.”خارج المسابقة” أعمال ممتازة فاتها قطار التنافس     بقلم : أحمد شوقي   نظريا يتوجب على مهرجان القاهرة السينمائى الدولي، بصفته المعروفة كمهرجان دولى ضمن الفئة حسب تصنيف الاتحاد

331

.”خارج المسابقة” أعمال ممتازة فاتها قطار التنافس

 

 

بقلم :

أحمد شوقي

 

نظريا يتوجب على مهرجان القاهرة السينمائى الدولي، بصفته المعروفة كمهرجان دولى ضمن الفئة حسب تصنيف الاتحاد الدولى للمنتجين (FIAPF) أن يقدم أعمالا جديدة لعالم السينما، وكان المهرجان فى مرحلة سابقة يشترط حق العرض العالمى الأول للأفلام المشاركة فى مسابقته الدولية. أمر أصبح فى عداد المستحيل فى ظل الوضع الحالى للسوق المصرى ولنظام توزيع الأفلام، فقد صار لكل فيلم جيد أو نصف جيد موزع محترف لا يشتغله سوى الربح المالى وهو حقه فلا يلتفت لمكان العرض أو لاستقبال المخرج أو لأى اعتبارات أخرى بخلاف زيادة فرص توزيع الفيلم، وهو أمر يكاد يكون مستحيلا فى سوق توزيع مصرى لا يرحب بأفلام المهرجانات داخله، ولم يعد يمتلك تأثيرا يذكر على الأسواق المجاورة فى المنطقة كما كان قبل عقود.

هذا لا يعنى غياب العروض الأولى عن المسابقة، فالمهرجان وإن كان يتحايل على الأمر بعرض أفلام جيدة عُرضت فى مهرجانات أخرى كبرى خارج مسابقتها الرسمية بما يجعلها صالحة لمسابقة القاهرة وفقا لنظام الاتحاد الدولي، إلا أن هناك أفلاما تعرض للمرة الأولى عكس ما يشيعه البعض أذكر منها الفيلم الهندى “الطريق الضيق The Narrow Path” للمخرجين الشقيقين ساتيش وسانتوش بابوسينان، وفيه دراما قاسية متقشفة إنتاجيا، لكنها ثرية بصريا بالتعامل مع مأزق جوهرى فى علم النفس والدراما الكلاسيكية «انفصال الابن عن أبيه»، بحسية صارخة تكون الأجساد فيها هى أداة التعبير الأولى.

غير أن تقديم أفلام جديدة يظل هدفا فرعيا فى مدينة لا تعرض شاشاتها التجارية سوى الأفلام المصرية والأمريكية، ولا يُعرض فيها على مدار العام حتى التجارى من أى سينما عالمية أخرى. ومع تزايد أعداد متابعى ومحبى السينما الأوروبية وغير الناطقة بالإنجليزية، صار من الواجب على الفعاليات السينمائية المصرية أن تُلبى الحاجة لمشاهدة هذه النوعية من الأفلام على شاشة كبيرة. الأمر الذى كان هدفا رئيسيا لفلسفة برمجة الدورة الثامنة والثلاثين من مهرجان القاهرة، والذى يمكن ملاحظة أبرز تجلياته فى القسم الرسمى خارج المسابقة.

 

خارج مسابقة المهرجان.. قسم يلبى حاجة ضرورية

 

عنوان القسم يشير بوضوح إلى أن هذه المجموعة من الأفلام «تسعة تحديدا» هى أفلام كان المهرجان يتمنى أن تشارك فى مسابقته الرسمية نظرا لقيمتها، غير أن وجودها فى مهرجانات سابقة بسبب فارق السوق الذى أوضحناه جعل من المستحيل نظاميا أن تتنافس داخل المسابقة. وضمن هذه الأفلام التسعة نجد عددا من أهم وأمتع أفلام العام الحالي.

