شبرا.. إسكندرية صغيرة     بقلم : د.مُحمد عفيفي     احتلت الجالية الإيطالية فى مصر فى النصف الأول من القرن العشرين أهمية خاصة فى المجتمع المصري. إذ يرى البعض

shubra-3

شبرا.. إسكندرية صغيرة

 

 

بقلم : د.مُحمد عفيفي

 

 

احتلت الجالية الإيطالية فى مصر فى النصف الأول من القرن العشرين أهمية خاصة فى المجتمع المصري. إذ يرى البعض أن هذه الجالية تأتى فى المرتبة الثانية بعد الجالية اليونانية من حيث التعداد، وربما أيضًا من حيث التأثير الاجتماعى والثقافي.

داليدا.. بنت من شبرا

وبطبيعة الحال من الصعب الإلمام بهذا الأمر فى عجالة سريعة، وربما من الأجدى استعراض بعض النماذج الإيطالية المهمة والمؤثرة فى هذا الشأن. وهنا ستتدخل ذاتية المؤرخ فى الاختيار، وقد أصبح ذلك الآن من الأمور المحمودة فى مجال الدراسات التاريخية، إذ يصبح المؤرخ فى هذه الحالة دارسا ومدروسا فى الوقت نفسه.

من هنا أفضل الحديث عن داليدا: بنت شبرا، وهنا تتضح ذاتية المؤرخ فى الاختيار، إذ ينتمى هو نفسه لهذا الحى العريق شبرا، هذا الحى الذى أكاد من الانتهاء من اعداد دراسة تاريخية عنه.

وُلِّدت داليدا «يولاندا كريستينا جيجليوتي» فى 17 يناير عام 1933 فى حى شبرا بالقاهرة، هذا الحى الذى أصبح فى ذلك الوقت حى «كوزموبوليتاني»، حى المهاجرين من شرق البحر المتوسط، وأيضًا حى المهاجرين المصريين من الريف إلى العاصمة.

ولا أدل على ذلك من ميلاد والدى – الذى أتى والده مهاجرًا من الدلتا – فى العام التالي، 1934، فى نفس الحى وعلى بعد حوالى 200 متر من منزل داليدا، إذ يقع منزل داليدا فى 11 شارع خمارويه المتفرع من شارع شبرا. ولم تكن ولادة داليدا فى هذا المنزل بالصدفة، بل كانت تعبيرًا عن الوجود الايطالى فى هذا الحي، إذ يقع هذا المنزل على بعد حوالى مائة متر من كنيسة سانت تريزا «الكاثولكية»، هذه الكنيسة المباركة الشهيرة التى جذبت محبة المسلمين والمسيحيين معًا، المصريين والأجانب أيضًا؛ وكانت هذه الكنيسة من أهم الكنائس المفضلة للجالية الايطالية فى القاهرة. كما يبعد منزل داليدا حوالى 200 متر عن المدرسة الايطالية الشهيرة الواقعة على شارع شبرا، هذه المدرسة التى تحولت أثناء الحرب العالمية الثانية إلى مدرسة فيكتوريا، ثم تحولت بعد ذلك إلى أول مقر لكلية الآداب بجامعة عين شمس، ثم أصبحت الآن مقرًا لكلية الهندسة.

وفى تلك الأثناء، أى فى نهاية الثلاثينات من القرن العشرين، كان الشباب الايطالى «الفاشيستي» يقوم باستعراضات على طول شارع شبرا الشهير، وكأنه أحد شوارع روما، تعبيرًا عن ولائه لموسولينى آنذاك.

ما يهمنا هنا هو بيان الطابع «المصري» لهذه الجالية، فى هذا الحى الصغير الهادئ آنذاك. إذ وُلِّدت داليدا من أبوين ايطاليِّ الأصل مولودين أيضًا فى مصر، فقد هاجر أجدادها إلى مصر فى مطلع القرن العشرين، مثلهم مثل العديد من أبناء الجالية الايطالية فى مصر.

ولا أدل على انخراط داليدا والجالية الايطالية فى الحياة المصرية من تقدم داليدا لمسابقة «Miss Egypt» ملكة جمال مصر، حيث تم اختيارها بالفعل ملكة لجمال مصر فى عام 1954، ولم يقُل أحد يومها أن داليدا ليست مصرية؟!

