محمد عبد الحافظ ناصف يكتُب أحمد مجاهد يقرأ مسرح عبد الصبور سيميولوجيا   إن العلامة الأولى التى يتميز بها الشاعر العظيم، المجدد حقا، هى قدرته على تحويل المسار الذى قبله.

98

محمد عبد الحافظ ناصف يكتُب

أحمد مجاهد يقرأ مسرح عبد الصبور سيميولوجيا

 

إن العلامة الأولى التى يتميز بها الشاعر العظيم، المجدد حقا، هى قدرته على تحويل المسار الذى قبله. إنه يبدأ من حيث انتهى السابقون، لا ليسير فى الطريق الذى ساروا فيه، والذى لا يزال يمضى فيه معاصروه، بل يختط لنفسه طريقا جديدا وهذه المقولة الحاسمة للدكتور جابر عصفور فى كتابه «رؤيا حكيم محزون قراءات فى شعر صلاح عبد الصبور» «1» تنطبق على أى صاحب موهبة مجددة والأمر ينطبق بالطبع على صلاح عبد الصبور شاعرا ومسرحيا كبيرا ومختلفا ومضيفا لهذا الفن الذى للأسف يتراجع الآن كثيرا ومن الكتب المهمة جدا التى كشفت عن حجم تلك الموهبة وتفردها وتنوعها فى الكتابة المسرحية لصلاح عبد الصبور «مسرح صلاح عبد الصبور قراءة سيميولوجة» للدكتور أحمد مجاهد والصادر عن دار أطلس للنشر وفى طبعة جديدة لمكتبة الأسرة عام 2016.

ويتناول الكتاب مسرحيات صلاح عبد الصبور الخمس من منظور سيميولوجى كاشفا عن أسرارها ودلالاتها وأفكارها ورؤية الشاعر الكبير للعالم وللمجتمع وللسلطة وللمثقفين ولعامة الشعب من خلال شيئين أساسيين هما؛ أولا: الارشادات المسرحية الظاهرة التى يذكرها الكاتب المسرحى داخل نصه ليقول للمخرج بعضا من رؤيته لاخراج العمل وعلى المخرج أن يأخذ أو لا يأخذ بها وثانيا: من خلال الإشارات «السيميولوجيا» التى يكتشفها ويحللها د. مجاهد داخل النص وقدمها لنا خلال دراسته المتميزة لمسرح عبد الصبور والتى شملت عددا من الإشارات التى أضافها لسابقيه ممن أسسوا لهذا المنهج، فقد طبق د. مجاهد تلك الرؤية السيميولوجية على كل نص مسرحى على حدة، فأعطى عمقا فى تصورى لكل نص مسرحى وأعطاه فرصة للحياة مع كل مسرحية منفردة ليكشف لنا جواهرها وكل عناصرها ونقاط قوتها وما ميزها عن سابقيها وذلك فى تصورى أفضل كثيرا من التعامل بشكل عرضى مع كل النصوص مرة واحدة، لذا يتكون الكتاب من مقدمة وخمسة فصول؛ حمل كل فصل عنوانا يمثل الرؤية المركزية له فى المسرحية والمنطلق الذى استحوذ عليه كناقد، ففى الفصل الأول جاء العنوان عن التأويل فى مسرحية مأساة الحلاج وجاء عنوان الفصل الثانى عن الراوى الذى يصنع مسرحا فى مسرحية مسافر ليل وتناول الفصل الثالث شعرية خطاب الجسد فى مسرحية الأميرة تنتظر وتحدث عن الايديولوجيا فى مسرحية ليلى والمجنون وفى الفصل الخامس تناول الدائرة السبرنطيقية فى مسرحية بعد أن يموت الملك وجاء الكتاب فى جزأين فى طبعة مكتبة الأسرة سلسلة الأدب لعام 2016.

فنا المواجهة.. الشعر/ المسرح

يبدأ الناقد الدكتور أحمد مجاهد كتابه بعرض جدالية العلاقة بين الشعر والمسرح، مؤكدا أن لكل من الشعر والمسرح خطابه الخاص ومؤكدا تعامل الشعر مع الذات، حيث إنه خطاب لغوى يفيض بالغنائية والذاتية وأن المسرح خطاب موجه للآخر، فهو لغة الآخر التى تتوارى خلفها الذات ويحاول الكاتب المسرحى المواءمة بين الخطابين عبر التركيز على اللغة الأقرب للدراما مثل الطاقة الإشارية المجسدة للشخصيات والأحداث وتطويع تقنيات الشعر خاصة الإيقاع وفقا لمتطلبات المشهد وأرى أن الشعر والمسرح يشتركان فى خاصية المواجهة، فما كان الشعر قديما إلا لمواجهة الحياة بداية من مفرداتها ومعبرا عن خصائصها وعن همومها وأفراحها وأطراحها ومحمسا لها فى الحروب ومعبرا عن تاريخها ومستقبلها وكان الشاعر القديم مواجها للجمهور بصفة عامة ولم يكن المسرح ببعيد فى أوروبا عن دور الشاعر العربى الذى يواجه هو الآخر الجمهور.

