة فى علوم القرآن» الصادرَ عن الهيئةِ العام للكتاب سنة 1993 توجد إشارةٌ إلى أنها كُتِبتْ – أى المُقدِّمة – فى اليابان فى 18 فبراير 1987، بينما يشير الهامِشُ الأولُ فى الصفحةِ الأولى «تقديم» مِن الفصل المعنوَن «مقاربة جديدة للقرآن من «النص» إلى «الخطاب» نحو تأويليةٍ إنسانوية» فى كتاب «التجديد والتحريم والتأويل» إلى أن هذا الفصلَ أُلقِيَ كمحاضرةٍ بالإنجليزية فى مايو 2004، كما يشير الهامِشُ نفسُه إلى أن كتابَ «مفهوم النص» صدَرَ سنة 1990.. ولا يعنينا ما قد يتبادَرُ إلى الذهنِ من اختلافٍ بين تاريخَيْ صدورِ كتابٍ واحد؛ فالفرْقُ بين كتابةِ مقدِّمة، وبين الانتهاءِ من الكتابِ نفسِه كفيلةٌ بانتفاءِ الاختلافِ المتوهّم. لكننا مَعنيونَ بالفترةِ الزمنيةِ الكبيرةِ بين كتاب «مفهوم النص» وبين فصلِ المقاربةِ الجديدة للقرآن من النص إلى الخطاب، وهى الفترةُ التى قد تمتد إلى سبعة عشرَ عاما، أو إلى أربعةَ عشرَ عاما. وهى فترةٌ كافيةٌ تمامًا لأى فكرةٍ أو أُطروحةٍ لأن تتبلوَرَ وتَنضجَ وتَحترقَ مِن خلالِ الحواراتِ والنقاشات والرأي، والرأى الآخر، وهى أيضا فترةٌ كافيةٌ لأى باحثٍ أن يعودَ لفكرتِه بالنظرِ والمراجعةِ.

ولقد قُدِّرَ لكثيرِ من أفكار د. نصر أن تذيع وتنتشر، وأن يتم تناولُها بالنقدِ والتحليلِ اتفاقًا أو اختلافًا أو عرْضًا لها، ورغم شيوعِ وانتشار كتاب «مفهوم النص» ليس فقط بسبب أفكارِه وأطروحاتِه، لكِن أيضا بسبب ما صاحَبَ صدورَه من حراكٍ ثقافى وفكرى تحوَّل بمرور الوقت إلى قضيةِ رأيٍ عام، ثم وبسبب طيور الظلام إلى قضيةِ شَهِدَت المحاكمُ فصولَها.. نقولُ رغمَ أن الكتابَ تَحوَّلَ أو كاد أن يتحوَّلَ إلى أيقونةٍ دالةٍ على مؤلِّفِه، امتلك د. نصر حامد أبو زيد من الجرأةِ والشجاعةِ العلمية أن يُعلِن بعد مرور كل تلك الفترة الزمنية عن انتقالِه العلمى من فكرة «النص» إلى فكرة «الخطاب» فى إطار ما يتَّسِم به منهجُه من علميةٍ وجدية، وهو ما أشار إليه فى كتابِه «التجديد والتحريم والتأويل – بين المعرفة العلمية والخوف من التفكير» فى الفصل المشار إليه عن المقاربة الجديدة وهو يقول نصا:

«أريد فى البداية تأكيد أن مجال التجديد الفكرى يمثل أفقا مفتوحا للباحث، يستطيع فيه مراجعة نفسه. ولأنى سأنتقل هنا نقلة ليست يسيرة فى التعامل مع القرآن لا بوصفه نصا – كما هو الأمر فى كتابى « مفهوم النص: دراسة فى علوم القرآن» بل بوصفه خطابا».

