محمود عبد العزيز.. رحيل القبطان ”زوربا” المصرى   بقلم : صلاح هاشم     هل تصنع الأفلام فى غرفة المونتاج وأن أهم عامل من عوامل نجاح فيلم ما هو مونتاجه،

8877

محمود عبد العزيز.. رحيل القبطان ”زوربا” المصرى

 

بقلم :

صلاح هاشم

 

 

هل تصنع الأفلام فى غرفة المونتاج وأن أهم عامل من عوامل نجاح فيلم ما هو مونتاجه، كما كان المخرج الايطالى الكبير أنطونيونى صاحب فيلم “الخسوف“ و“الصحراء الحمراء“ و“المغامرة“ يحب أن يردد..

أما أن “الممثل “ هو وحده الذى يصنع عظمة الفيلم، كما كان يقول المخرج الأمريكى العظيم دافيد جريفيث صاحب فيلم “ ميلاد أمة” الذى أسس لفن السينما لغته وأجروميته، وكذلك المخرج الأمريكى الكبير أورسون ويلز صاحب فيلم “ المواطن كين“.

15036384_1190409774329595_7582104032109767732_n

أيقونة لكل العصور

وعلى اعتبار أن الممثل هو الذى يحقق للفيلم تألقه وتوهجه ونجاحه، عندما يبرز فيه الممثل بطل الفيلم، ويشمخ بتمثيله، فيجعلنا نتعاطف مع الشخصية التى يلعبها، ونتماهى معها، حتى نكاد نستشعر لفح أنفاسها- أنفاسه – فى وجوهنا..

كما فعل بنا الفنان الممثل القدير محمود عبد العزيز عندما جسد شخصية البطل فى فيلم “ القبطان “ لسيد سعيد، وكما لخص فلسفة الشعب المصرى فى اشتهاء التهام الحياة ..

من خلال شخصية “الشيخ حسنى “ – زوربا المصرى كما أحب أن أسميه- التى جسدها محمود عبد العزيز على الشاشة باقتدار رائع وصعد بها الى قمم عالية، جعلت منه “ أيقونة “ من أيقونات السينما المصرية، ولكل العصور ..

حزنت كثيرا جدا عندما بلغنى نبأ رحيل الفنان الكبير محمود عبد العزيز الذى أعتبره “علامة“ من علامات التمثيل فى “ السينما المصرية الواقعية الجديدة” التى كان يصنعها فى مصر جيل الستينات الذى أنتمى اليه من المخرجين الشبان الجدد من أمثال عاطف الطيب- ويحضرنى الآن محمود عبد العزيز بتمثيله شخصية مركبة فى دور ضابط السجن فى فيلم “ البريء “ لعاطف الطيب ..

وعلى بدرخان- الذى اضطلع محمود عبد العزيز بدور البطولة فى فيلمه البديع “الجوع“ المأخوذ عن رواية لنجيب محفوظ..

وداود عبد السيد الذى حضر محمود عبد العزيز فى فيلمه “الصعاليك“ الى جانب نور الشريف، وربما كان محمود- بالتواطؤ طبعا مع مخرج الفيلم داود عبد السيد دون وعى – يؤسس فى هذا الفيلم أو يضع “ بذرة “ شخصية الشيخ حسنى الأعمى الكفيف، التى لعبها فيما بعد فى فيلم “ الكيت كات “، ويرسم بعضا من ملامحها فى صورة الولد الصعلوك الضائع الصايع الشقي..

وكان من الطبيعى أن يمضى الكثير من الوقت، وتتغير ظروف مصر بلدنا، قبل أن تنضج شخصية الشيخ حسنى وتكتمل، لتكون معبرة عن”فلسفة حياة“ كاملة لشعب مصرى عريق، وأن يعبر محمود عبد العزيز، من خلال كل تلك الشخصيات الكوميدية والدرامية التى لعبها فى سلسلة من الأفلام..

يعبر تلك المسافة الزمنية التى تفصل بين الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التى صنعت الولد الصعلوك الشقى فى فيلم “ الصعاليك”، والظروف الاجتماعية – خلال فترة الانفتاح الاقتصادي- المغايرة التى خلقت شخصية الفيلسوف الأعمى الكفيف الحكيم الشيخ حسنى فى فيلم “ الكيت كات “ وحققت لمحمود عبد العزيز نجوميته، وجعلت منه بطلا شعبيا يصعد الينا من قلب الحارات الشعبية فى بر مصر العامرة بالخلق والناس الطيبين..

شاعرية تسخر من مأساة الواقع

ليس “الكيت كات “ فيلما – هكذا كتبت تحت عنوان “شاعرية تسخر من مأساة الواقع“  بعدما شاهدت الفيلم الذى صنع مجد “ القبطان“ محمود عبد العزيز – إنه أكبر من ذلك بكثير ..

إنه “ شمس “ تطلع على مصر، بعد أن كنا فقدنا الأمل فى أن تخرج أمنا الكبرى من محنتها بعد كوارث الانفتاح فى نهاية النفق المظلم حتى قال البعض وهو يضرب كفا بكف : “ خلاص، لا سينما ولا يحزنون، عليها العوض “، ثم فجأة يطلع علينا داود عبد السيد المخرج المصرى الكبير برائعته السينمائية هذه، فإذا بها بمثابة “عودة الروح “ للسينما المصرية ..

ليس “الكيت كات “ فيلما، إنه “ قصيدة سينمائية “ باهرة مطرزة بالحنين، إذ يصور الفيلم الحياة فى حى شعبى بالقرب من إمبابة، فيدلف بنا الى “ ألفة “ مصر المتوهجة بحب الحياة والبشر، بإحباطات كل يوم ومشاكل النهار والليل، ويجعلنا نعيش مع كفيف يحتال على العميان، ويركب الموتوسيكلات فى الحوارى ويعشق السينما، ثم اذا بهذا الكفيف الموسيقار العازف، الشيخ حسني، وكأنه أحد فلاسفة وحكماء عصر ولى، يحقق لنا فى الحياة وهو فاقد البصر، ما لا نستطيع نحن المبصرون أن نحققه..

إنه ببساطة “ درس “ فى السينما المرتبطة بواقع مصر، ومنجز بحرفية متأنقة يتمتع بها مخرج سينمائى قدير، استطاع أن ينطلق من واقعية أستاذه صلاح أبو سيف، ليطورها ويعمل فيها عمله مثل السحر، محطما ذلك الجمود الكلاسيكى الواقعى الصلب الذى تميز به عمله الأخير “ المواطن مصرى “، لكى يطل بنا بفيلمه هذا “ الكيت كات “ ..

على سحر الحياة، وسحر “ الروح “ “ المصرية التى تضحك فى قلب المأساة، وتفلسف وجودها بإنسانية عميقة، تعانق فيها كل الموجودات والكائنات، لكى تصل مباشرة وببساطة الى القلب.. “ ..

ولولا وجود هذا القبطان الممثل الساحر محمود عبد العزيز فى دور الشيخ حسنى – أو “زوربا المصري” كما أحب أن أسميه – لما كان لتلك الروح المصرية المتوثبة الجبارة التى تولد مثل العنقاء فى قلب دراما ومآسى الحياة الكبرى- عصر الانفتاح “ الساداتى “ المدمر وويلاته- أن تنهض من عثرتها و كبوتها، لتجدد فينا الأمل فى اشتهاء التهام الحياة فى “ بر مصر “ من جديد.