جدالية النص والعرض المسرحى

وتناول د. مجاهد إشكالية العلاقة بين النص المسرحى المكتوب الذى يتصدى له المؤلف المسرحى والعرض الذى يتصدى له المخرج السرحى والذى يعتبر بمثابة نص/ عرض مسرحى جديد مؤلفه المخرج حين ينضوى النص المؤلف نفسه تحت إرادة المخرج ويصير من الأدوات المسرحية المتنوعة لمخرج العرض وأرى أن هذا الأمر لا يتم إلا بعد موافقة المؤلف المسرحى المتعاون الذى يطمح فى النهاية من الاستفادة من رؤية المخرج المسرحية لتقوية العرض. وأشار إلى الخلاف بين من يرى أن النص المسرحى قادر على تحقيق الجوهر الدرامى بمفردة دون أن يحتاج إلى إخراج على خشبة المسرح ومن يرى أن المخرج والممثل لن يتلقيا أوامر وسوف يتخليان عن ديكتاتورية المؤلف وأرى أن التعاون بين المؤلف والمخرج سوف ينتج عرضا مسرحيا رائعا بطاقتين إشاريتين رائعتين، أما إذا كان المؤلف هو ذاته المخرج فسوف يفقد حتما رؤية مضافة لجودة العرض فى النهاية، لذا أنا من أصحاب المدارس التى لا تحبذ أن يخرج المؤلف لنفسه والعكس وإنما يتعامل مع آخر خاصة أن الزمن الحالى اهتم بالتخصص إلى حد كبير، فضرورة الرؤيتين واجبة ومهمة فى تصورى ويشير الدكتور مجاهد إلى رؤية عبد الصبور فى تلك المنطقة وشوقه الكبير للتاريخ المسرحى القديم منذ اسخيلوس حتى شكسبير حين يقول: «قد أهملنا تقليدا جليلا وهو أن نكون كتابا ومسرحيين فى ذات الوقت، كما كان أسلافنا منذ اسخيلوس حتى شكسبير، وقد نتج عن تراخينا فى أداء واجبنا أن دخل إلى المسرح، ووقف بيننا وبين النص عديد من الوسطاء، أهمهم المخرج» ويؤكد د. مجاهد أن عبد الصبور قد حرص من خلال وجهة النظر هذه على القيام بنصف المهمة الاخراجية للعرض أو أكثر من خلال إرشادته المسرحية ومن خلال الاستخدام الدائم للحيل السيميولوجية التى تحيل اللغة إلى فعل مسرحى وتلك من وجهة نظرى مربط الفرس فى تلك الدراسة ومن الأدوات السيميولوجية التى ساعدت الدكتور مجاهد فى تقديم العديد من العلامات داخل النصوص المسرحية.

أدوات جديدة للتأشير

اعتمد الدكتور مجاهد على رؤية كير إيلام فى كتابه سيمياء المسرح والدراما كبداية خاصة بثلاث مجموعات « الضمائر – الظروف – أسماء الإشارة» وأضاف ثلاث مجموعات هى: أدوات النداء وأسماء الأعلام وأسماء الأماكن والأيام والشهور واستخدم أيضا الرسم الكتابى وعلامات الترقيم كإشارات عرض واضحة وصريحة لأدوات الممثل، كما كان لاستخدامه شخصيات الفقراء «عامة الشعب» وشخصيات الطبقة الوسطى دور مهم فى عملية التأشير للمفهوم الذى يريده الكاتب، فقد مثلت شخصيات طبقة البروليتاريا «الأحدب والأعرج والأبرص والصوفى» دور المدافع والمحامى عن الحلاج وهى نفسها القوة القاهرة التى تم تزيفها وترضى بالحكم الظالم الذى تريده السلطة وهى نفسها القوة التى تعترف بذنبها وتقرر أنها خدعت وقتلت الحلاج والغريب أن تلك القوة يتم تزييفها دائما بنفس المنطق ونفس الأدوات ونفس الأجواء وبمساعدة الشيلى صديقه الصوفى الذى أنكر شهادة الحق.

الواعظ: يا قوم، من قتل هذا الشيخ المصلوب؟

مقدم المجموعة: أحد الفقراء

الواعظ: هل تعرف من قتله؟

المجموعة: نحن القتلة

الواعظ: لكنكم فقراء مثله

وتأتى المجموعة الثانية «التاجر والواعظ والفلاح» التى تشير إلى الطبقة البرجوازية التى تمتلك أدوات الإنتاج والتى لا تراعى غير مصالحها الشخصية وساهمت بسلبيتها فى بيع ومن ثم قتل الحلاج بعد ذلك دون أدنى مشاعر حتى بالتعاطف معه كإنسان صلب.

