“الغول” حينما تجتمع الموهبة والمهارة   بقلم : محمد سيد عبد الرحيم   أحيانا ما ينسى أو يتناسى الممثل أن عمله الأساسى هو التمثيل ليغيب عن التمثيل أو ينشغل بمهام

9988

“الغول” حينما تجتمع الموهبة والمهارة

 

Mohamed Sayed AbdelRehim's Profile Photo

بقلم :

محمد سيد عبد الرحيم

 

أحيانا ما ينسى أو يتناسى الممثل أن عمله الأساسى هو التمثيل ليغيب عن التمثيل أو ينشغل بمهام أخرى إلا أن محمود عبد العزيز كان نموذجا للممثل الذى يعرف تماما أنه خلق لهذه المهنة وأن عمل الممثل – وهو أمر بديهى – هو أن يمثل. هذا الممثل الغول لا الكتيان (وفقا لشخصيات مسلسله الأخير “رأس الغول”) طور من أدائه منذ بدايته فى الدراما التليفزيونية ثم السينما عبر قفزات مهنية واسعة حولته من مجرد شاب وسيم يستعين به المخرجون فى أدوار ثانوية إلى نجم جماهيرى فى الدراما التليفزيونية والسينما أثر فى أجياله من الشباب عبر أدواره المختلفة ووحش تمثيل بقادر على أداء أى دور بسهولة ولكن ليست بالسهولة التى تمكن أى ممثل آخر من أن يقوم بنفس هذا الدور بمثل هذا الأداء المتميز.

السهل الممتنع هو ما يمكن أن نصف به الأداء التمثيلى لمحمود عبد العزيز فنادرا ما تجد انفعالاته زائدة عن الحاجة بل دائما ما يضبط أداءه فى تمثيل الشخصيات المختلفة بداية من “العار” 1982 إخرج على عبد الخالق الذى يعتبر نقطة تحول رئيسية فى أداء محمود عبد العزيز التمثيلى فى دور الأخ الأصغر دكتور عادل ونهاية بفيلم “إبراهيم الأبيض” 2009 إخراج مروان حامد الذى يعتبر الوهج الأخير فى أدائه التمثيلى بدوره الأسطورى كحاكم فعلى للمنطقة الشعبية عبد الملك زرزور الذى له رموز سياسية وميتافيزيقية أداءها محمود عبد العزيز بفهم عميق واقتدار.

كان بطل مسلسل “رأفت الهجان” يؤدى أدواره بمزاج رائق فينقل هذا المزاج إلينا ليسعد المشاهدين بأدائه وبالتالى بأعماله التى يقدمها ولهذا يتطابق تمام التطابق مع اسم “مزجانجي” الذى ناله من دوره المحورى فى مساره المهنى ككمثل فى فيلم “العار” الذى أخرجه أيضا على عبد الخالق. ويتضح أيضا هذا المزاج فى تباين الأداء وضبط إيقاعه مع ما تتطلبه الشخصية وحالة العمل الفنى بشكل عام حيث نشهد هذه السمات التى لا يتميز بها سوى الممثلين العظام فى قدرتهم مثلا على تمثيل أدوار مختلفة تماما فى أعمال مختلفة مثل دوره فى أجزاء مسلسل “رأفت الهجان” بداية من عام 1987 حيث يقوم بدور جاسوس تزرعه المخابرات المصرية فى قلب تل أبيب حيث استطاع أن يقوم بدور البطولة بكفاءة يحسد عليها ليصبح واحدا من أهم نجوم الشاشة الصغيرة فى تاريخها بمصر بالإضافة إلى أدواره الكوميدية التى تميز بها مشواره الفنى فى أفلامه ومسلسلاته المختلفة بداية من أفلامه مع المخرج على عبد الخالق مرورا بأفلامه مع المخرجين رأفت الميهى وعاطف الطيب وداود عبد السيد وأخيرا أفلامه مع المخرجين رضوان الكاشف ومروان حامد.

http://alyamania.com/wp-content/uploads/2016/03/600x400_uploads2016012256a18f941330b.jpg

