«السّيرة فى المنفى» لبهاء طاهر سيرة روائية تصدر قريبًا عن دار «برديّة» للنشر والتوزيع   فى الطابق الحادى عشر، ببرج يطلّ على نيل «الزّمالك» عن كثب، يعيش الروائى «بهاء طاهر»،

1100

«السّيرة فى المنفى» لبهاء طاهر

سيرة روائية تصدر قريبًا عن دار «برديّة» للنشر والتوزيع

http://greatmiddleeastgate.com/wp-content/uploads/2015/03/Bahaa-Taha.jpg

 

فى الطابق الحادى عشر، ببرج يطلّ على نيل «الزّمالك» عن كثب، يعيش الروائى «بهاء طاهر»، علّق على باب شقّته لافتة صغيرة خطّ فيها بكلّ تواضع «بهاء طاهر- كاتب». أقف أمام المصعد أنفخ فى سيجارة، والمصعد يهبط بين الطوابق فى بطء، وأفكّر: لعلّه نائمٌ هذه السّاعة…!

لم أتعوّد أن أخبره مسبّقًا عن قدومى وزيارتى له، ربّما فى حالات نادرة، لكنّه منحنى هذه المساحة من المحبّة، أن أزوره دون اتّصال مسبق حتّى، وقد كان يحبّ زيارتي، ونأتنس معًا وسط رحابة الحكايات، يعود بى لأوائل أزمنة البراءة والدّهشة.

ولطالما قدّمنى للنّاس ولأصدقائه باعتبارى ابنه.

كنت أشعر – وما زلت – أنّى ابنه فعلًا، خصوصًا أنّى فقدت أبى فى وقت مبكّر.

كثيرًا ما تلومنى «ستيفكا» زوجته عندما أصرّ أن نخرج لنحتسى الشّاى على المقهى، أو لحضور ندوة ما، تقول له:

– إشمعنى «أدهم» «بهاء»..! إنتا تعبان «بهاء».

كنّا نضحك وكان الأستاذ «بهاء» يهزّ كتفيه ويقول لها:

– أعمل إيه يعني.. إنتى عارفة غلاسة «أدهم».. وأنا عاوز أخلص منّه.

ثم ينظر نحوى مبتسمًا ويقول موجّهًا كلامه إلى «ستيفكا»:

– قدري.. قدرى يا «ستيفكا».

وما بين «القاهرة» و«الأقصر»، تعدّدت اللّقاءات، بشأن هذا الكتاب تحديدًا، الإنسان يكتب سيرته مرّة واحدة، والأستاذ «بهاء» كان يعرف أنّ هذا الكتاب بمثابة السّيرة الوحيدة والصّادقة التى يُمكن للنّاس أن يطّلعوا عليها، فلم يكن يتوانى عن سرد حكاياته الخاصة، بين أبيه وأمّه، بين «ستيفكا» وبينه، أسراره التى عاشها فى الماضي، أسرار الغربة؛ التى أطلق عليها منفى، الكتاب مليء بالحكايات الغنيّة المُضحكة المُبكية فى آن، فى هذا الكتاب، سيرة إنسانيّة كُبرى، جوانب لا يعرفها أحد عن «بهاء طاهر»، لقطات لم تُكتب فى رواياته، ولم تسجّلها سوى ذاكرته، فى هذا الكتاب، سنرتحل مع «بهاء طاهر» الإنسان، أكثر منه ككاتب، ولعلّنا فى نهاية الرّحلة سنكتشف ونستخلص الجوهر الأصيل الحقيقى الذى انطلقت منه كتابات «بهاء طاهر»، وطافت العالم.