والحديثُ عن «مفهومِ النص»، وعن إعادةِ النظر فيه ومراجعتِه متكررٌ فى فصل المقاربة بشكلٍ لافتٍ للنظر، حتى ليبدو – وَهْمًا – وكأن الباحثَ يستشعِرُ الحرَجَ من انتقالِه من القرآن بوصفِه «نصا» إليه بوصفِه «خطابا» وكيف لا والباحثُ كَررَ كلمة «نص» فى مقدمتِه قبل الولوجِ إلى مفهوم «الخطاب» أكثرَ مِن خمسين مرة؟! حتى ليظن القارِئُ العَجِلُ أن الباحثَ يتراجعُ عن أفكاره التى سَطرَها وطَرحَها فى «مفهوم النص» وهو ما سنتعرضُ لبيان خطئه فى السطور القادمة.

«4»

لا شك أن الانتقالَ مِن مفهوم «النص» إلى «الخطاب» يشكل نقلةً نوعيةً فى التعامل مع القرآن، ولا يمكن فهمُ واستيعابُ تلك النقلةِ التى أشار إليها الباحثُ من «النص» إلى « الخطاب» إلا باستدعاءِ كتاب «مفهوم النص» ذاتِه، وعددٍ من النقاط والمفاهيم التى انطلق منها الباحثُ كركائزَ أساسيةٍ وهو يطرح مفهومَه للنص.

ففى التمهيد لكتاب «مفهوم النص» أشار د. نصر إلى أن البحثَ عن مفهوم «النص» ليس رحلةً فكريةً فى التراث، لكنه اعتبَرَه بحثًا عن «البُعد المفقود» فى الثقافة العربية التراثية، مؤكدا أن الجهدَ فى البحثِ عن هذا البُعد المفقود يمكن أن يساعِدَ على صياغةٍ وعيٍ علمى بهذا التراث.. وسَبَق ذلك كلَّه بالتنبيه على أنه ليس مِن قبيل التبسيط أن يَصِف الحضارةَ العربيةَ الإسلاميةَ بأنها حضارةُ «النص» وذلك بمعنى أنها الحضارةُ التى تأسستْ ونضجتْ علومُها على أساسٍ كان النصُّ فيه مركزيا، مؤكِّدا أن الحضارةَ وحدَها لا تَصنع نصا، لكن الذى يصنع النصَّ هو جدلُ الإنسانِ وتفاعلُه مع النص ومع الواقع.

وإذا كان فصلُ المقاربةِ الجديدة نحو تأويليةٍ إنسانوية يسعى إلى تسليطِ الضوءِ على الخطاب القرآنى مِن حيث التركيز على الإنسان واستدعائِه للمركز، فإن تَصوّرَ أن مفهومَ النص لا يركز على «الإنسان» تصورٌ واهٍم فى حقيقة الأمر؛ لأن تفاعُلَ النص مع الواقع ومع الثقافة – وهو ما خَصَّص له الباحثُ مساحاتٍ واسعةً وعريضةً فى «مفهوم النص» – هو تفاعُلٌ مع الإنسان أيضا؛ فالواقعُ والثقافة لا يكونانِ واقعًا ولا ثقافةً دون وجود الإنسان وتفاعُلِه وجدليتِه مع النص، وهو ما قرره الباحثُ كثيرا فى «مفهوم النص»… لكنَّ كلا من مفهومَ «الخطاب» ومحاولةَ تسييده والتركيز عليه يُعطى للقرآنِ حيويةً أكثرَ وفعاليةَ فى استمرارِ تأثيرِه.

