“محمود عبد العزيز”.. الأشجار تموت واقفة !   بقلم : مجدى الطيب   لم يتخل عن روح المغامرة وواصل «التجريب» ودعم الشباب .. ولم يُصب بأمراض النجومية   عرفت

15027776_1190422047661701_4915184428243385972_n

 

“محمود عبد العزيز”.. الأشجار تموت واقفة !

 

sora-magdy-el-tayb-45

بقلم :

مجدى الطيب

 

  • لم يتخل عن روح المغامرة وواصل «التجريب» ودعم الشباب .. ولم يُصب بأمراض النجومية

 

عرفت الفنان محمود عبد العزيز أثناء تصوير فيلم «أبو كرتونة» «1991»؛ إذ كنت مسئولا عن باب «العرض القادم» فى مجلة «فن» اللبنانية، وذهبت إلى موقع التصوير، وأذكر أنه كان فى شركة بمنطقة السواح، وسألته إن كان يسمح لى بإجراء حوار معه فأذن لى غير أنى فوجئت به يقول لى : «اكتبه وأنا موافق عليه»، ولم أفهم فعدت لأراجعه : «يعنى مش حنتحاور مع بعض؟» فنظر لى بدهشة قائلا : «هو انت فاكر انى بأعمل كل الحوارات اللى انت شايفها فى المجلات والجرائد دى ؟ دى معظمها من خيال صحفيين أعرفهم وأثق بهم لكننى لم أتكلم معهم !» وذكر لى بعض الأسماء التى كانت تجرى تلك الحوارات التى تتصدر أغلفة أشهر المجلات الفنية !

يومها صُدمت، وانزعجت، وبنزق الشباب قلت له : «لكنى لن أفعل هذا»، ورمقنى بنظرةٍ لن أنساها ما حييت، وقربنى إليه بأبوة طاغية وهو يقول : «عاوزنا نتكلم عن ايه ؟» . ومن بعدها توطدت علاقتى به؛ خصوصا أننى لم أفوت فيلما من الأفلام التى كان يصورها فى تلك الفترة «مطلع التسعينات من القرن الماضي»، بوصفه النجم المتوج الذى تتهافت شركات الإنتاج للحصول على توقيعه «فى عام 1991 عُرضت له ثلاثة أفلام هى : «أبو كرتونة»،«قانون إيكا» و«الكيت كات» والفيلم الأخير عشت أيام تصويره فى حارة استديو جلال بحدائق القبة، وأذهلتنى قدرته الفائقة على تقمص شخصية الشيخ الضرير «حسني»، وشاءت الأقدار أن أتواجد فى الحارة أثناء تصوير مشهد قيادته الدراجة البخارية، وهو كفيف، والفزع الذى أصاب أهل الحارة، قبل أن يصطدم بأقفاص «الفراخ»، وأشهد أن ما رآه الجمهور على الشاشة، من حركة وحيوية وسعة واتساع لم يكن سوى مساحة محدودة فى الاستديو لا تتجاوز البضع مترات لكن المخرج داود عبد السيد بموهبته وحيلته وبراعته فى التقطيع، واختيار الزوايا، والموسيقى التى بدأها متأخرا عن عمد، جعل منها أفق رحبة،وفضاءات دون حدود، وجعل من المشهد أجمل مشاهد السينما المصرية، وأكثرها صخبا وسحرا.

_92416969_14915321_1458794607482092_4828579445607924457_n

فى تلك الفترة تابعته وهو يجسد شخصية الصول «عبد الجبار»، الذى ترشحه هيئته المهيبة، وشاربه الكث، ليكون «عشماوي» فيما يحمل بين ضلوعه قلب طفل بريء، وهو الدور الذى أخلص له شكلا وموضوعا لكن فيلم «دنيا عبد الجبار» «1992» الذى أخرجه عبد اللطيف زكى لم يحقق النجاح الذى كان ينتظره محمود عبد العزيز، وهو الأمر الذى تكرر فى فيلم «فخ الجواسيس» «1992»، الذى أخرجه أشرف فهمي،وسعى من خلاله إلى تقديمه فى دور ضابط الاستخبارات لكن الجمهور لم يرض بديلا عن شخصية الجاسوس «رأفت الهجان»، التى جسدها قبلها بسنوات، وحققت نجاحا منقطع النظير.