الواعظ: «وحده على المسرح» باح…

بم باح، لكى تأخذه الشرطة؟

لا أدرى، وعلى كل، فالأيام غريبة

والعاقل من يتحرز فى كلماته

يعرض بالسوء

لنظام أو شخص أو وضع أو قانون أو قاض

أو والى أو محتسب أو حاكم

وهنا سقط الحلاج الصوفى وهو فى قمة زهوه حين ارتكب الخطأ التراجيدى وكما يؤكد الكاتب المسرحى عبد الكريم برشيد «إن الخطأ التراجيدى عند الصوفى يكمن فى اعتقاده بوحدة الوجود التى تلبس الفرد صفة الألوهية وتجعله ينسلخ عن إنسانيته التى هى شرط أساسى لكل تغير، فالصوفى يسقط لأنه يريد أن يغير واقعه ويقفز فوقه».

واستخدم د. مجاهد أدوات أخرى للتأشير فى نص مسافر ليل مثل ديكور العرض وملابس واكسسوارات الممثلين وعربة القطار والصوت والضوء والايقاع المصاحب لدخول بعض الشخصيات مثل شخصية عامل التذاكر وتم ذلك فى المسرحية قبل آلية التصدير الضوئى، كما نرى أقوى أدوات للتأشير اللغوى حين سأل الراكب عامل التذاكر.

الراكب: معذرة.. من أنت؟

ويؤكد د. مجاهد أن الرد يأتى قاطعا بالايجاب المدعم بأقوى أدوات التأشير اللغوى فى المسرح «هنا والآن» بل وجاء مشفوعا بالأدلة التاريخية الثلاثية التى تحمل فى طياتها معنى التهديد الصريح.

عامل التذاكر: أنا الأسكندر

فى صغرى روضت المهر الجامح

فى ميعة عمرى روضت أرسطاليس

حين بلغت شبابى روضت العالم

ونجد هنا الدور الدرامى السيميولوجى للشعر فى هذا المقطع ويحقق عبد الصبور كلام ت إس أليوت حين يؤكد قائلا: «إن الشعر ليس مجرد صياغة قوالب، أو زخرف إضافى، بل يزيد من حدة المسرحية» وهنا يصل الصراع بين الشخصيتين لأقصى مدى.

ويعطى الكتاب عناية كبيرة بتحليل التأشير لمسرحية مأساة الحلاج مستخدما النموذج الذى نشره «سوريو» فى كتابه «200000 موقف درامى» حيث يعين ستة عناصر أكد أنها تنطبق على الدراما فى جميع الحقب وجميع الأنواع وقد أطلق عليها أسماء فلكية حية مثل الأسد والأرض والشمس والمريخ والميزان والقمر « وتشير مأساة الحلاج كنص مسرحى إلى قتلى وسجناء الرأى فى كل أوان؛ الحلاج، السهروردى، الجعد بن درهم، أحمد بن حنبل وآخرون يعلمهم الله ولا تعلمونهم ولعل مناقشة وعرض ذلك يأتى متوافقا مع قضايا الرأى وحبس الخيال الآن رغم أن الرد على الفكر بالفكر والرأى بالرأى أفضل مئات المرات من الحبس والقتل، فالأفكار لها أجنحة تطير بها من وراء جدارن السجن ولها قدرة على استخدام نصل السيف الذى تقتل به كقلم تكتب به ما تريد وفق هواها دون أن تعطى الآخر فرصة للنقاش والتصويب والتعديل فى حالة الخطأ وفى النهاية أعتقد أن هذا الكتاب من الكتب التى تفتتح الباب واسعا لفهم نصوص صلاح عبد الصبور المسرحية وتؤكد قدرته الكبيرة والفائقة فى عالم المسرح الشعرى واضافته الكبيرة لمن سبقوه ومدرسته التى وضعها وسار على نهجهها عدد ممن يكتبون المسرحية الشعرية رغم ندرتهم فى تصورى وقلة اهتمام خشبات المسرح بهذا النوع الراقى من المسرح وأرى أن الدكتور أحمد مجاهد قد أعطى كثيرا من حق الكاتب المسرحى صلاح عبد الصبور وتركنا فى حيرة لاعادة تصنيفه.. أهو مسرحى كبير مضيفا للمسرح الشعرى أم شاعر كبير مؤسس لتيار جديد فى الشعر؟ أعتقد انها نفس الحيرة التى وجدها محبو ت اس أليوت فى تصنيفه ويبقى اختيار كل قارئ وتذوقه هو الفيصل ويبقى الإبداع على كل حال.

98