ويبدأُ الخطأُ عند كثيرٍ من الباحثينِ أو القُرَّاء الذين تَعاطَوْا أو تَفاعَلوا مع كتاباتِ نصر حامد من فرضيةٍ تحوَّلت إلى يقينٍ رغم أنها ليست كذلك، وهى أن الباحثَ هو مَن كرَّس لمفهوم «النص»، بمعنى أنه هو الذى أَطلق على التنزيل الحكيم اسم «النص» ومن ثم اعتبر البعضُ أن انتقالَه إلى «الخطاب» يُعَد تراجعا…!! والحقيقةُ غير ذلك تمامًا؛ فالباحثُ لم يزعم قَط فى كتابه «مفهوم النص» شيئًا من ذلك، إنما كانت مهمَّتُه فقط البحثَ عن مفهومِ النص الموجودِ سَلفًا فى الثقافة العربية وفى الفكر الإسلامي.. كانت مهمَّتُه هى البحث عن المفهوم وتأثيرِه فى الوعى الجمعى وفى التعامل معه، وليس أَدلَّ على ذلك من الفصل الثالث من كتاب «مفهوم النص» المعنون بـ«الغموض والوضوح» حيث الاستشهاد بكتاب السيوطى «الإتقان فى علوم القرآن» حيث وردت مفردة «النص» عند السيوطى مئات المرات، بما يشى أنها كانت معروفةً ومتداولة فى عصرِه وعصرِ مَن سبقوه… ولعل فى شيوع وانتشار عبارة «لا اجتهاد مع النص» – وهى عبارةٌ فقهيةٌ قديمة – مَا يُغنى عن الزعم بأن الباحثَ ابتَدعَ المفهومَ أو المصطلح. لقد كان الباحثُ منذ أطروحتِه الأولى عن المجاز مشغولا بطبيعة وماهية القرآن، وتأثيرِ تلك الطبيعةِ والماهية على المستقبِل، وأبرزَ تلك التأثيراتِ فى التعامُل معه كـ«نص» بدا مغلَقًا وذا تصوراتٍ أُسطوريةٍ فى أذهان مُتلقِّيه، ثم أبرزَ أهميةَ التعاملِ معه كـ«خطاب» – فى فصل المقاربة الجديدة – مِن شأنِه وهو كذلك بصفتِه الأخيرة أن يحافِظ على قُدسيتِه من ناحية وعلى فاعليتِه واستمرار تأثيره حتى الآن من ناحيةٍ أخرى، ولا سيما وأن التعاملَ معه باعتباره «خطابا» يعيد الاعتبارَ للإنسانِ.

ففى كتاب «مفهوم النص» كان تركيزُ الباحثِ واضحًا وهو يتناولُ عمليةَ «الوحي» أو التواصل بين السماءِ والنبى بِبُعدِها الرأسى الله / الملك / جبريل عن طريق الشفرةِ الخاصة، وهو المَبحثُ الذى استغرقَ أكثرَ من عشرين صفحة، سنلاحظ أن الجهدَ فى هذا المبحثِ انتهى فى بُعدِه الرأسى لوجود «الناس» الإنسان بعد النبى باعتبارهم هدف الوحى وغايته، ما يعنى أن مفهومَ النص ومفهومَ البُعدِ الرأسى نفسه لم يُلغِ «الإنسان» باعتبارِه المخاطَب:

«فإن الثقافة العربية ذاتها قبل الإسلام يمكن أن توصَف بأنها ثقافة تنحو نحو المخاطَب فى نصوصها أكثر مما تنحو ناحية المتكلم.. وليس أَدلَّ على هذا الاتجاه فى بناء النص وآلياته اللغوية من كثرة دوران أدوات النداء فيه، سواء كان المنادى هُم «الناس» أو «بنى آدم» أو «الذين آمنوا» أو «الكافرون» ومن ثم يصبح التركيز على مصدر النص وقائله فقط إهدارا لطبيعة النص ذاته، وإهدارا لوظيفته فى الواقع» 65 مفهوم النص.

تأتى المقاربة الجديدة من النص إلى الخطاب للانتقال إلى البُعد الأفقى «المحايث لعملية الوحى ذاتها والمتمثلة فى دوال وإشارات لا تزال ماثلة فى بنية النص المدون فى «المصحف» ص 205 المقاربة.

خاصة مع تأكيد أن عملية التواصل بِبُعدِها الرأسى أنتجت مجموعةً من الخطابات فى شكل آياتٍ قصيرة، مما يعنى تطويرَ الفكرةِ الأولى التى ركزت ضمن ما ركزت عليه على وجود المخاطَب الذى هو الإنسان.