 

أدهم العبودى

…………………………………………………………

 

 

«السّيرة فى المنفى» لبهاء طاهر

http://3.bp.blogspot.com/-37FgdPBEvts/ULyr2HLSq-I/AAAAAAAABhA/20fGhWfIHq4/s1600/%D8%A8%D9%87%D8%A7%D8%A1+%D8%B7%D8%A7%D9%87%D8%B1.jpg

 

الفصل الأول

(1)

أستيقظ مبكّرًا، أصلّي، أفتح التلفاز، أقلّب فى قنواته، أتمشّى ببطء إلى المطبخ، أجهّز كوبًا من الشاي، وأعود لأجلس على الأريكة، إمّا أقلّب فى التلفاز، وإمّا أقرأ فى جريدة أو كتاب.

تسير الحياة على وتيرة رتيبة.

منذ زمن بعيد، كنت أسمع الحياة كأنّها تغنّي، كنت أتشبّع بألحانها.

بل أشاركها عزف هذه الألحان.

اليوم، انصرفت عنّى الحياة بألحانها، غريبٌ أنا ولو فى أرض الأحبّة.

لم أعُد أنزل كثيرًا، لا أخرج من المنزل إلّا بضغط بعض الأصدقاء.

غالبًا أجلس على مقهى «عمر الخيّام» أسفل العمارة التى أسكن فيها، غالبًا بعد صلاة كلّ جمعة، كلّ أسبوع.

بعض الأصدقاء يحدّثوننى عبر التليفون، فى الغالب لم أعُد أنتبه لرنين التليفون، لست من مسايرى التكنولوجيا الحديثة، تليفونى قديم كأنّه تحفة أثريّة، ولكنّى أنتبه ربّما بعد إلحاح.

تأتينى الأصوات من الجانب الآخر: كيف حالك؟ لعلّك بخير..! طمئننا عليك.

أردّ باقتضاب: تمام.. تمام.

أحدهم اتّصل بى يومًا، أخبرنى أنّه بصدد إعداد كتاب عنّي.

رحبّت به جدًا، كان نشيطًا، ومثابرًا، وكان دائم الزّيارة.

تكرّرت زياراته لدرجة أنّ «ستيفكا» اعتبرته واحدًا من أهل البيت، وكان تعُد له الطّعام والشّاى والعصير بحفاوة كبيرة.

تكرّرت زياراته بسبب الكتاب، كنت واضحًا معه وصريحًا لأبعد مدى، بُحت له عن أسرار وحكايات وذكريات، ثم فجأة انقطعت زياراته.

العِشرة أقلقتنى عليه، العِشرة والودّ الذى لا يُفرّط فيه – فرضًا – بسهولة، أكثر من مرّة حاولت الاتّصال به، ولم يردّ.

عرفت بعدها أنّه أصدر الكتاب، وفى مكالمة نادرة، هاتفني، اختلق سببًا – لا أتذكّره – وتشاجر معي، حتّى أنّى لم أقابله من ساعتها، لم أعُد أفهم النّاس..!

فى جلسة على المقهى مع صديق آخر قصصت له هذه الحكاية، فضحك وقال:

– لقد انتهت مصلحته، طبيعى أن تنقطع علاقته بك، أغلب الظنّ أنّ هذا الولد يريد أن يصبح كاتبًا مهما، ويخشى أن يتهموه بأنّه يعيش فى جلباب «بهاء طاهر»، إنّما أنت محترم يا «بهاء» وودود لأبعد حدّ..!

شعرت أنّه يخبرنى بشكل غير مباشر أنّى ساذج، بدا هذا فى عُمق عينيه.

«ستيفكا» صريحة معى بهذا الشأن، تقول لي:

– أنت مؤدّب لدرجة أنّك لا تُحرج أحدُا يا «بهاء».. مؤدّب وهذا خطأ.. خطأ يا «بهاء».

هل يستغلّ البعض طيبتى حقا؟

فى الواقع رؤيتى للنّاس ما زالت ناصعة بعض الشيء، لم أتعوّد أن أفترض الأسوأ، دائمًا أفترض الأحسن، وغالبًا ما يحدث العكس.