وبدأت داليدا العمل فى السينما المصرية، ولعل أهم أفلامها هو فيلم «سيجارة وكأس» الذى قامت بتمثيله فى عام 1954. ولكنها سترحل بعد ذلك إلى فرنسا، لتنطلق بنت شبرا «المصرية الايطالية» إلى سماء العالمية لتصبح داليدا النجمة الشهيرة، لتعود بعد ذلك إلى القاهرة لتقوم ببطولة فيلم «اليوم السادس» مع المخرج المصرى الشهير يوسف شاهين، وتقوم داليدا بزيارة منزلها القديم فى شبرا، كما تغنى لطفولتها وشبابها فى شبرا وفى مصر بشكلٍ عام. ولهذا وصف أحمد فؤاد نجم الشاعر الشعبى الشهير داليدا قائلا:

مصرية ومن مواليد شبرا

من تحت نفقها ومجاريها

إن سيرة داليدا توضح لنا المفهوم الحقيقى للمصرية فى النصف الأول من القرن العشرين، ألا وهو «المصرية» كثقافة؛ كما تدل على عمق العلاقات بين شعوب البحر المتوسط، حتى فى ذروة المد الاستعمارى آنذاك.

عالمية شبرا في الأدب المصري:

إن قصة الأجانب مع شبرا، قصة ألهبت الوجدان المصري، وألقت بظلالها على الأدب المصري المعاصر. وهناك العديد من الروايات التي تناولت هذه الظاهرة، وسيلاحظ القارئ حرص الكُتاب على ذكر اسم شبرا كعنوان للرواية.

من أهم هؤلاء الكُتاب الصحفي والروائي الشهير «فتحي غانم» وروايته «بنت من شبرا».

إن «بنت» فتحي غانم هنا أو في الحقيقة «بنت من شبرا» هي الإيطالية ماريا ساندرو، التي يصفها الكاتب بأنها كانت واحدة من أجمل بنات شبرا في الثلاثينات من القرن العشرين. ومن خلال ماريا يرصد الكاتب صورة مجتمع الأجانب في شبرا في تلك الفترة، لا سيما الجاليتين الإيطالية واليونانية.

ووفقًا للرواية كان معظم أبناء الجاليتين يعملون آنذاك في الفنادق أو المطاعم كرؤساء خدم أو سعاة أو طهاة. كما وجد العديد من الحرفيين المهرة، حيث عمل بعضهم في ورش  صيانة السيارات، أو دكاكين بيع وصيانة الأجهزة الكهربائية. كما عمل البعض الآخر في تفصيل أزياء الرجال والنساء. كما عملت العديد من فتيات الجاليتين كبائعات في المحلات الكبرى أو صالونات التجميل.

ومن هؤلاء ماريا ساندرو التي كانت تسكن شبرا لكنها تعمل بائعة في قسم العطور في إحدى المحلات الكبرى في العتبة بوسط المدينة. وكانت ماريا تذهب في يوم الأحد إلى كنيسة سانت تريزا الشهيرة في شبرا، ثم تقضي بقية اليوم في النادي الإيطالي بحدائقه الواسعة. وكان والد ماريا هو «كوافير» الأسرة المالكة.

ويرسم المؤلف صورة لأحلام الجالية الإيطالية في شبرا آنذاك، هذه الجالية التي تنتمي إلى الطبقة الوسطى الصغيرة. إذ انحاز معظم أبناء هذه الجالية إلى الدوتشي موسوليني، حيث نظر إليه هؤلاء على أنه مثلا أعلى لمجد روما:

«أنه في يوم قريب سوف يدخل الدوتشي مصر غازيًا راكبًا حصانه الأبيض، ليحكم مصر كما حكمها يوليوس قيصر أمام كليوباترا».

ويرصد المؤلف كيف عرف شارع شبرا ظاهرة ارتداء الشباب الإيطالي القمصان السوداء «رمز الفاشية» واستعراضهم لذلك بالدراجات البخارية. هذه الظاهرة التي أكدها لنا الأستاذ مرسي سعد الدين، رئيس مصلحة الاستعلامات، ابن شبرا في الأربعينات.

والمثير في القصة أن ماريا الإيطالية الكاثوليكية سوف تتزوج بكريم صفوان المصري المسلم، وكان هذا تعبيرًا عن روح التسامح الكبير الذي عرفته شبرا آنذاك. تقول ماريا:

«لم تتغير مشاعري الكاثوليكية عندما تزوجت كريم. لأن الدين واحد والرب واحد. ولا أريد الآن الاعتراف في الكنيسة على كرسي الاعتراف، بل الاعتراف إلى البشر… كل البشر».