أيضا نشهد هذا الأداء المتميز فى تمثيل أدوار مختلفة فى نفس العمل الفنى مثل قيامه بدورين فى فيلم “إعدام ميت” 1985 إخراج على عبد الخالق وهما دورا الجاسوس البدوى “منصور مساعد الطوبي” وضابط المخابرات المصرى “عز الدين” أو حتى فى فيلم “البريء” 1986 وبنفس الشخصية ولكن فى أماكن مختلفة حيث شخصية العقيد “توفيق شركس” غليظ القلب والمتوحش والهمجى فى السجن والأب “توفيق شركس” رقيق القلب والمحب والعطوف فى البيت وبين عائلته أو فى “الدنيا على جناح يمامة” 1989 فى دورى سائق التاكسى “رضا رشدي” والمجنون “بلحة” ولقد استطاع فى هذا الفيلم والرغم من كونه ليس البطل أن يجذب إليه أعين وقلوب المشاهدين بأدائه الحيوى والمختلف والمتميز فى كلا الدورين ليتذكر الجميع دور “بلحة” على الرغم أنه ظهر فى مشهد واحد فقط فى الفيلم.

القبطان الذى غادر سفينة السينما والتليفزيون

وهذه النماذج وغيرها تبين أن هذا الغول فى التمثيل لم يكن يرتكن فقط إلى موهبته التى نشأت على مسرح الجامعة بكلية الزراعة لتأخذ فرصتها فى الظهور على يد المخرج الكبير نور الدمرداش فى التليفزيون لتتحرر بعد ذلك كالفرس الذى يعرف طريقه جيدا نحو القمة. بل ان محمود عبد العزيز فهم منذ البداية أن الموهبة لا تكفى وأنه يجب أن يعمل ويطور من هذه الموهبة ومن أدائه التمثيلى وهو ما قام به بالفعل وما نشهده فى أعماله منذ السبعينيات وحتى النهاية وكأنه بذلك يتقصى أثر البيت الشعرى الرائع الذى كتبه الشاعر الفلسطينى محمود درويش حينما قال “الوحى حظ المهارة إذ تجتهد”. فهذا القبطان الذى يعتبر مدرسة فى التمثيل احتذى بها مئات الممثلين بعده اجتهد كثيرا على موهبته التمثيلية ليصبح واحدا من أفضل الممثلين الذين خلدوا السينما المصرية فى أعمالهم المختلفة.

وهذا الاهتمام بالموهبة يعكس مدى ذكاء محمود عبد العزيز وهو أيضا ما نجده فى أمرين مهمين للغاية فى مسيرته الفنية وهى اختياره للأعمال التى يقوم بها واصراره على التعاون مع المخرجين المتميزين الذين عمل معهم وهو ما نجده فى أفلام كثيرة اختارها بعناية مثل فيلم “الطوفان” 1985 تأليف وإخراج بشير الديك وأفلامه مع داود عبد السيد مثل “الصعاليك” 1985 و”الكيت كات” 1991 وأفلامه مع المخرج على عبد الخالق مثل “الكيف” 1985 و”جرى الوحوش” 1987 وفيلم “الشقة من حق الزوجة” 1985 إخراج عمر عبد العزيز و”الجوع” 1986 إخرج على بدرخان وأفلامه مع رأفت الميهى مثل “السادة الرجال” 1987 و”سمك لبن تمر هندي” 1988 و”سيداتى آنساتي” 1989 وأفلامه مع عاطف الطيب مثل “أبناء وقتلة” 1987 و”الدنيا على جناح يمامة” 1989 وأفلامه مع المخرج محمد كامل القليوبى مثل فيلم “ثلاثة على الطريق” 1993 والفيلم “البحر بيضحك ليه” 1995.

غادرنا يوم السبت الماضى القبطان محمود عبد العزيز بعد أن أثرى السينما المصرية بأكثر من 90 فيلما منذ السبعينات حتى عام 2009 والعديد من الدرر التليفزيونية والمسرحيات والمسلسلات الإذاعية تاركا وراءه عدد من المشاريع التى لم يمهله القدر لإكمالها ولم يمهلنا القدر للاستمتاع بها وبأدائه الذى سيظل دائما خالدا فى أعماله التى لن ننساها طالما وجدت السينما والتليفزيون.