«5»

سَبقَ لنا أن أشرنا إلى إشارةِ الباحث فى مقدمتِه فى فصل المقاربة عن اعتبار مجال التجديد الفكرى يمثلُ أُفقا مفتوحًا للباحث، يستطيع فيه مراجعةَ نفسِه، وهى الإشارةُ التى تبدو كافيةً فى البحث العلمى للولوج إلى ما يعتبره الباحثُ تجديدًا أو مراجعةً لأفكاره، لكنه يشير مرةً ثانية إلى عملية تطوير الأفكار تلك فيقول ص 190:

«حاولت فى هذه المحاضرة التى نشرت فى كتيب صغير بعد ذلك حسب ما تمليه التقاليد الجامعية تطوير بعض الأفكار التى تناولتها فى كتاب مفهوم النص وذلك عن طريق إعادة قراءة ومن ثم تفسير بعض القضايا والافتراضات الأساسية فى علوم القرآن» «3»..

وهى إشارةٌ عامة ومطلَقة كسابقتِها مطلوبةٌ فى البحث العلمي، يليها مباشرةً الحديثُ عن أحد أهم أسباب تبنِّى فكرة «مفهوم النص» ليقول الباحثُ:

«ولقد بدأت حياتى البحثية فى علوم القرآن منطلقا من هذه القناعة – قناعة أن القرآن نص بما هو مدون بين دفتى كتاب «المصحف» – وذلك بتأثير المنهج الأدبى الذى بدأه الشيخ أمين الخولى متأثرا فى ذلك بمعطيات أساليب الدراسات الأدبية الحديثة».

وهنا يَظهر المنهجُ الذى انتهَجَه الباحثُ فى «مفهوم النص» وهو منهجُ تحليل النصوص الأدبية الذى بدأ مع طه حسين وأمين الخولى واستثمَرَه الباحثُ فى مناطقَ كثيرةٍ فى تناوله لـ «مفهوم النص» بل اتكأ عليه فهو يقول :

«وفى منهج تحليل النصوص تنبع مصداقية النص من دوره فى الثقافة، فما ترفضه الثقافة وتنفيه لا يقع فى دائرة النصوص، وما تتلقاه الثقافة بوصفه نصا دالا فهو كذلك… لذلك كله لا تعارض بين تطبيق المنهج اللغوى – منهج تحليل النصوص – على القرآن وبين الإيمان بمصدره الإلهي، إن البحث عن مفهوم للنص ليس إلا محاولة لاكتشاف طبيعة النص الذى يمثل مركز الدائرة فى ثقافتنا».

وما دام البحثُ عن طبيعة وماهية النص هو غاية الباحث، فلا بأس إذا من الانطلاق من اختبار مجموعة من الفروض تدور كلها حول القرآن من جوانبه المختلفة، والباحث العلمى هو الذى يتجاوز أفكاره.

ولا يمكن للباحثِ – أيَّ باحثٍ – وهو ينتقل مِن قناعةٍ إلى أخرى أو مِن نتيجةٍ لغيرِها أن يقفِزَ على قناعاتِه السابقةِ أو نتائجِه السالفة دون أن يَحترِم عقليةَ قارئه ومتلقِّيه.. والأهم أن يشير إلى خطواته الفكرية التى قطعها ليصل إلى قناعاته الجديدة، وهو ما ظهر أولَ ما ظهر فى فصل المقاربة حيث يقول الباحث:

« ومن خلال دراسة أنجزتها عن – القرآن فى الحياة اليومية – بدأت أدرك أن التعامل مع القرآن بوصفه مجرد نص يقلل من شأن حيويته إلى جانب أن هذا التصور النصى يتجاهل حقيقة أن القرآن ما زال يمارس وظيفته فى الحياة اليومية للمسلمين بوصفه «خطابا» لا مجرد «نص».

