أن تَجدَ..! أنا وسمير فريد وصندوقى القديم   بقلم : خالد عزت   قرب النهاية بقليل وبعد سنوات من النسيان سقطت يدى على الصندوق وأنا أنحنى داخل خزانة ملابسى أبحث

998877

أن تَجدَ..!

أنا وسمير فريد وصندوقى القديم

 

15151542_1644068835892519_1290421285_n

بقلم :

خالد عزت

 

قرب النهاية بقليل وبعد سنوات من النسيان سقطت يدى على الصندوق وأنا أنحنى داخل خزانة ملابسى أبحث عن شىء تافه ضاع منى فى زحمة الأيام، لكننى تعثرتُ فجأة بشىء آخر من مخلفات الماضى كان مختبئا فى ظلمة وفوضى الخزانة، تحت ركام من الملابس والأشياء الأخرى. الصندوق كان يخصّ حذاء اشترته لى أمى من محلات «زلط» للأحذية بميدان العتبة قبيل بدء العام الدراسى بأيام قليلة. على ما أذكر، كانت قد اشترتْ لى أيضا فى نفس اليوم: طقما من الملابس الداخلية، وحقيبة مدرسية جديدة، بالإضافة إلى بلوفر صوف كاروه سمبوكسة، وقميصين من ملابس الأهرام. أمَّا هى فلم تشتر لنفسها شيئا سوى زجاجة عطر دقيقة الحجم لحقيبة يدها من ماركة «ياسمين الشبراويشى». تقريبا، كنا عند منعطف النهاية لسنوات السبعينات، حيث كنت وقتها أمر برهبة العبور إلى السنة الأولى من المرحلة الإعدادية، وبالتالى هجر مدرستى الأليفة الى عالم جديد لا أعرف عنه شيئا، ومن ثم كانت أمى تحاول استرضائى طوال الوقت كى أقبل الذهاب إلى المدرسة الجديدة التى اختارتها لى رغما عني. فى نهاية اليوم، وبعد طول لف ودوران بين المحلات، دلفنا إلى «امريكين عماد الدين» ونحن نلهث ونتخبط فى حمولتنا الثقيلة من المشتريات المدرسية. وبكرم مفرط غير معتاد، طلبتْ لى وجبتى المفضلة من الحلوى: طبق كبيرا ولذيذا من «الكيشون التروبكال»، بينما اكتفت هى باحتساء فنجال من القهوة السادة مشفوعة بسيجارة فلوريدا، ومن حولنا تناثرت فوق المقاعدالمجاورة أشيائى الجديدة، وبينها صندوقى العزيز الذى كان يرقد بداخله حذاء أسود مقاس 38 بنعل كِرِب ومقدمة فولاذية مستديرة حتى يتحمل لعب الكرة العنيف فى حوش المدرسة والشوارع الخلفية المحيطة بها. لكنه، وبعد شهور قليلة من ارتدائى له لم يتحمل رعونتى، ونزقى، فقمتُ بدفنه بيدى فى سلة القمامة المجاورة لباب الشقة، بعدإصابته بجروح وندوب مميتة. وفى اليوم التالى جاء الزبال وحمله مع النفايات الأخرى إلى مصيره الغامض، حيث لم أعرف عنه شيئا بعد ذلك. أمَّا الصندوق فقد آل فى البداية إلى أمى التى لم تواتها الشجاعة أن تتخلى عنه بإلقائه فى سلة المهملات، ومن ثمَ فقد أخذته ووضعته على التسريحة فى حجرة نومها. وعلى غير عادة صناعة الصناديق الكرتونية فى تلك الفترة، كان لصندوق حذائى مظهر أنيق لافت للنظر، بالنسبة لأقرانه من الصناديق الأخرى المتقشفة بشكل مزر، فقد كان مصنوعا من الكرتون المقوَّى المطلى بلو ن أخضر نضر، وقد زُخرفت جوانبه بنقوش منمنمة لاسم الفابريكة الشهيرة. بقى الصندوق مكانه على حافة التسريحة حتى بعد رحيل أمى، وبذلك يكون قد عاش عمرا مديدا متجاوزا كل الأعوام التى قضتها أمى فى الدنيا، وأيضا حياة الحذاء ذاته الذى قضى نحبه بعد شهور قليلة من خروجه إلى العالم على يد صانع مجهول. واحتفظت أمى فى حياتها داخله بأشيائها الصغيرة التى لم يطاوعها قلبها على فراقها، حتى بعد أن صار وجودها بلا معنى، ولم تعد صالحة للاستعمال اليومى: «فردة واحدة للساق اليمنى من جورب نصفى من النايلون، أصابع روج متآكلة الشمع تنتمى إلى موضات عفا عليها الزمن، مشط من العاج أسنانه محطمة، أربعة كعوب تذاكر دخول سينما قصر النيل حفلة التاسعة مساءً لحضور فيلم «دقة قلب»، مجموعة من رولات الشَعْر متهتكة السلك، عشرات من