نعم، لا أفهم النّاس.

أقلّب فى التلفاز، الملل يقبع فى زوايا البيت.

يطوف بخاطرى أنّ البارحة التهمت عمرى كلّه، البارحة إذ عشت فى المنفى، وعاصرت التغيّرات الكُبرى التى عصفت بالمجتمعات الإنسانيّة، وعلى جميع المستويات، سواء السياسيّة أو الثقافية أو الجغرافيّة.

لا أعرف هل كان عمرى الفائت مسيرة صادقة ومعبّرة عن هموم رجل افتقد وطنه ولم يظلّ متمرّغًا فى طينه أم كان عمرى مجرّد حلم كبير لم أستيقظ منه بعد؟

الحيرة تسكن حشايا الماضي، والغُربة امتدّت بداخلي.

وأيّ غربة!

يقف على إفريز الشّرفة عصفور، تغطّيه أشعة الشّمس، لكنّه بدا ينتفض، كان يقف وهو يتطلّع إليّ.

لم أعد أستطيع ترجمة إشارات كهذه، ربّما كنت أفعل منذ زمن، لكنّى اليوم جالسٌ لا أفكّر إلّا فيما مضى.

تستحوذ عليّ خيالات الماضى برمته، أجلس لأستعيد سنوات الغُربة، بتفاصيلها الدّقيقة، هل كانت غُربة أم كان منفى؟

تتراكم الآثار بداخل أرواحنا لتصنع شجنًا أصيلًا، الذّكريات باتت لا نهائية، كلّما استحكمت دائرة سُلّمت لدائرة أخرى، بغير نهاية، ولا مفرّ منها، أشعر أنّ المفرّ إليها فى مُجمل الأمر.

أتذكّر حكايات أمّى عن البلاد البعيدة، بلاد الطّين والحجارة، «الكرنك»، أتذكّرها وكأنّها بالأمس، كأنّها لم تزل نابضة متوهجة، أتذكّرها بتساؤلاتها التى لم أجد لها إجابة لها حتّى اليوم.

ماذا لو أنّ أبى لم يترك «الأقصر» ويرتحل بين البلاد ليستقرّ به المقام فى «الجيزة»؟ هل كان مصيرى سينصرف لسكّة مغايرة؟ هل كنت سأعرف معنى الغربة مبكّرًا هكذا؟

لماذا ظلّ أبى يصبو لبناء بيت فى قريتنا فى الصّعيد حتّى مماته؟ ما طبيعة تلك الأواصر التى تربطه بالقرية؟ هل هو الحنين؟ هل هى روابط أخرى لا يفهمها غير الذى ارتحل جبرًا؟

لعلّى أدركت القليل من هذه الروابط فى ارتحالى بين بلد وآخر، لكنّى لم أستوثق منها بالتمام، لم أفهمها على سطوتها لنفسي، ظلّ شيء ينازع رُوحى طيلة الأعوام، شيء غامض، يبعث على تساؤلات غير محسومة.

لماذا إن انتُزعت زرعة من أرضها وزُرعت فى أرضٍ أخرى تموت؟

العصفور لا يريد التحرّك، يذكّرنى بقصّة قديمة فكّرت فى كتابتها منذ عشرين عامًا وأكثر، ولم أكتبها إلى اليوم، عن عصفور كنت أحبسه فى قفص، وقرّرت إطلاق سراحه، لكنّ جناحه علق، واستغرقت وقتًا حتّى أتممت إطلاق سراحه، وظلّ ينازعنى وأنازعه.

كلّنا فى نهاية الأمر مجرّد طيور تهاجر من وطن لآخر بغير استقرار، كلّنا هذا الطّائر، ننتظر أن يبادلنا أحدٌ الاهتمام والرّعاية، إنّما تمرّ أعمارنا ولا يحاصرنا غير ضباب المنافي.

