نبيل شعث بين السياسة والإدارة والفن بقلم : أسامة عرابى   في مذكراته الصادرة عن «دار الشروق» بعنوان «حياتي من النكبة إلى الثورة»، تتماهى سيرة السياسي الفلسطيني المخضرم ابن صفد

9333

نبيل شعث بين السياسة والإدارة والفن

osama-orabi-2493

بقلم :

أسامة عرابى

 

في مذكراته الصادرة عن «دار الشروق» بعنوان «حياتي من النكبة إلى الثورة»، تتماهى سيرة السياسي الفلسطيني المخضرم ابن صفد د. نبيل شعث مع سيرة وطنه من دون فصمٍ لأحدهما عن الآخر، مُجسِّدًا لنا دراما الحياة الفلسطينية العامة بتعقيداتها وتلاوينها، متوكئًا على تاريخه الحي في بحثه عن ذاته وعن مغزى وجوده، منتصرًا لذاكرته الجمعية. لذا جاءت مذكراته ناطقة باسم هُويته الوطنية التي رفدته بطاقة روحية ومادية، ووعي طليعي مغاير في إطار التماسه بدائل خلاصية تبعث الأمل في حياة أمتنا المثقلة بالهزائم والإحباطات. وبهذا استطاع أن يجعل من مذكراته زمنًا مفتوحًا بمقدوره أن ينقلنا إلى فضاء المصير المشترك وحركته الموَّارة بالأسئلة؛ تعبيرًاعن منظور ديمقراطي يُقدِّم رؤية رحبة الأبعاد. لهذا استهلَّ مذكراته بسرد الأسباب التي حدتْ به إلى كتابتها، وفي طليعتها أن أكشف لأبناء شعبي ولكل المهتمين بقضاياها وقضايا أمتنا العربية بعضًا مما أتاحه لي مشوار العمر الطويل من خبايا ومن حقائق، ومن أحداث عشتُها وانغمستُ فيها تمامًا طوال ما يزيد على نصف القرن»، خاصة أن رحلته المديدة هذه عامرة بـ«تفصيلات الأيام واللحظات التي صاغت حياتي، والتي لا أريدها أن تمضي من دون توثيق ولا تدوين». من هنا أتت شهادته قبضًا على جمر الحلم بـ«رؤية بلدي فلسطين حرة مستقلة قبل أن تنتهي رحلتي في هذه الحياة»، والحفاظ على بوصلة الروح صوب الأجمل بأن تكون «القدس عاصمة لفلسطين العربية الحرة المستقلة المزدهرة الديمقراطية، وحق العودة للوطن قد تمَّ تنفيذه، والسلام العادل والدائم قد تحقَق في إطار حرية ووحدة ونمو وطننا العربي الكبير»، ساعيًا إلى ردم الهُوَّة بين الموجود والمنشود خارج كل تقديس أو كوابح، حاملًا بين جوانحه شغفه بالحياة، وحرية الذات في تعاملها مع العالم في أبعاده اللانهائية. لذلك حرص على أن يُقدِّم لنا محطات حياته في سياقاتها وأطوار تحولاتها، عبر مرآة صقيلة كاشفة لما طمره الظل، أو حجبه التعتيم والغبار، لاسيما أنه عرف الكثير شاهدًا ومُشاركًا من مواقع المسئولية المختلفة؛ مستشارًا للرئيس ياسر عرفات، ووزيرًا للتخطيط والتعاون الدولي، ونائبًا لرئيس مجلس الوزراء أحمد قريع، ووزيرًا للإعلام والخارجية، وعضواللجنة المركزية- مفوَّض العلاقات الدولية لحركة فتح. غير أن مذكراته تجمع بتعبيره بين «المذكرات الشخصية والرواية التاريخية»؛ فتداخلَ فيها الذاتي مع الموضوعي، وانفتح عبرها الماضي على الحاضر؛ دليلًا على دور العقل الفاعل في التعامل مع وقائع التاريخ، وكيفية الارتقاء القيمي والأخلاقي بالهُوية والشخصية. الأمر الذي اقتضى منه «امتداد مذكراته إلى كتب ثلاثة؛ يُغطي أولها الفترة الموزَّعة بين الغزو الصهيوني لفلسطين وملحمة بيروت