محمود عبد العزيز.. خلطة الساحر بقلم: أسامة عبد الفتاح     عندما أطل “عبد الملك زرزور” من عليائه، مكتمل الهيئة والهيبة، بلحيته البيضاء وقلنسوته الصوفية، ممسكا بسلاحه الآلي، مطلقًا صيحته

_92416969_14915321_1458794607482092_4828579445607924457_n

محمود عبد العزيز.. خلطة الساحر

أسامة عبد الفتاح

بقلم:

أسامة عبد الفتاح

 

 

عندما أطل “عبد الملك زرزور” من عليائه، مكتمل الهيئة والهيبة، بلحيته البيضاء وقلنسوته الصوفية، ممسكا بسلاحه الآلي، مطلقًا صيحته الشهيرة “حد ليه شوق في حاجة” في فيلم “إبراهيم الأبيض” (2009)، كان وضع محمود عبد العزيز قد استقر تماما في قلوب وعقول المشاهدين – من كافة الفئات والأطياف والأعمار – كصانع وجدان من الطراز الأول، بعد أن اجتاز بنجاح مراحل الممثل والممثل الكبير.. وبقى السؤال: كيف صعد إلى قمة هذا الجبل من نفترض أنه لا يملك سبل وأدوات الصعود؟ ومن كنا نتصور أن وسامته، وبداياته، لا تؤهله سوى للبقاء على السفح، مكتفيًا بأدوار العاشق الرومانسي أو “الجيجولوه” الانتهازي؟
قبل 18 عامًا من هذا التاريخ، كان قد أعطانا الإجابة، كان قد بدأ رحلة الصعود، كان قد أتم تغيير جلده ليحول” الشيخ حسني” إلى أسطورة من لحم ودم على الشاشة في “الكيت كات” (1991)، لكن لم يتلق أحد الرسالة، وأجبرته ظروف السوق وقصر نظر القائمين عليها على أن يعود لتقديم أفلام وأدوار لا تعكس موهبته الفريدة، ولا تتناسب مع المرحلة التي كان قد وصل إليها، ليظل “الشيخ حسنى” قابعًا داخله وداخل عشاقه إلى أن انفجر محدثًا قنبلة “عبد الملك زرزور”.

 

