أميرة سيد مكاوى تكتُب زكريا أحمد.. المحافظ المتجدد     من الصعب أن تمرّ على تاريخ الموسيقى والغناء فى مصر، دون أن تتوقف بالكثير من التأمل والإعجاب، أمام الشيخ زكريا

9999

أميرة سيد مكاوى تكتُب

زكريا أحمد.. المحافظ المتجدد

 

 

من الصعب أن تمرّ على تاريخ الموسيقى والغناء فى مصر، دون أن تتوقف بالكثير من التأمل والإعجاب، أمام الشيخ زكريا أحمد، أحد أكابر الموسيقى العربية وأكثرهم حفاظًا على أصالتها، فى نهايات القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين.

يطلّ الشيخ زكريا أحمد من بين كوكبة من الملحنين الكبار والمجددين الأُوَل لشكل الغناء واللحن الشرقى بقامة عالية وتمَكُن لا تستطيع إنكاره، وعمق وتجديد محافظ على الهوية الشرقية، لا يغيب عنها ولا يحيد، محافظا على استخدام الآلات الشرقية فى موسيقاه، ومحتفظا بالطابع الشرقى الأصيل، الذى أصرّ عليه فى جميع ما قدّم، حتى مع موجة العالمية التى نزع إليها ملحنون آخرون فى نفس الحقبة الزمنية.

ولد الشيخ زكريا أحمد فى عام 1896 لأب مصري، من قبيلة مرزبان بالفيوم.

السيد أحمد صقر، الرجل الذى رأى السيدة زينب فى منامه فآمنت أسرته أن تلك إشارة لوجوب ارتحال الفتى الصغير إلى القاهرة، ليتعلّم فى الأزهر الشريف، تزوّج السيدة فاطمة، المنحدرة من أسرة تركية، ورزقهما الله بزكريا بعد واحد وعشرين طفلا مات منهم الذكور، ولم يبق إلا الإناث وزكريا، الذى تربت آذانه على الموشحات المصرية التى يعشقها والده، والأغانى التركية التى تحفظها الأم.

وحظى زكريا الطفل الصغير برعاية من والده حبا فيه وخوفا عليه من الفقد، فأرسله إلى كُتّاب الشيخ نكلة، الذى لم يستطع زكريا أن يصمد فيه طويلا، لما لقيه من معاملة تتسم بالقسوة، وهو ما كان ليقبله على نفسه رغم سنه الصغيرة التى لم تتجاوز السنوات الأربع.

أرسله والده بعدها إلى الأزهر الشريف الذى لم يستطع زكريا أن يصمد فيه أكثر من سنوات سبع. لم يقو الأزهر فيها على كسر شوكة كبريائه ودلاله، فخرج منه مطرودا لأنه تعدّى بالضرب على أحد المشايخ.

ألحقه والده بعدها بمدرسة ماهر باشا فى القلعة، ثم مدرسة الحيالى يوسف، ثم مدرسة خليل أغا، ولم تكن الحال فى تلك المدارس تختلف كثيرا عن الأزهر الشريف، فزكريا كان كثير الشغب، قليل الاهتمام بالتعليم، يغنّى ليل نهار، منجذبا لحضور الموالد والاذكار، يذهب إلى السرادقات لسماع المقرئين والمبتهلين، ولا تستهويه دراسة سوى الموسيقى، حتى بلغ به الحد أنه كان يقرأ كتب الموسيقى ويخفيها فى أغلفة كتب جادة، مثل ألفية ابن مالك، حتى لا يُكتَشَف ولعه وشغفه بالفن.

مراهقة الشيخ زكريا اصطبغت بالصخب، فقد وصل الخصام مع والده المعارض لشغفه بالفن، واهتمامه به، إلى أن ترك زكريا البيت هاربا متنقلا بين بيوت الأقارب والأصدقاء، كى لا يعثر عليه والده، لكن الأقدار شاءت أن يلتقيا من جديد، ويصرّ زكريا على رغبته فى تعلّم الموسيقى والعمل مقرئا، ويصرّ والده على الرفض، وتدفع الأم ثمن تعاطفها مع ولدها الوحيد، بالطرد من البيت، ويتزوج أحمد صدقى بأخرى، أذاقت الشيخ زكريا من الكراهية ما لم يكن يحتمل!