زمان؛ حين استقرّ أبى فى «الجيزة»، أخيرًا وبعد عناء، التحقت بمدرسة إلزاميّة من تلك المدارس التى تعلّم أصول القراءة والكتابة، فى هذه الأيّام، حفظت جزءًا من القرآن الكريم، وكان أبى رجلًا أزهريًا وصارمًا فيما يخصّ هذا الشأن، تحديدًا الصّوم والصّلاة وحفظ القرآن، ثم تأهّلت للمدرسة الابتدائيّة.

أذكر أنّ بيتنا المتواضع كان يقع بالقرب من ميدان «الجيزة» الرئيسي، وكنت أمشى يوميًا من بيتنا للمدرسة الابتدائية.

كانت المدرسة الابتدائيّة فخمة، وتعلّقت بها، إنّما تعلّقت بشيء أكبر وأعذب أثناء هذه الأيّام؛ «سُندس» الحلبيّة.

كانت لها مواعيد ثابتة تحضُر فيها لبيتنا، وتفرش أمام أمّى صرّة مليئة بالأقمشة، كانت أمّى تحبّ «سُندس»، وتداعبها وتتندّر معها بحكايات الحلب، تلك طبيعة أمّي، الحكايات، وكانت «سُندس» تكبرنى بنحو عشر سنوات، كنت ساعتها فى التاسعة أو العاشرة من عمري، وهذه كانت أوّل قصّة حب فى حياتي، حدّ أنّى تعلّمت كتابة الشّعر بسبب «سُندس»، وانفتحت تلك الطّاقة بداخلي، طاقة الكتابة فى الأساس.

كنت أراقبها وهى تفرد لأمّى ربطة القماش بعد أن تفكّ عقدتها، وتفرّجها على الأثواب والأقمشة الجديدة، وتمازحها أمّي:

– يا بنت.. كبرتِ وجسمك أصبح مدوّرًا.. متى ستتزوجين؟

– لمّا ربّنا يريد يا حاجّة.

– آه منّك آه.

فتضحك «سُندس»، كان لضحكتها وقعٌ يُشبه نغمًا شجيًا، وكنت أشفق عليها، تدور بين البيوت بربطة القماش الثقيلة، وصندوق ضخم، تحمله على كتفها، سمعتها تقول لأمّى بأسى أكثر من مرّة:

– والنبى أكل العيش مرّ يا حاجّة، ربنا يصبّرنا.

كانت عينا «سُندس» خضراوين، يحيطهما كُحل غامق مميّز كأنّه خاص بالحلب فقط، وجهها أبيض ومستدير استدارة قمر مكتمل الاستدارة، تفرد ربطتها أمام أمّي، وتفرد أمامها الأثواب المطوّية، وكثيرًا ما كانت أمّى تبسمل إذا رأت ثوبًا بعينه، يعجبها.

أحببت «سُندس»، هذا الحبّ الذى لا يُمكن نسيانه، يظلّ وافرًا داخل أرواحنا بعبق زمنه، كأنّه نشأة مفهوم المشاعر، أو كأنّه بداية لخلق إنسان من جديد، يمدّنا بالحنين إلى تلك الأيّام دومًا.

أفردت قصّة كاملة فى مجموعة «بالأمس حلمت بكِ» تحمل اسم «سُندس»، لكنّى بالطبع لم أحكِ حكايتى معها، فى الغالب كلّ ما يتعلّق به الصِغار يشكّل اتّجاه حياتهم من بعد ذلك، وتُبنى عليه جميع تجاربهم فى النضوج.

تروح الأيّام، وتظلّ وجوه البشر.

وأظلّ أنا، أجلس ولا أفعل شيئًا غير اجترار الملل، تراودنى قصّة «العجوز والبحر» لـ«هيمنجواي»، حالى يُشبه كثيرًا حال بطلّ قصّته، وإن كان الأخير قد وجد صراعًا يخرج به من إطار ملل الحياة، ولو كان حتّى صراعًا مع البحر نفسه.