لكن المثير أن قصة ماريا وزواجها من كريم والتي اعتبرت مثالا على التسامح الإنساني والديني الذي نعمت به شبرا، ستنتهي نهاية درامية. إذ سينتهي العمر بماريا بعيدًا عن شبرا، في حي الزمالك الذي انتقلت إليه بعد ذلك، إذ فقد حي شبرا تراثه السابق كحي مختلط، وسادت فيه طبائع ريفية حادة.

وبينما قدمت ماريا حياتها مثالا للتعايش بين الأجناس والأديان، سينتهي الحال بحفيدها إلى التطرف الديني. حيث سيلقى القبض عليه ضمن التنظيمات الإرهابية التي انتشرت في مصر في الثمانينات.

ولن يقف الأمر عند ذلك الحد في تقديم المثل ونقيضه، فمع تحول قصة «بنت من شبرا» إلى مسلسل تليفزيوني في التسعينات، ستندلع أزمة دينية كادت أن توقف عرض المسلسل.

إذ اعترضت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية على عرض المسلسل، حيث رأت فيه تشجيعًا على الزواج المختلط بين مسيحيات ومسلمين، هذا الأمر الذي طالما أثار العديد من الزوابع طيلة فترة التسعينات. وعرفت الصحافة المصرية جدلا طويلا حول ذلك المسلسل، وحول الفن والحرية، أو الفن واحترام المقدسات. والغريب أن بطلة القصة والمسلسل كانت إيطالية، ولم تكن مصرية ولكنه في الحقيقة تعبيرًا عن حالة الاحتقان الطائفي في مصر، وكيف فقدنا روح التسامح، روح شبرا.

 نعيم صبري «شبرا»:

الرواية الثانية التي اخترناها هنا هي رواية شبرا لنعيم صبري. بينما تغطي رواية فتي غانم أساسًا فترة الأربعينات في شبرا، فإن رواية نعيم صبري تغطي فترة الخمسينات المهمة. إذ ترصد الرواية ظاهرة هجرة الأجانب من شبرا، ومن مصر بشكلٍ عام. وتشكل الرواية مرثية جميلة لكيفية فقدان شبرا لظاهرة من أهم الظواهر التي عرفتها وهي «الإخاء».

صدرت هذه الرواية في طبعتها الأولى في عام 2000، والجدير بالملاحظة أن المؤلف يفتتح روايته بالعديد من الحكم والآيات الدينية التي تدعو إلى المحبة والإخاء. فمن التاريخ المصري القديم يختار عبارة من تعاليم بتاح حتب «كن باش الوجه ما دمت حيًا»؛ ومن تعاليم أحد ملوك الأسرة العاشرة في مصر القديمة يختار نصيحة «لا تتول العقاب بنفسك فإن ذلك لا يرفعك»؛ ويختار من مقولات السيد المسيح «لا تدينوا لكي لا تدانوا»؛ ومن أحاديث الرسول محمد بن عبد الله يختار مقولة «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يؤذى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه».

إن هذه الافتتاحية في الحقيقة تعبر عن روح شبرا في ذلك العصر، هذا الحي الذي استوعب الجميع. هذه الفكرة الجميلة التي ينعيها نعيم صبري الآن قائلا:

«في هذا العالم الرحب يقع حي شبرا بمدينة القاهرة بمصر المحروسة بأقصى الشمال من القارة الافريقية المترامية، عند لقائها مع قارة آسيا، والبحرين الأبيض والأحمر.

حي محدود في مدينة تاريخية عريقة، لكنه يمتلك رحابة متميزة من نوع خاص، رحابة الصدر… يتحدثون الآن عن الآخر، وقبول الآخر، أي آخر. لم يكن الآخر ذو وجود من الأساس، لم يكن معنى مدركًا في الوعي الجمعي… لا يهم من تكون؛ من أي الأعراق… من أي الأديان؛ بأي لغة تتكلم. المهم أنك موجود، تعيش في حي شبرا آمنًا مطمئنًا. تولد تشب، تحب وتتزوج، تنجب الذرية، تربي الأبناء، يشب الأبناء ويعاودون الدورة، ثم ترحل في الأجل المحتوم».