نحن هنا بإزاء دراسةٍ – تم الإشارة إليها فى هامش فصل المقاربة أنها مكتوبةٌ بالإنجليزية ومنشورةُ فى «الموسوعة القرآنية»- مما يعنى أن الانتقالَ إلى مجموعةٍ جديدةٍ من الفروضِ والأفكار يتم عبْر بحثٍ وتفكير وليس قفزًا على المعطيات.

«6»

وإذا كان الباحث نصر حامد أبو زيد يرى أن القرآن فى الفترة الأولى من تاريخ المسلمين – بالتأكيد قبل الوصول إلى مرحلة التقنين النهائى للمصحف، وقبل تحول الإسلام إلى مؤسسات – كان لا يزال ينظر إليه بوصفه «الخطاب الحي» بينما كان المصحف بمثابة «النص الصامت». فإن قراءتَه واستشهادَه بحادثة الفتنة الكبرى ورفْعِ المصاحف على أسنةِ الرماح كان دليلا عنده فى فصل المقاربة على أن البحثَ وقتَها فى مسألة التحكيم داخل القرآن كان بحثًا داخل القرآن بوصفه «نصًا» لا «خطابًا». وهو الأمرُ الذى كان عليه جمهورُ المختلفين باستثناء الخليفة على بن أبى طالب الذى كان يؤمِنُ أنه مُصحَف صامِت لا ينطق.

وهو الموقفُ نفسُه الذى رأى أن كثيرًا من الحركاتِ والفصائلِ الإسلامية المعاصرة سواء المعتدلة أو المتطرفة تتخذه لينتهى الأمر بها إلى التلاعب الأيديولوجى بالمعنى القرآني.. فيقول:

«مثل هذا التلاعب السياسى والأيديولوجى بالمعنى القرآنى موجود أيضا فى الفترة الكلاسيكية اعتمادا على أن القرآن مجرد «نص» يصبح التلاعب الدلالى سهلا ويمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية».

وبإطلالةٍ سريعةٍ على جهودِ المعتزلة وأهلِ السُّنّة حول تأويل القرآن، واعتمادِ المعتزلة على توظيفِ مفهوم المجاز، بينما تَمَسَّكَ خصومُهم بالمعنى الحرفى للقرآن، وتَحَوّلِ القرآنِ إلى أرضٍ وساحةٍ للمعاركِ الفكرية بين الطرفيْن يَصِل د. نصر إلى نتيجةٍ مؤدَّاها «إن التعامل مع القرآن من منظور كونه نصا هو الذى مكن علماء الكلام من ترسيخ المبدأ التأويلى الأول استنادا إلى الآية 7 من سورة آل عمران».

كما ألمَحَ الباحثُ إلى الأزمةِ الكبرى التى انزلق إليه الفقهاءُ وعلماءُ الأصولِ عندما رسَّخوا مبدَأَهم التأويلى على أساسِ التمييز بين المتقدم والمتأخر فى ترتيب النزول، متعرِّضا لمحاولاتِهم الحثيثةِ لإزالةِ ما بدا لهم متناقضا بالاستناد إلى مفهومَيْ الناسخ والمنسوخ ليقول:

«لم يكن من الممكن للمتكلمين أو الفقهاء أن يدركوا أن ما يبدو لهم تناقضا يحتاج إلى منهج تأويلى لرفعه، ليس إلا مواقف وترتيبات لا يمكن فهمها إلا بالعودة إلى سياقها الخطابي، أى سياق التحاور والتساجل والاختيار والرفض والقبول.. إلخ. وهذا السياق الخطابى ليس هو السياق النصي، بل هو سياق أوسع يتطلب تحليل أدوات الرفض والتأكيد والإزاحة والتركيب والتفكيك».

مؤكِّدا هنا على معضلةِ الفقهاء فى التعامُلِ مع القرآن على أنه «نص» لا يمكن أن يقعَ فيه أيُّ نوعٍ من التناقض، وبالتالى كان الناسخُ والمنسوخُ حلا تأويليًا ناجعا فى تصوراتِهم.