الحياة قاسيّة، قسوة الضّابط الذى كان يمرّ علينا فى المدرسة الابتدائيّة كلّ صباح، مدرسة «الجيزة»، طوله طول شجرة، يرتدى بنطولًا رماديًا، وجاكيت قاتما غامقا.

كلّ طالب كان يحتفظ فى حقيبته بمنديل لزوم تلميع الحذاء قبل الدّخول إلى المدرسة خشيّة الضابط، كانت له نظرة تبثّ الرّعب فى قلب أعتى المدرّسين، ما بالكم بالطلبة! وكان دائم اللّسع بخيزرانة لا تفارق يده، توّرمت يدى أكثر من مرّة، ولم نكن نجرؤ على البكاء، فالبكاء له عقاب مضاعف.

كان الضّابط يقول: الرّجل لا ينبغى له أن يبكي.

قلت فى نفسى بعد أعوام: على الرّجل أن يبكي، وعلى الحياة أن تستجيب، كيف يُمكن لرجل ألّا يبكي..؟!

رأيت الدّموع فى عينيّ أبى وهو يذكر قريتنا فى الجنوب، ورأيتها فى عينيّ أمّى وهى تحكى لنا الحكايات، حكت لنا أمّى عن أرضٍ نمتلكها فى القريّة، أرض كبيرة، فدادين، لكنّها كانت تقول انّنا اُقتلعنا، وانّ الزّمن الذى يمرّ سيجعل أرضنا وإرثنا وأهلنا أنفسهم ينسوننا.

قالت لي: أجل يا ولدي، الأرض تنسى صاحبها إذا هجرها.

بعد أعوام، دخلنا فى نزاعات سلميّة من أجل استعادة الأرض، أو جزء منها، شعرت أنّ الأرض معدومة، بعد عودتى من «جنيف» منتصف التسعينات واستقرارى مع زوجتى «ستيفكا» فى «مصر» فى شقّة فى «الزّمالك» بعدها بسنوات، كانت علاقتى بـ«الأقصر» قد أصبحت فاترة، لا تعدو كونها أكثر من زيارات فى بعض المؤتمرات، ومؤخّرًا بعض مهرجانات السينما التى تقام هناك.

منذ بضع أعوام، اختارونى رئيسًا لمهرجان «السينما الإفريقيّة» بالأقصر، فى هذا المهرجان، مررت بأزمة صحيّة، كنت ممدّدًا على الفراش وفجأة شعرت بتنميل فى ساقيّ، نظرت إليهما وكان لونهما قد بدأ يتحوّل للزرقة، ذعرت.

كانت السّاعة قرابة منتصف الليل، أسرع بى أحد الأصدقاء إلى المستشفى الدّولى فى «الأقصر»، طمأنونى هناك وقاموا بما يلزم لإسعافي.

رغم الشدّ والجذب اللذين دخلت فيهما بسبب الأرض، استطعت أن أحوز على قطعة من أرض لا بأس بها بالمنشاة فى «الأقصر»، أو اكتشفتها كإرث بدا سيُهدَر، ثم بعدها بقليل فُزت بجائزة «البوكر».

تبرّعت بالأرض لإقامة قصر ثقافة فى «الأقصر»، حمل اسمي، قصر ثقافة «بهاء طاهر».

عندما تفقّدت المكان بعد تشطيبه، شعرت بفخر واعتزاز لم أشعر بمثلهما فى حياتي، وإن كنت شعرت بما يشبهه عندما كرّمونى فى «مهرجان طيبة الدّولي»، فبلدى يكرّمني، وإقامة قصر ثقافة يحمل اسمى كانت بمثابة التكريم الأعظم الذى حصلت عليه فى حياتى بأسرها.

قلت فى نفسي: لعلّ شيئًا يبقى منّى فى بلادى البعيدة..!