هنا يمكننا أن نتوقف عند روح المغامرة التى كان يتحلى بها محمود عبد العزيز، وتتناقض مع مفهوم النجومية كما يراها البعض؛ فالأمر المؤكد أنه لم يتخل عن جرأته، ولم تصبه عقدة الخوف من الفشل فآثر، كآخرين غيره، أن يكرر نفسه، وإنما استمرأ «التجريب»، ودخل المغامرة تلو الأخرى، كما فعل مع المخرج محمد كامل القليوبى فى فيلم «ثلاثة على الطريق» «1993»، الذى لم يكن مجرد فيلم عن سائق لورى يتنقل بعربته ما بين الأقصر والمحلة، بل كان رصدا لأحوال مصر ومتغيراتها، وهو ما قدمه بشكل آخر فى الفيلم الفانتازى «خلطبيطة» «1994»، الذى اتبع النهج «الكافكاوي»؛ حيث الموظف البسيط الذى يسير بجانب الحائط لكن جهة أمنية مجهولة تتعقبه، وتلقى القبض عليه، وبعد أن توجه له اتهامات عدة يهرب، ويظل مُطاردا، ثم يُحاكم بشكل عبثي، وهى تجربة سينمائية صعبة تثير هلع «النجم التقليدي» لكن محمود عبد العزيز جارى فيها المخرج مدحت السباعي، وأغلب الظن أنه دفع ثمنها راضيا، كما فعل فى تجربته مع المخرج منير راضى فى فيلم «زيارة السيد الرئيس» «1995»، الذى جسد فيه شخصية رئيس مجلس القرية التى تنتظر القطار الذى يقل رئيس الجمهورية وضيفه الرئيس الأمريكى، وقيل إنه سيتوقف فيها، ثم واصل المغامرة بشجاعة فى فيلم «البحر بيضحك ليه» «1995»، الذى عاد فيه للتعاون والمخرج محمد كامل القليوبي، وقدما فيلما استعصى على فهم الكثيرين وقت عرضه قبل أن يتم اكتشاف أهميته فيما بعد !

بالطبع غازل «عبد العزيز» الجمهور بأفلام مثل : «الجنتل» «1996» و«النمس» «2000» من تأليف عصام الشماع وإخراج على عبد الخالق و«رحلة مشبوهة» «2001» تأليف مصطفى محرم وإخراج أحمد يحيى لكن شيئا لم يحل دونه والمضى فى طريق التجريب؛ كما فعل فى «القبطان» «1997» مع المخرج سيد سعيد، وكان لى الحظ فى متابعة التجربة عن قرب عندما سافرت إليهم فى بورسعيد، ورأيت كيف كان يحتوى ويحتضن الوجوه الحديدة، ويُقدر ويحترم وجهة نظر المخرج سيد سعيد، رغم أنه لا يفهمها أحيانا، كما قال لي، وعلى نفس النهج وقف مع المخرج الشاب فخر الدين نجيدة فى فيلمه الأول «هارمونيكا» «1998»، وكان شديد التواضع وهو يمتثل لتعليماته، وكأنه يقف أمام كاميرا المخرج سمير سيف فى فيلم «سوق المتعة» «2000»، الذى لم ينظر إليه بوصفه فيلما يجمع بين الإثارة ومخاطبة الغرائز، حسبما رآه البعض، بل كان سعيدا به،لإدراكه أهمية طرح الكاتب الكبير وحيد حامد فيما يتعلق بثلاثية القهر والظلم والفساد .ومع وصوله إلى محطة «الساحر» «2001» تأليف سامى السيوى وإخراج رضوان الكاشف يكشف محمود عبد العزيز عن موهبة استثنائية، وقدرة خرافية على الأداء السلس، كما يؤكد من جديد أنه صاحب مدرسة «السهل الممتنع»، بعد أن سحر الجميع بنظرته الكاشفة، ورؤيته الثاقبة، وأبوته الحانية، وتمكنه من إشاعة البهجة فى أى مكان يحل به «اسمه فى الفيلم منصور بهجت» رغم ما يعتمل فى صدره وقلبه من خوف وحزن يكفى الدنيا بأسرها !

لا أعرف الظروف التى دفعت النجم محمود عبد العزيز للموافقة على المشاركة فى بطولة فيلم «ليلة البيبى دول» «2008» لكنى أذكر أن هذا الفيلم أعاده إلى الشاشة الكبيرة بعد ما يقرب من سبع سنوات اختفى فيها لظروف خاصة، وإن تردد وقتها أنه اتخذ قرارا بالاعتزال، ويُحسب لهذا الفيلم، رغم شحوب دوره فيه، وهزاله الذى لا يتناسب وموهبته المعهودة، أنه شجعه على الظهور على الشاشة الكبيرة مُجددا فى فيلم «إبراهيم الأبيض» «2009» تأليف عباس أبو الحسن وإخراج مروان حامد؛ حيث استعاد الكثير من بريقه، وجاءت شخصية «عبد الملك زرزور» لتبرهن على أن السنين زادته نضجا ورصانة، لكن صناع السينما المصرية – جريا على عادتهم – تجاهلوه، ولم يستثمروا ما وصل إليه من حنكة وخبرة ودراية، ولم يكن من السهل عليه، بشخصيته العنيدة، ومثابرته غير المحدودة، أن يستسلم ويرفع الراية البيضاء، وإنما قاوم وصمد وواجه، وفى شهر رمضان الماضى هزم الشائعات، وفاجأ الجميع ببطولة مسلسل «رأس الغول»، وكما الأشجار.. مات واقفا !