ولم يغفلْ د. نصر عن أن جهدَ الفقهاءِ انطلق وهو يعكس وعيَهم المحدودَ بطبيعة القرآنِ من حيث هو خطاب، لكنه أشار إلى مشكلةِ التناقضِ فى بعض أحكامِه التى غابت فى وعيهم عن كونِها جزءًا من بِنيةِ الخطابِ نفسه.

كما أشارَ إلى تمييزِ بعضِ الدارسين المحدَثين الذين فرَّقوا بين «الظاهرة القرآنية» كخطابٍ متلوٍّ متداوَلٍ منذ نزولِه حتى يومِنا هذا، وبين طبيعتِه التى استقرت فى الذهنيةِ الإسلامية باعتباره مُصحَفًا يتضمن الصيغةَ النهائيةَ المغلَقة من خلال عملية التقنين بجَمعِه وترتيبِه والتى حوَّلته مِن كونِه خطابا إلى اعتبارِه نصًا برغم ما تمتلئ به كُتُب التفاسير من ذِكر أسبابِ أو مناسبات النزول فيقول:

«ولقد دأب الدارسون للقرآن فى العصر الحديث على مواصلة المنظور التراثى فى التعامل مع القرآن بوصفه نصا. إن التعامل مع القرآن من هذا المنظور يشجع إمكانيات التفسير والتفسير المضاد، كما يسمح بالمثل بإمكانية التلاعب الدلالى ليس بالمعانى فقط، بل بالمبنى القرآنى نفسه».

استعرَضَ د. نصر أيضًا عددًا من التصورات القديمة حول القرآن الذى تم فَهْمُه واستيعابُه واستقبالُه باعتبارِه عين كلمات الله بشكلٍ حرفي: «إن القرآن منذ جمعه وترتيبه فى مصحف تم التعامل معه ثانيا بوصفه نصا، وإذا كان النص البشرى يخضع لسيطرة مؤلفه ويعكس قدراته، فإن النص الإلهى ومؤلفه الله سبحانه وتعالى لا بد أن يقع فى أرقى مستويات البناء التى لا يمكن أن تستوعب تناقضا ما».

والخلاصةُ التى تنتهى إليها هذه القراءةُ الموجَزة أن المراجعةَ التى أشار إليها الباحثُ فى انتقاله من النص إلى الخطاب هى سمةٌ من سمات المشروع العلمي، خاصةً إذا كانت تطويرا لأفكار البحث فى أى مشروع، وأن المشروعَ الفكرى التنويرى لنصر حامد أبو زيد يتضمن فى ذاته آليةَ المراجعة سعيًا منه إلى تحرير العقل الإنسانى من كثيرٍ من التصورات والمفاهيم التى يكمُن خطلُها وخطؤها فى ثباتِها واستقرارِها دون أن يقيمَ جدليةُ معها. وهو ما نتصورُ أن الباحثَ نَجحَ فيه تمامًا.

………………………

– التجديد والتحريم والتأويل فصل مقاربة جديدة للقرآن ص 178 طبعة المركز الثقافى العربي.

– انظر مفهوم النص ص 12 طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب 1993.

– التجديد والتحريم والتأويل فصل مقاربة جديدة للقرآن ص 190.

– التجديد والتحريم والتأويل فصل مقاربة جديدة للقرآن ص 192.

– مفهوم النص ص 31.

– التجديد والتحريم والتأويل فصل مقاربة جديدة للقرآن ص 193.

– التجديد والتحريم والتأويل فصل مقاربة جديدة للقرآن ص 194.

– التجديد والتحريم والتأويل فصل مقاربة جديدة للقرآن ص 179.

– «هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِى الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ».

– التجديد والتحريم والتأويل فصل مقاربة جديدة للقرآن ص 201

– التجديد والتحريم والتأويل فصل مقاربة جديدة للقرآن ص 206