وهل ستتذكّرنى بلادى البعيدة؟

(2)

فى منتصف السبعينات، فى عزّ حملة الدّولة على الشّيوعيين، وفى ضربة مباغِتة؛ تمّ تطهير الإذاعة من الشّيوعيين…!

فجأة، مسايرة لاتّجاه الدّولة، رفع «يوسف السّباعي» شعار: «سأطهر الإذاعة من الشّيوعيين»…!

لم أزل أذكر هذه الهوجة، كأنّها بالأمس، طارت أنباء تخليص الإذاعة من الشّيوعيين، وكان واضحًا أنّهم قلّبوا الدّنيا، ولم يجدوا غيري، الغريب هو استبعاد اسمى فقط من الإذاعة، غريب فى وقتها، لأنّ الشيوعيين كانوا يملئون أروقة الإذاعة، وعندما أُبلغت أنّى الوحيد الذى أُهدِر دمّه فى الإذاعة، توقّفت طويلًا، تأمّلت تعاستي، لم أكن أعرف أنّى شيوعى إلّا عن طريق هذا القرار..!

«يوسف السباعي» قرّر أن يطهّر الإذاعة – لماذا الإذاعة تحديدًا.. لا أعرف..!- من الشيوعيين، وكان وقتها وزيرًا للثّقافة، بالطبع كنت الشّيوعى الوحيد الذى تمّت تصفيته فى الإذاعة، حسب زعمهم، بمعنى أنّه لم يجد غيرى بالفعل كى ينسب له هذا الاتّهام؛ إن فرضنا بأنّه -آنذاك- كان اتّهامًا..!

رغم الصداقة التى امتدت بيننا – بينى وبين «السّباعي» – صدر القرار باستبعادى من الإذاعة، بالأحرى رفدي، تذكّرت أنى منذ أيّام جالسته، ومازحني، وأثنى عليّ ثناء الصداقة، وعلى ما أكتب، ولم يتطرّق للأمر لا من قريب ولا من بعيد.

كان يُمكن أن يصبح الأمر مجرّد قرار عليّ تقبّله لو أنّى شيوعى بالفعل..! لكنّى بعدها سألت نفسي: هل أنا شيوعي؟ ثم قلت لنفسي: لعلّهم يعرفوننى أكثر ممّا أعرف نفسي..!

كانت عادتى أن آخذ إجازات قصيرة، ألقى لهم الورقة الصفراء «الكروك»، وأسافر، كنت متعاقدًا بعقود مؤقّتة مع أكثر من منظّمة وكان اسمى مدرجًا فى كشف للسّفر حسب وجود مؤتمر دولى ما، سافرت إلى «إفريقيا» أكثر من مرّة، «السنغال» و«كينيا» و«جنوب إفريقيا» وغيرها، إنّما كنت أُنهى المؤتمر وأعود إلى موطني، «مصر» أولًا، ثم الإذاعة، غير أنّ قرار «السباعي» ضدّي، بالرّفد، دفعنى قسرًا للمضى فى رحلة المنفى، هذه الرحلة التى استغرقت من عُمرى ربع القرن…!

كلّما تذكّرت هذه الحكاية ضحكت، مع الوقت تصبح الحكايات المأساوية مُضحكة، نتذكّرها على سبيل الذكريات المُنتظرة دومًا.

أضحك أكثر عندما أتذكّر أنّ «السّباعي» أعلن ندمه بعدها..!

يا لها هذه من حياة..!

وأقول فى نفسي: «ألم يجدوا غيري؟»

ومع ذلك؛ تمرّ الحياة فى انتظار ما لا يجيء أبدًا.

ومع ذلك؛ سأنتظر كالعادة، لا أعرف ماذا سأنتظر، أنتظر حكاية جديدة أرويها، أو قصّة مُحكمة أفضّ بها شيئًا من نزاع رُوحي.