“بكالوريا Bacalaureat” للرومانى الأبرز كرستيان مونجيو هو أحد هذه الأفلام. والبكالوريا هى الثانوية العامة الرومانية، التى تستعد ابنة الطبيب المتفوقة لخوضها، استعدادا لتلقى منحة دراسية فى بريطانيا ستغير من حياتها وحياة أهلها. أحلام الأسرة تختل عندما تتعرض الفتاة لمحاولة اغتصاب خلال ذهابها للامتحان، وبالتالى لا تتمكن من تحقيق النجاح المتوقع الذى يضمن لها المنحة، فيحاول والدها لأول مرة أن يتلاعب بالقانون بالتدخل كى تلقى الابنة معاملة خاصة عند تصحيح ورقة إجابتها. لتتوالد سلسلة من المشكلات محركها الفساد المستشرى فى مجتمع يتظاهر باحترام القانون بينما باطنه هو المحاباة والمصالح المتبادلة. عبر سيناريو شيق يسير المشاهد فى رحلة لا ينتبه معها لتوالى الأحداث فيتورط تباعا مع البطل، يقول فيلم مونجيو بوضوح ان الفساد يولد فسادا، وان الصواب لا يمكن أن يترتب على الخطأ مهما سلمت النوايا، لكن هذا لا يقال إلا عبر حكاية ممتعة، تعيد الاعتبار للحقيقة التى نتناسها أحيانا وسط بحثنا عن التجديد والإبهار، وهى أن السينما بالأساس هى فن سرد الحكايات.

“إنها فقط نهاية العالم” هو فيلم الكندى الشاب زافيه دولان الذى يواصل فيه تجاربه فى السرد السينمائي، وبالتحديد فى استخدام خيارات يعتبرها البعض تليفزيونية أو سيئة السمعة لصناعة ما هو فريد سينمائيا. مع صعوبة أكبر هذه المرة تتمثل فى تقديم فيلم مأخوذ عن مسرحية بنفس الاسم لجان لوك لاجريس. إذا طلبت من مخرج تقديم نسخة سينمائية من مسرحية، سيحاول بديهيا تحويلها لسيناريو يستبدل فيه الأحداث بالحوار، وكثرة المشاهد بقلتها، وتحويل كل ما هو مسرحى إلى ما نصفه بالسينمائي. لكن مع زافيه دولان عليك توقع العكس تماما: فيلم روائى طويل مكوّن من اثنى عشر مشهدا رئيسيا فقط، كلها مشاهد ذات حوار مسرحى متصاعد، تتقاطع مع جسور من فلاش باك على الطريقة العتيقة «الصورة تعرض ما تقوله الكلمات حرفيا»، وبعض الحيل القديمة الأخرى من نوعية اللقطة القريبة مع خفوت صوت المتحدثين حول الشخصية للتعبير عن التفكير العميق وعدم الانتباه عما يدور حولها!

هذه تفاصيل نجزم أن 99 بالمائة من مخرجى العالم الجيد منهم قبل السيء لو نفذها ستكون النتيجة متواضعة بل مضحكة، بينما لسبب ما يمتلك هذا الشاب الكندى القدرة على بعث الحيّل وكأنه يعيد اكتشاف السينما بعين القرن الجديد. هذا هو مخرج القرن الحادى والعشرين ليس لأنه أفضل من صنع أفلام فيه، وإنما لأنه أول صوت فى القرن يقدم سينما غير مكبلة بقيود السابقين.

“طونى إردمان” للألمانية مارين أدى أحسن فيلم عُرض بين منتصف عامى 2015 و2016 حسب اختيارات النقاد الدوليين، “ما روزا” الفلبينى برلنتى ميندوزا صاحب جائزة أحسن ممثلة فى مهرجان كان، “أين الغزوة المقبلة؟” تجربة الأمريكى مايكل مور التسجيلية الأحدث، و”فى درب التبانة” الفيلم الذى عاد به أستاذ السينما الصربى إمير كوستوريتسا لعالمه الساحر. هى مجرد أمثلة لقيمة هذا القسم الرسمى خارج المسابقة، والذى حمل خلال المهرجان الأفضل خلال العام لجمهور القاهرة، والأرقام التى تشير إلى أن أكبر نسبة بيع تذاكر بخلاف الأفلام المصرية كانت لأفلام هذا القسم تشير بوضوح أيضا إلى أن المهرجان تمكن- على الأقل فى هذا القسم- من تلبية رغبة لدى جمهوره.

 

13344528_473544439519428_4775238216936076674_n-1