وتكاد هذه الرواية أن تصبح سيرة شخصية للمؤلف، فهو في الحقيقة «شبراوي»، وفي خطوة أدبية جريئة غير معروفة في الرواية العربية، يرسم نعيم صبري «كروكي» – رسم تخطيطي – للبناية التي كان يعيش فيها.

ففي الدور الأرضي يسكن سعيد زياد «أبو مازن» الفلسطيني وأسرته، وبجانبه تسكن مدام أنوش الأرمنية وأسرتها، وفي الدور الأول شقة فهمي أفندي المصري، وبجانبه شقة مدام هيلينا اليونانية وأسرتها، وفي الدور الثاني شقة الست بطة وعائلتها القبطية، وكذلك بجانبها شقة الحاجة فريدة المصرية.

أما في الدور الثالث فتقع شقة ماري خوري وأبنائها وهي من أصل لبناني ماروني، وبجانبها شقة عايدة رزق الله القبطية، وتحتل شقة ستاسيا ونيكوس اليونانيين السطح وبجانبها مسكن عم سيد البواب وأسرته. هكذا شكلت هذه البناية تجمعًا إنسانيًا لشرق البحر المتوسط. هذا التجمع الذي ترك بصماته على الحياة الاجتماعية في شبرا، حتى على مستوى الحياة الاقتصادية، من خلال أسماء المحلات في شبرا، فضلا عن تزاوج اللغات التي تُكتَب بها لافتات هذه المحلات.

ويذكرنا نعيم صبري بمفهوم «المصرية» عندما كانت ثقافة أكثر منها عرقًا أو جنسًا. إذ يروي كيف احتفل سكان العمارة جميعًا بعيد شم النسيم «عيد الربيع» عند المصري القديم:

«استيقظ الجميع على رائحة البصل. شم النسيم، شم البصل في شم النسيم عادة مصرية طبعًا، قد تكون بعض الأجيال الجديدة قد تناستها أو أهملتها… اتفقت الجماعة على الذهاب في رحلة نيلية إلى القناطر الخيرية. الست بطة والحاجة فريدة وأم مازن وستاسيا والخالة فاطمة والأولاد. الست ماري خوري لا تحب الزحام وتفضل هي والست عايدة وسيلفيا وأسرتها الذهاب مبكرًا إلى أحد كازينوهات النيل، ثم العودة إلى البيت قبل الظهر للعب بارتيتة كونكان مع المتاح من الصديقات… نزلت الجماعة في القناطر وانطلقت تبحث عن بقعة ظليلة في الحدائق لتحط رحالها. أخرجوا الفسيخ والملوحة والرنجة والبيض الملون وتحلقوا جميعًا لتناول وجبة شم النسيم الشهيرة».

ويصل الحنين إلى الماضي الجميل ذروته عند نعيم صبري عندما يُنهي روايته بقصيدة شعر عنوانها أيضًا «شبرا»:

عنواني

شارع شبرا…

ولتتذكر

أن تكتب لي في الفرح وفي الأحزان

في شارع شبرا، كانت أيام

ومضت أيام

تتوالى في طيات الأعوام

وأكيد سوف تعود الأيام

***

لُولا بنتُ اليونان

باولو من روما، ساقي الحانْ

من أرمينيا، ألتونيانْ

صاحب أزهار البستانْ

عوني، من أرض الشامْ

الجَدةُ قالت لي

في كل مكان من أرجاء الدنيا

يوجد شارع شبرا

في كل مكان من أرجاء الوطن العربي

يوجد شارع شبرا

لا أدري ما سبب الفرحهْ

ورددت عليها مذهولا

شبرا!… دنيا!

واصلتُ اللَّعب مع الأقرانْ

لولا، يرغو، جابي، عوني

أيام تمضي… أيام

أحببت صديقي سامي من أرض الشامْ

لم أعرف ساعتها من سوريّا، يافا أو لبنانْ

وتزاملنا طيلة أعوام دراستنا

منذ اليوم الأول حيث الخوف من المجهول

وحتى الآنْ،

كنا نبكي غربة ذاك العالم

لا ترحلْ… فالغربة مثل السوطْ

تجلد فينا كل الأشياءْ

هل ترحل حقًا؟…

إن كان رحيلك محتومًا…

لا تنسَ

أن تكتب لي…

في فرحك أو في أحزانك

ولتتذكر

عنواني شارع شبرا،

حيفا،

لبنانْ