الكتابة تستخرج بواطن الأرواح، غاية الكتابة أن نستخلص، ولعلّنا نخلص، هل كنت حكيمًا متروّيًا أثناء كتابتي؟ أم كنت عجولًا متسرّعًا؟

أسأل نفسي، ولا أنتظر الإجابة.

أنتظر أمورًا أخرى، لا أعرفها، لكنّى أفعل، رجل يجلس وراء مكتب، أو على أريكة، يقلّب بين قنوات التلفاز، يتصفّح كتبًا قديمة، يبتسم هذه الابتسامة الراضية، نعم ابتسامة راضية، الزّمن يمنحنا تلك الابتسامات الراضية كلّما مضى، ومضت تتزاحم ذكرياتنا، أخشى أن يمضى كلّ شيء أيضًا، أقصد الذكريات والكتب والتّراب الذى يتكدّس فوق هذه الكتب، أقصد ببساطة كلّ الأشياء التى ظننا أنّها لن تمضي.

أبتسم ابتسامتى وأرفع عينيّ نحو السّماء، الشّمس تصافحهما، وتدلف من طوار النافذة، إلام أرنو؟ أقلّب الكتب، هنا كنت أدسّ الرسائل التى أكتبها لشخوص الماضي، لا بأس من بعض التخيّل، ما أكثر الشخوص التى تندثر حكاياتها ولا تندثر ملامحها..! كلّ شخوص رواياتى وقصصى يعيشون معي، بعضهم يأتى ليحتسى الشّاى جالسًا أمامى وجهًا لوجه داخل الشرفة، نتطلّع إلى الشّوارع المزدحمة بالحكايات، النّاس تسير كأنّها تحمل فوق أكتافها هذه الحكايات، يبحثون عن الذكريات المفقودة. الشّوارع مزدحمة، ورأسى مزدحم.

أنادى على «ستيفكا»:

– الشّاى «ستيفكا».

تخرج من المطبخ ضاحكة، تهتف بدلالها الطفولي:

– «بهاء».. اسمها من فضلك «ستيفكا».. من فضلك..!

أضحك، لم أعد أقوى على القهقهة، أقول وأنا أرمى عينيّ داخل عينيها:

– طيّب.. شاى من فضلك يا «ستيفكا» هانم.

– أيّ حاجة تانية..!

– شكرًا «ستيفكا»، شكرًا.

تتركنى وتدلف إلى المطبخ، أقول فى نفسي: ليس عليّ أن أسرف فى مطالبي، أجد فيكِ يا «ستيفكا» العزاء عن كلّ شيء، أعرف أنّ ما بدأناه سيكتمل.

سيكتمل ولو بعد ألف عام، وسأنتظر.

كالعادة، أرمى ذاكرتى نحو تداعيات الغربة البعيدة، نحو مباهجها وانكساراتها وعثراتها، ألم أزل فى غربة؟

كثيرًا ما سألت نفسي: هل تركت الغربة بمحض إرادتى وعُدت بهذا الكمّ من الحنين؟ أم أنّ الغربة ما زالت تسكننى وتستوطن أفكارى بل مصيرى نفسه؟

كم أحتاج إلى التقصّى عن آثار تلك الغُربة التى خلّفتها فى رُوحي..!

برغم أنّى عايشت قصّاصى الأثر فى كتاباتي؛ أولئك الذين كان أحدُهم بطلًا من أبطالها، رغم ذلك، لا يُمكنني أن أتكشّف آثار الغربة لا فى نفسى ولا فى كتاباتي، تجربتى فى الغربة زاخمة، عامرة بالأسى، عامرة مع ذلك بالتّجربة الحيّة والمخزون الوفير، لا أستطيع أن أوازن فيما بين الأسى وبين المعرفة التى اكتسبتها أثناء الغربة.