مع تفاقم الخلافات، نجحت الوساطات فى إقناع الأب بأن مهنة المقرئ ليس بها ما يُشين، وسرعان ما تلقف الشيخ زكريا أحمد الفرصة، بعد أن عهد أبوه إلى الشيخ درويش الحريرى مهمة تعليمه وتحفيظه القرآن الكريم، ثم التحق بعدها ببطانة الشيخ على محمود، الذى تعلم منه الشيخ زكريا الأذان والتجويد، ثم التحق ببطانة الشيخ إسماعيل سكر، فذاع صيته وبدأ نجمه فى الصعود.

قبل أن يكمل عامه العشرين، التقى الشيخ زكريا أحمد بالشيخ سيد درويش والسيدة أم كلثوم، ليبدأ مشواره فى التبدل.

التقى أم كلثوم فى مدينة السنبلاوين، وافتتن بصوتها الساحر، وفى نفس الجلسة أهدى لها موشّحا وطقطوقة. ويقول فى مذكراته عن لقائهما «ومنذ تلك الليلة وأنا أصم لا أسمع إلا صوتها، أبكم لا أتحدث إلا باسمها، فقد أصبحت مفتونا بها، لأنى أحببتها حب الفنان للحن الخالد».

التقى الشيخان سيد درويش وزكريا، وسرعان ما توطدت صداقتهما، لدرجة أن عمل الشيخ زكريا فى فرقة سيد درويش.

كان زكريا شديد الإعجاب بفن الشيخ درويش، خصوصا ما يقدّمه فى المسرح الغنائي، الذى ورث عنه زعامته، كما ورث الشركة الفنية مع بيرم التونسي.

قدم الشيخ زكريا ألحان 53 مسرحية، قدّم فيها ما يقرب من 600 لحن، لكن يجب أن نتوقف هنا بكثير من الإجلال والتقدير، ونلاحظ أن معظم ما قدمه للمسرح الغنائى كان بعد وفاة سيد درويش.

فى الفترة ما بين 1904 إلى 1934، ظهرت فى مصر تكنولوجيا جديدة أثرت فى مجال الموسيقى العربية بالتأكيد، هى الجرامافون، الذى حلّ محل الحفلات والمسارح، وظهر أول فيلم سينمائى مصرى سنة 1927، وأول فيلم غنائى 1932، وتأسست الإذاعة المصرية عام 1934.

وظهور تلك الاختراعات كان يستلزم بالضرورة بعض التطوير فى أشكال القوالب الموسيقية، فأجبر الفونوغراف – على سبيل المثال – الأغانى على أن تكون قصيرة، كما أن السينما الغنائية تطلبت وجود شكل جديد من الغناء القصير الذى يتنوع ما بين الدور والطقطوقة.

وهنا يجب أن نمحو عن الشيخ زكريا أحمد تهمة طالما طالته، وهى الجمود الموسيقي، الذى لا يمكن بأى حال أن يكون حقيقة، فقد أدخل الشيخ الكثير من التطوير على فن الطقطوقة والدور، وبدا هذا جليا فى ما قدمه من ألحان لأفلام أم كلثوم.

وكما برع الشيخ زكريا فى تلحين الغناء التعبيرى المسرحي، والأغانى القصيرة أو الطقاطيق فى السينما، برع وأجاد وقدّم مجموعة أغانٍ طويلة، تغنّت بمعظمها سيدة الغناء العربى أم كلثوم، وعليك فقط أن تعود إلى مجموعة ألحانه مثل «حبيبى يسعد أوقاته – أهل الهوى – أنا فى انتظارك – الأمل – الآهات» إلى آخر ما شدت به من ألحانه هو صحيح الهوى غلاب، لتتعرّف ملحنا قديرا مغرقا فى الشرقية، محافظا على الهوية، وفى نفس الوقت لا تطاله الرتابة ولم يخطفه التغريب.

شدا الشيخ زكريا أحمد ببعض من ألحانه بصوته الأجش، الذى أجاد استخدام طبقاته وقدّمها بشكل يختلف عن مغنّيه الأصلي، مثل الورد جميل و«يا صلاة الزين» و«أهل الهوى».

توفّى الشيخ زكريا أحمد عام 1961، تاركا إرثا من الألحان المغرقة فى الشرقية والبساطة والتفرد، ومدرسة اتّبعها من بعده المحافظون على الهوية الشرقية فى الموسيقى.

9999