باحثٌ أكبر من الحياة   بقلم : أحمد شوقي   قبل لحظات كان الكل منشغلا فيما يهمه، السعيد بحادث شخصى والناقم على مديره، المنخرط فى السياسة والباحث عن نكات مضحكة،

15002453_1148391578571389_6510587132172852644_o

باحثٌ أكبر من الحياة

 

بقلم :

أحمد شوقي

 

قبل لحظات كان الكل منشغلا فيما يهمه، السعيد بحادث شخصى والناقم على مديره، المنخرط فى السياسة والباحث عن نكات مضحكة، المترقب لمباراة المنتخب والمستمر فى مناقشة تبعات انتخاب ترامب. كان مجرد يوم آخر من أيام القاهرة حتى جاء الخبر التعيس ليتغير العالم. فى غضون لحظات توقف كل شيء، هدأت هذه الموجات المتضاربة من المشاعر والأفكار لتصب فى مجرى واحدٍ حزين: القاهرة ومصر بل العالم العربى أجمعه ينعى محمود عبد العزيز.

آلاف العبارات الرثائية، بعضها مصاغ بإحكام والبعض الآخر متوتر مبتور بفعل الصدمة. صور ومقاطع فيديو واسترجاع لأفلام ومسلسلات وشخصيات حفرها الساحر فى قلوبنا. فتاة تكتب بسماجة المراهقة (بوست مش عن محمود عبد العزيز) دون أن تعى أن ما كتبته هو الآخر عن محمود عبد العزيز، عن هذه الموجة الدافقة من الحزن التى جعلت صوتا وحيدا وسط الملايين لا يرثى الغائب يمنح صاحبته شعورا بالاختلاف.

وإذا كان الدعاء الشائع هو أن يحسن الله خواتيمنا، فلا أجد أحسن من خاتمة كهذه. أن يكون موتك حدثا جللا تتوقف فيه الأرض عن الدوران، تنقطع فيه أفكار ومشاعر جيوش من البشر فلا يبقى منها سوى الأسى عليك، سوى تذكر لحظة خاصة عاشها كل منهم مع الشيخ حسنى ورأفت الهجان وعبد الملك زرزور  وعشرات الشخصيات التى نفخ فيها الساحر من روحه وتلبس روحها.

من هو الممثل إلا باحث عن الحياة وما بعدها؟ باحث عن الحياة فى شخوص يجسدهم فيعيش مرتين وثلاث ومائة، يصير الشيخ الأعمى الحالم والنصاب الذى يتحوّل بطلا قوميا والمنجّد الذى يبيع فصا من مخه والصحفى الذى تنقلب زوجته رجلا ومأمور المعتقل صاحب القلب الحجرى مع مساجينه الهش مع أسرته، يضع ألف وجه ويجرب كل الأحاسيس الممكنة وغير الممكنة أحيانا.

http://www.parlmany.com/images/Uploads/2016/11/13/29260-%D8%A3%D8%AD%D8%AF-%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%85%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B2%D9%8A%D8%B2.jpg

هو باحث عن الحياة فى عيون تشتعل فرحا عندما تراه، فى ملايين كان مصدرا لضحكتهم وشريكا لأساهم، فى مئات الصور التى وضعها أصحابها على حساباتهم فى ظرف دقائق، فى اعتراف جماعى بأن هذا الرجل كانت صحبته حدثا يستحق التوثيق. صحفيون وممثلون ومخرجون ومشاهدون جميعهم أرادوا الإمساك بلحظة الوجود فى حضرته. ولنا أن نتخيل كم وجه قد أشرق وكم ابتسامة قد رُسمت بفضله خلال أربعين عاما ظل خلالها فى الصدارة متربعا على عرش القلوب.

الممثل أيضا هو باحث عما بعد الحياة، عن الخلود، عن سيرة تبقى وحضور لا يخفت ولو فارق صاحبه الحياة. تاركوفسكى وصف السينما بأنها نحت فى الزمن، استيلاء على بضع لحظات تظل إلى الأبد ملكا لصاحبها. على هذا الصعيد نحت محمود من اللحظات ما يكفيه للبقاء حتى أبد الآبدين. وإذا كان سر اللعبة هو الصدق فى الضحكة والدمعة على حد سواء، فإنه من الصعب العثور على من يجارى محمود عبد العزيز فى هذه اللعبة.

كان من الممكن أن نتحدث فى هذه السطور التى كُتبت بعد ساعات معدودة من الرحيل عن مسيرته المبهرة فى السينما والمسرح والتليفزيون، أو عن اختياراته الملونة بألوان الطيف من الرومانسية إلى كوميديا الفارص، أو نتعرض لموهبته التى ظلت أربعة عقود غير مروضة، وحشية فيما قد تسفر عنه فى أى لحظة خارج التوقعات، على النقيض من الأداء الاحترافى المنضبط لنور الشريف، والتقمصى المتماهى لأحمد زكي. كان بالإمكان أن نتكلم عن عشرات الموضوعات النابعة من حياة بألف حياة عاشها طولا وعرضا.

غير أنه من ضمن ميزات الخلود هو تأكدك أن الحديث لا بد أن يأخذك مرات ومرات لكل هذه الأمور، أما الفرادة والآنية فهى رصد لحظة الوداع المبهرة، لحظة إجماع الملايين على أنه لا شيء فى العالم يهم الآن سوى توديع ساحرنا. لحظة كهذه يحلم بها الزعماء والقادة والرياضيون والشهداء وكثيرون غيرهم، لكن لا ينالها حقا إلا قلة من بنى البشر، قلة نجحت فى أن تكون أكبر من كل شيء، أكبر من الخلافات السياسية والمذهبية والفنية ومن أى مصدر للشقاق، فمن يتوقف العالم لوداعه هو بالقطع رجل أكبر من الحياة ذاتها. رجل يدعى محمود عبد العزيز.

محمود عبد العزيز