15027576_1190410234329549_1744822794891202962_n

وقبل نحو 18 عامًا أخرى، كان قد عرف بدايته الحقيقية على الشاشة الكبيرة في “الحفيد” (1974): شابا وسيما قد تتوقف عنده العين لكن لا يتوقف القلب أو العقل.. الآن، بعد رحيله الحزين مساء السبت الماضي عن 70 عامًا، أضع الصور الثلاث إلى جوار بعضها البعض وأتساءل: كيف تحول “جلال” إلى “الشيخ حسني”؟ وكيف أصبح “الشيخ حسني” “عبد الملك زرزور”؟
ليست المسألة مجرد مهارة ممثل، ولكنها قدرة على تحدي ومجابهة الذات والظروف والسوق الجاهلة المستغلة، فمن أين جاءته هذه القدرة؟ وكيف تحققت تحولاته بهذه السلاسة وبتلك النعومة؟
يمثل محمود عبد العزيز خلطة ساحرة ربما كانت السبب الحقيقي في تسميته بـ”الساحر”، وليس فقط فيلمه الشهير مع الراحل رضوان الكاشف (2001)، فهو الوسيم، “السمارت”، الجدع، ابن البلد، الأفندي، المعلم، الساخر، المرح، الحزين، في آن واحد. يمكنه أن يعشق برومانسية، ويمكنه أن يكون قاتلا مخيفًا أو شريرًا مختلًا. قادر على تفجير الضحكات دون تشوه خلْقي أو خُلُقي، وقادر على إسالة الدموع دون نعيق أو نحيب. هو ابن البلد دون جلباب، والباشا دون سيجار، والنذل دون حاجب مرفوع. خليط مدهش لا يخضع لأي تصنيف أو قولبة، وكيمياء ناجحة لا يعرف أحد سرها، وتركيبة مصرية صميمة وأصيلة لا يمكن أن تتشكل سوى من طين هذا البلد.
لكن، هل تكفى هذه الإجابة؟ بالطبع لا. من المؤكد أن الإجابة الحقيقية تكمن في تلك الفاتنة الراقدة بدلال في حضن البحر، الإسكندرية التي لا تعرف حدودًا سوى الأفق.. هو ابن الأمواج، وتعلم منها كيف يهدر ويهمس، كيف يثور ويهدأ، وكيف يغضب ويحنو، وهو ابن المدنية الكوزموبوليتانية التي لا تعرف أعراقًا أو أجناسًا أو أديانًا، وتصهر الجميع في بوتقة الحضارة والفن والجمال التي علمت العالم التعايش والتسامح والسمو عن الصغائر.
هو أيضًا ابن قصور ثقافة الإسكندرية، حين كانت – في ستينيات القرن الماضي – حضَّانة حقيقية للمواهب والأحلام، ومزرعة منتجة للفنانين والمثقفين.. تشكل وعيه في فورة وذروة حلم مصر عبد الناصر القومي، حين كانت مختلف المجالات الفنية والثقافية منهمكة في رسم ملامح مصر الجديدة الحرة.
وعندما بدأ مشواره في أوائل السبعينيات، اكتمل الحلم بانتصار أكتوبر 1973، فسعد به وشارك في التعبير عنه (“حتى آخر العمر” – 1975)، لكن سرعان ما تم تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي، بكل ما رافقه من فساد سياسي واقتصادي واجتماعي، لينتفض محمود عبد العزيز مع غيره من الفنانين والمثقفين الحقيقيين ويدين تضخم ثروات القطط السمان، واتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء، والتلاعب بأقوات الناس في أفلام مثل ” السادة المرتشون” (1983).
واللافت أن اشتراكه – بقوة – في سينما الثمانينيات الواقعية بأفلام صارت من علامات تلك الفترة ومن علامات السينما المصرية بشكل عام – مثل “بيت القاصرات” (1984)، و”الصعاليك” (1985) و”البريء” (1986)، و”يا عزيزي كلنا لصوص” (1989) – لم يمنعه من المشاركة في العديد من النوعيات الأخرى شديدة الاختلاف والتباين، من الأعمال التجارية البحتة، مثل “البنات عايزة إيه” (1980)، و”وكالة البلح” (1982)، و”تزوير في أوراق رسمية” (1984)، إلى الأفلام التي جعلتها خصوصيتها من الكلاسيكيات رغم صبغتها التجارية، مثل “العار” (1982)، و”الكيف” (1985)، و”جري الوحوش” (1987)، إلى أفلام الجاسوسية (“إعدام ميت” – 1985 و”فخ الجواسيس” – 1992)، إلى الفانتازيا في أفلام مثل “السادة الرجال” (1987)، و”سمك لبن تمر هندي” (1988)، و”سيداتي آنساتي” (1989).
ويؤكد ذلك قدرته الكبيرة، غير العادية في الحقيقة، على التنوع والتلوّن رغم ملامحه التي كان من الممكن أن تسجنه – كما أسلفت – في أدوار محددة ومحدودة، بما يتجاوز إتقان حرفة التمثيل إلى امتلاك ثقافة واسعة ومرونة فنية قل أن يتمتع بهما ممثل آخر.. وأكثر ما يعكس ذلك – في رأيي – هو خوض تجربة الفانتازيا مع الكبير الراحل رأفت الميهي، بعد أن كان محمود عبد العزيز قد حقق النجومية والجماهيرية في النصف الثاني من الثمانينيات، وكان لديه ما يفترض أن يخشى خسارته إذا أقدم على هذا التحول الكبير من الأفلام والأدوار الكلاسيكية – بكل أنواعها – إلى نوع مختلف تمامًا وغير مأمون العواقب، لكنه امتلك الجرأة الكافية وخاض التجربة وكسب الرهان، وحقق النجاح الذي اعتاد أن يحققه في معظم ما قام به في حياته.
ورغم هذا النجاح، فقد تعرض كثير من الأفلام الجيدة، بل الممتازة، التي قام ببطولتها، للظلم، سواء في التقييم النقدي، أو في التوزيع وظروف العرض السينمائي، مما أعاقها عن تحقيق الشهرة والنجاح الجماهيري اللذين كان من المفترض أن تحققهما، مثل “إكس علامة معناها الخطأ” (1980)، وهو تجربة مختلفة للمخرج سمير نوار، الذي كان عائدًا من الخارج وقتها وكان يتبع أسلوبًا خاصًا وجديدًا في الإخراج، و”المعتوه” (1982) للمخرج الكبير الراحل كمال عطية، و”فقراء لا يدخلون الجنة” (1984) للمخرج الراحل مدحت السباعي، والفيلم المتميز جدًا “الحدق يفهم” للراحل أحمد فؤاد، والذي كان من أوائل الأعمال الفنية التي نبهت لخطورة الاتجار بالدين والنصابين الذين يعيّنون أنفسهم وكلاء لله على الأرض، و”القبطان” (1997) لسيد سعيد، و”هارمونيكا” لفخر الدين نجيدة عام 1998.
ويوضح ذلك كله كيف كان محمود عبد العزيز داعمًا للتجارب الجادة المختلفة، سواء من المخرجين الراسخين أو من المخرجين الجدد الذين وقف إلى جوار العديد منهم في أفلامهم الأولى ولم يخش على نجوميته وجماهيريته من مغامرة العمل معهم.
وكما عرف النجاح في السينما، فقد حققه في المسرح في أعمال مثل “خشب الورد” (1986)، والأهم: في التليفزيون، في العديد من المسلسلات، خاصة المسلسل الجميل “البشاير” (1988)، للمخرج سمير سيف، والذي أدى فيه باقتدار دور الفلاح الأريب، وملحمة “رأفت الهجان”، التي قدمها المخرج الراحل يحيى العلمي في ثلاثة أجزاء بدءًا من 1987، والتي كانت من أهم الأعمال التي أكدت مكانة محمود عبد العزيز كصانع وجدان، حيث تماهى المشاهدون مع شخصية البطل الوطني التي أداها بمهارة وحميمية عبر العديد من المراحل، وصارت تعبيراتها و”لزماتها” وحركاتها جزءًا لا يتجزأ من وجدان وذكريات المصريين، تمامًا كما صار الممثل القدير الذي أداها، وسيظل، جزءًا من حياتهم لا يغيِّبه أي موت.