أعرف أنّى انتُزعت كانتزاع الزّرع من الغيطان عندما غادرت «مصر»، غادرتها وارتحلت بين أكثر من دولة، قضيت قرابة العشر سنوات ما بين «باريس» و«روما» و«نيروبي» وغيرها، كانت لديّ تجارب أغزر وأوضح وتلاق بمجتمعات وناس جُدد، وحياة متباينة، متقلّبة كثيرًا، لكن يبدو أنّ الثمن كان باهظا، فقد كنت كطائر يسافر عن غير حيلة بين السّموات، ولم يجد له موطنًا كموطنه الذى غادره.

رغم ذلك، أتاحت لى تجربة السّفر من «مصر» خبرة جاوزت فكرة الرّحيل نفسها، حيث لم تقتصر التجربة على كونها تجربة عمل ليس أكثر، بل بلغ تأثيرها حدّ أنّها تخالطت مع كتابتي، فتداخلت البيئات، فمن الصّعيد بتفاصيله المُلهمة وحكايات أمّى عنه، ثم «القاهرة» بتأثيراتها الطبقية والفِكرية على المجتمع، إلى الرؤية الشاملة، الرؤية التى تخصّ الإنسان فى عمومه.

عايشت طبيعة الصراع بين الشّرق والغرب من أكثر من زاوية، لعلّ أهمّها زاوية الإنسان فى حدّ ذاته، الإنسان متجرّد، فى الغربة أدركت أنّ مأساة الإنسان الشرقى لا تختلف كثيرًا عن مأساة الإنسان الغربي، كلاهما له طابع الإنسان الحزين، الإنسان فى العموم، فى الغربة شهدت العنصرية سافرة بغير أقنعة زائفة، لعلّ هذه أكثر ملامح التشابه بين الغرب والشّرق التقاء، عنصرية وتعصّب، بلا حدود، إنّها طبيعة الإنسان إذًا.

مع ذلك؛ أدركت فى الغُربة أنّ صدام الحضارات مجرّد تصور خبيث ومشبوه ومغلوط للعلاقات الدولية، أصبحت مؤمنًا بما أورده «طه حسين» فى كتاب «مستقبل الثقافة فى مصر»، من أنّ أعظم لحظات التّاريخ البشرى هي التى تمّ فيها تزاوج الحضارة، وأنّ الحريّة الداخلية قوامها النظام الديمقراطي، والحريّة الخارجية قوامها الاستقلال الصحيح، وسائل ذلك هى التى مكّنت للأوطان الأوروبيّة أن تكون حرّة فى داخلها ومستقلّة في خارجها.

أدركت جوهر الغرب متأخّرًا، ربّما هذا هو الجوهرالذى يبقى من صورة الغرب، الثقافة الإنسانية هى الجوهر الحقيقي.

بعد أن دُرت عبر العالم، استقرّ بى الحال فى «جنيف» مترجمًا للعربيّة فى «الأمم المتّحدة»، ولمدّة اثنى عشر عامًا متتابعة.

فى الواقع عُرض عليّ عقدان دائمان؛ عقد فى «باريس»، وعقد فى «الأمم المتّحدّة» فى «جنيف»، اخترت «جنيف» لأسباب كثيرة، أولّها فكرة الأمان، كانت أكثر أمانًا – وقتذاك – من «باريس»، ولأنّى كنت أصطحب معى ابنتيّ كل إجازة لهما، فوقع اختيارى على «جنيف»، وربّما لسبب قدرى آخر، ليس له علاقة باختياراتنا، سبب له علاقة بالنّصيب، هو أن أقابل زوجتى «ستيفكا».

هناك، فى هذا المكان الذى ستظلّ آثاره محفورة فى باطن ذاكرتي، فى مجريات حياتى من بعد ذلك.

هناك، فى «جنيف»، قابلت «ستيفكا» الحبيبة، رفيقة الدّرب.

 

http://greatmiddleeastgate.com/wp-content/uploads/2015/03/Bahaa-Taha.jpg