في العام 1982، شاملًا نكبة شعب فلسطين، والحروب العربية الإسرائيلية، وانطلاقة الثورة الفلسطينية بقيادة حركة فتح، ونشأة منظمة التحرير، ومرحلتي الأردن ولبنان. ويتناول الكتاب الثاني مرحلة المفاوضات والسعي للسلام في الشرق الأوسط؛ من اتفاقيات كامب ديفيد مع مصر إلى اتفاقي أوسلو وغزة- أريحا معنا. أما الكتاب الثالث فيتناول العودة إلى الوطن في عام 1994، ومرحلة السلطة الوطنية الفلسطينية، ومسئولياتي والأحداث التي عايشتُها حتى العام 2015». وعلى هذا النحو، عمدَ د. نبيل شعث إلى ردِّ الاعتبارللقضية الفلسطينية؛ بوصفها المنطلق الذي يُحدِّد النظرة والموقف والسلوك تجاه المصير والمستقبل العربييْن، مُثمِّنًا نضالات شعبنا الفلسطيني لاستعادة أرضه المغتصبة، والحفاظ على هُويته الوطنية والعربية، برغم تحوُّلِ قيادته من الكفاح المسلح إلى التسويات السياسية التي يَدعوها د. شعث بـ«مفاوضات تهدف إلى السلام العادل»، وهو ما لم يتحقق لا في «مؤتمر مدريد» ولا في ثنائيات واشنطن، ولا في اتفاقيات أوسلو وغزة-أريحا وواي بلانتيشن والخليل، وسارت المفاوضات على درب مسلسل التنازلات السياسية الذي بدأ منذ دورات المجلس الوطني الفلسطيني السابعة عشرة والثامنة عشرة والتاسعة عشرة. بَيْدَ أن سيرته الذاتية تُزيح النقاب عن اهتماماته المتعددة، وغنى شواغله المعرفية والمهنية والنضالية؛ بحسبانه أكاديميًّا مرموقًا، حصل على درجتي الماجستير والدكتوراه من جامعة بنسلفانيا في «دور البنوك والمؤسسات المالية في التنمية الاقتصادية للوطن العربي»، و«دور المستويات العليا من القوى العاملة في التنمية الاقتصادية لمصر 1800- 1960»، وعمل في مجال التدريس في الجامعة الأمريكية في بيروت حتى أصبح عميدًا لكلية الاقتصاد فيها، كما عمل في الجامعة الأمريكية في القاهرة، وأصبح مدربًا وخبيرًا بارزا في الإدارة والاقتصاد، وناشرًا لكتب الأطفال، وعاشقًا للأدب والغناء والعزف الموسيقيّ، في الوقت الذي كان «يُمارس فيه كثيرًا من المهام والتكليفات النضالية» على حدِّ تعبيره. مَنْ منَّا بقادرٍ على أن ينسى «دار الفتى العربي» ودورها الريادي الذي تولَّى د. نبيل شعث شخصيًّا إطلاقه بوصفه مشروعًا مستقلًا متخصصًا في إعداد كتب الأطفال وملصقاتهم وطباعتها ونشرها، مسترشدًا بالمناهج والفلسفة التربوية التي اعتمدها «مركز التخطيط الفلسطيني» الذي كان مديره العام، جاعلًا شعارها «المستقبل للأطفال»، وحاديها ورائدها الالتزام القومي الإنساني والنهج العلمي والمحتوى الفني الراقي والمتناغم مع الشرائح العُمرية للأطفال وبيئاتهم المحلية؟ ألم يُصدر فيها كتابه الفريد «طوابع البريد»، الذي جسَّد كفاح الشعب الفلسطيني وتاريخه عبر العصور. ومن ثَمَّ؛ أتى جزءًا من السردية الفلسطينية التي فضحت الرواية الإسرائيلية المُزوِّرة لحقائق التاريخ؟ غير أنه آمن دومًا بأن «العمل الوطني يجب أن يستند إلى التطوع، وأن تكون للمناضل الفلسطيني مهنة أو وظيفة يتعيش منها»، وهو ما ألزم نفسه به، رافضًا طلب راتب من «فتح» أو من «مركز التخطيط»، مؤسسًا مشروعه الخاص «برنامج الخبراء العرب في الإدارة والهندسة- تيم» الذي ما فتئ يُقدِّم المعونة المالية لـ«فتح»، حتى عاد إلى أرض الوطن وزيرًا في الحكم الذاتي الإداري المنقوص «واضطرَّ إلى التفرغ وتلقي الراتب» على حدِّ قوله. لكنه لم يدخر وسعًا لخدمة القضية الفلسطينية على مختلِف الأصعدة، سواء في التخطيط السياسي أو في الأبحاث السياسية أو في العلاقات الدولية أو في الإعلام أو في قيادة المؤتمرات الحركية. بَيْدَ أنني افتقدتُ في سيرة د. نبيل شعث الذاتية المراجعة النقدية لمسيرة حركة «فتح» الذي انتظم عضوًا في مجلسيْها الثوري والوطني، وكان أحد مَنْ قادوا مفاوضاتها مع عدونا الصهيوني، وما لبث يُردِّد في كتابه  هذا أن «الشعب الفلسطيني العظيم قَبِلَ بدولة مستقلة على جزء صغير من أرضه التاريخية وعاصمتها القدس الشريف»، مُضيفًا: «استمرَّ شعبنا وقيادته في تصميمهم، وطوَّروا أدوات نضالهم التي تراوحت بين الكفاح المسلح والانتفاضة الشعبية والحراك الدولي، والانخراط في مفاوضاتٍ بهدف الوصول إلى السلام العادل». ويعلم د. شعث أن مًنْ قَبِلَ بما سلف لم يكن الشعب الفلسطيني، بل هم بيروقراطيو «فتح» وقادتهم الذين هبطوا بأفق حركتهم إلى سقف أوسلو وخارطة الطريق اللذيْن ينصَّان على إقامة كِيان سياسي أقل من دولة ذات سيادة، وذلك على غرار «باندورا وموناكو»، من غير جيش ولا حق العودة، جاعلين من التسوية السياسية كلَّ شيء، ومن هدفها لا شيء، فأين هي «الدولة الصغيرة المستقلة» التي يتحدث عنها د. شعث؟ ألم يأتِ «اتفاق أوسلو» لتجنيب إسرائيل أي انتفاضة شعبية، موكِلًا أمر التصدي لها لقوات الأمن الفلسطينية، بعد أن غاب النهج الديمقراطي داخل «فتح»، ولم تعدْ هناك مشاركة في اتخاذ القرار لدى الأكثرية الكاثرة من كوادرها؟ ألم يُصدر المرحوم د. حيدر عبد الشافي بيانًا قال فيه: «إن السلطة ترفض الانصياع لإرادة المجلس التشريعي»، واستقال يأسًا من تصحيح الأوضاع الداخلية؟ ثم، كيف يُمكن قبول كلام د. شعث عن «مفاوضات تأتي بسلام عادل»، في الوقت الذي تقبل فيه سلطة الحكم الذاتي الإداري منقوص السيادة أن تكون وظيفتها «هي حماية فصل الإسرائيليين عن الفلسطينيين باسم أمن إسرائيل، والقيام بما كانت تقوم به شرطة جنوب إفريقيا العنصرية، أي أن يقوم المُستعمَر بأداء مهام المستعمِر، إذا استعرنا مصطلحات فرانز فانون» بتعبير محمد حسين يعقوب؟ كذلك يتحدث د. شعث عن «قدرة فتح على بناء علاقات سياسية مع قوى لبنانية سُنية تقليدية، وأخرى مع اليسار واليمين اللبناني، كما كانت لها علاقات أمنية فتحها أبو حسن سلامة مع الكتائب وسواها»، ولم يقلْ لنا إن «فتح» كانت تشكو من فوضى تنظيمية سمحت باختراقها من قِبل الأنظمة العربية والتيارات المُحافظة، حتى سُميت بـ«حظيرة الإسلاميين»، ولم تُجْدِ علاقات أبي حسن سلامة فتيلًا حين اختطفت الكتائب المناضل «عزت أحمد رباح- أبو العز» الذي اغتال وصفي التل لمسئوليته عن مجزرة أيلول الأسود، وعذبته وقتلته، على نحو ما قتلت أبو عمر «د. حنا ميخائيل» الكادرالفتحاوي، وأخفت جثته.

9332