القصاصات المقتطعة من جريدة الأخبار لأشعار أغانى «أم كلثوم» المنشورة فى صفحة ابو نظارة، بطاقات القطارات التى اقلتنا ذهابا وإيابا اثناء عطلات الصيف مشبوكة الى بعضها البعض – وفقا لتتابعها الزمنى – بمشبك غسيل من الخشب، صفحة مقتطعة من كراسة الموسيقى الخاصة بواجباتى المدرسية وقد كَتبتْ عليها أمى فى لهوجة بخط غير عابئ بحدود الصفحة مراحل إعداد صينية «الكوسة بالبشاميل». لم أعرف حينها لماذا كان على أمى أن تحتفظ بكل هذه الأشياء المضحكة، كما لو كانت كنوزا ثمينة، إلا بعد أن كبرت وعرفتُ اننى ورثت عنها شغفها القديم الذى لازمها منذ طفولتها: هواية اقتناء الأشياء التافهة التى لا يأبه بها أحد. بعد موتها آلت التركة لى، الصندوق العجيب بكل كنوزه الزائلة، ولزمن طويل ظل يتنقل معى كظلى من بيت إلى بيت دون أن أعره اهتماما. أحمله حائرا من الشرفة الى المطبخ إلى الشوفنيرة الى الكومودينو إلى خزانة ملابسى، دون أن أدرى ما الذى يتوجب علىَّ أن أفعل به، أو حتى أفكر لحظة بمعاودة النظر داخله، لكى أسترجع – ربما – بعضا من ذكريات الماضى، كما كانت تفعل أمى بين الحين والآخر، مستعيدة لحظات هشة وعابرة فى حياتها، لكنها كافية لإطلاق ضحكاتها أو دموعها وهى جالسة امام الصندوق تعبث بمحتوياته وتدخن سيجارتها المفضلة. بيد أنى هذه المرَّة حملتُ الصندوق كاشفا الغطاء بعد سنوات من الغياب، متأملا الأشياء القديمة المغبرَّة التى كانت ترقد هادئة فى سلام راضية بنسياننا لها. وشعرت بظل ابتسامة يتمدد الى وأنا أعاود رؤية فردة الجورب اليمنى المتبقية، ولاحت لى ذكرى اختفاء الفردة اليسرى من خزانة ملابس أمى، عندما ظللنا ليومين متتالين نقلب عليها البيت رأسا على عقب فى جنون هذيانى عسانا أن نجدها مختبئة هنا أو هناك، لكننا لم نعثر لها على أثر. وهكذا تحدد مصيرالفردة اليمنى المنسية بأن تبقى أسيرة وحدتها النهائية فى قاع الصندوق. دائما ما كانت الأشياء التى نحبها تضيع منا، وعندما يأتى ذكرها بغتة نوارب أبواب الأسى ليدلف إلينا قليل من الحزن على فقدنا أشياء لن تعوَّض ابدا…. لكن أين اختبأت الفردة اليسرى من جورب أمى النايلون؟ رأيتُ صفحة كراسة الموسيقى وقد اصفر لونها بفعل القِدم، ومررت بعينى على قائمة المقادير التى أملتها جارتنا على أمى عبر اتصال تليفونى جرى بينهما منذ زمن طويل، واعدت قراءتها لنفسى سطرا وراء سطر، حتى توقفت فى ذيل القائمة عند جملة كتبتها أمى وراء الجارة فى نهاية المحادثة وهى تحذرها قائلة: «خلى بالك يا لولا ما ترجيش البيض جامد بالمضرب»!! هكذا كتبت أمى بكل إخلاص نصائح جارتها الطيبة طبق الأصل كما خرجت من بين شفتيها، حتى لا تسقط من ذاكرتها عفوا تفصيلة دقيقة وهى واقفة فى المطبخ تدور حائرة بين الحلل وشعلة البوتاجاز الموقدة والتطلع بين لفتة وأخرى إلى الصفحة. حركت برفق السطح وقد ازداد فضولى فى التوغل إلى القاع، جارفا إلى جنب أوراق أخرى منسية، فانفرط امامى سيل من الصور العائلية كأوراق الكوتشينة، ومن اسفلها ظهر لى كتاب «سمير فريد» -العالم من عين الكاميرا – بغلافه المهترئ والذى تعود طبعته الأولى إلى نهاية الستينات من القرن الماضى. كان الكتاب هو الشىء الوحيد الذى ينتمى إلى عالمى الضيق من بين زحمة الأشياء الأخرى التى رحلت عنها صاحبتها، مثلما كان الكتاب نفسه ينتمى إلى عالم قديم من الأحلام الثورية التى لم يعد لها مكان على أرض الواقع فى الألفية الثالثة. أخرجتُ الكتاب بحرص وأنا أفكر فى ان كل ما اجتمع مصادفة داخل صندوق حذائى هو ما أصبحت عليه الآن. فبإمكان الأشياء التافهة أن تقرر بشكل حاسم ما سيكون عليه المرء فى صيرورة حياته: كأن يكون شاعرا أو قاتلا لأحبائه، فالاحتمالات جميعها تكتنف الفسحات الضيقة الكائنة بين الأشياء المرئية، والتى لا يمكن الاحساس بثقل وجودها الخفيّ عَبَرْالنظر…. لكن كيف انفلت الكتاب من ربقة رفوف المكتبة متسللا خلسة إلى ظلمة الصندوق؟ كنت قد نسيته وسقط اسمه من قائمة ذاكرتى للكتب التى حررها الناقد خلال حياته المهنية. وفى الحقيقة كان هذا الكتاب الذى أقبض عليه الآن هوالكتاب الثانى لى فى سلسلة قراءاتى المبكرة عن فن السينما. امَّا الكتاب الأوَّل فكان «فن الفيلم» للناقد ارنست لندجرن – طبعة وزارة التربية والتعليم الإقليم الجنوبى «هكذا كتب على الغلاف» – والذى قمت باقتناصه خلسة من مكتبة المدرسة بعد أن فتنتُ بين صفحاته برؤية صورة لوجه مُكبر مأخوذة عن فيلم «المدرعة بوتِمكين»، هذا ما كان يعنينى: «صورة الوجه»، حيث كنت وقتها شغوفا بتعلم مبادئ التصوير الفوتوغرافي، بعدما سمحت لى أمى باستخدام كاميرتها الخاصة «لايكا» التى كانت تعمل بفيلم حساس مكوَّن من 16 صورة. أمَّا كتاب «سمير فريد» فقد حزتُ عليه – دون قصد بعد صفقة عقدتها مع أحد بائعى الكتب المستعملة بسور الأزبكية، وبموجبها حصلتُ على غنيمة هائلة من كتب: «المغامرون الخمسة للناشئين/ مجلد ضخم من مجلدات تان تان/ عدد واحد من أعداد السلسلة العلمية «كل شىء عن؟» يدور حول الثعابين والأفاعى/ العدد الأول من مجلة ميكى جيب الذى فاتنى شراؤه عند صدوره»، لكن عندما عدتُ إلى البيت وألقيت نظرة خاطفة على الكتاب أصابتنى صدمة مروِّعة وشعرت بالخديعة، فقد حسبته فى البداية يدور حول مبادئ فن التصويرالفوتوغرافى بعدما قرأت لفظة «كاميرا» تتصدر عنوان الغلاف، لكنه لم يكن كذلك، والمصيبة الكبرى انه لم يحتو بين طياته على أية صور لممثلات عاريات من اللواتى كنت أحب مطالعة صورهن بمجلة الكواكب. فقط كانت هناك صورة واحدة سيئة الطباعة بالأبيض والأسود لفتاة صغيرة الِسنْ تظهر سُرتها البائسة من خلال فتق مصطنع فى قميصها، وقد خلا الكتاب مما يجذبنى اليه، فألقيت به غاضبا وأنا اشعر بالخيبة لاندفاعى فى إهدار مصروفى الصغير فى شراء ما لا يفيد من الكتب. أستطيع أن أكتب الآن متلعثما فى بضع كلمات هى كل ما تبقى لى، وأنا أقتفى تلك الآثار الغامضة التى سممت حياتى ودفعتنى إلى السقوط فى الشَرَك بعد إحكام سجنى داخل قوقعة من الصور والكلمات. لقد صيرتنى فى النهاية كتابات «سمير فريد» النقدية عن السينما – التى شغفت بها منذ ذلك الوقت – إلى كتابة النقد السينمائى وأنا فى السادسة عشر من عمري، متأثرا بطريقته الشاعرية فى الكتابة – والتى عجزت عن التحرر منها حتى الآن – والمرصعة بأفكار سارتر الوجودية، وتقنياته الأسلوبية فى قراءة الأفلام وفك شفراتها عبر جملة من الاستعارات الثقافية المنفتحة على التراث الأدبى والفنى والفلسفى. إنها الطريقة الإنسانية الوحيدة ليس فقط لفهم العالم الغامض، وترويضه، عبر دفعه إلى متاهة من الاستعارات اللُغوية فى محاولة تأويله وهدهدته، بل أيضا الطريقة المؤكدة لتهذيبه من الرعب الوحشى الكامن داخله، أن تراه متَخيلا كشريط سينمائى يجرى دون توقف، لكنه فى ذات الوقت، يستعصى على الإصلاح وتدارك الأخطاء بعد انتهاء مرحلة التصوير أو بالأحرى الحياة. لقد أرقنى طويلا الصراع بين «المبدع/ الناقد» بداخلى، فكليهما يسيران فى اتجاهين متعارضين إلى حد التنافر، لكنهما متلازمان كفعل الحب والكراهية. واذا كان المبدع – أيا كانت مادة عمله – يقوم بتشييد عوالم موازية ومحاكية للعالم بحثا عن المعنى فيما وراء الأصل المتشظى، مستندا الى شروط جمالية اكثر تنظيما وعدالة فى اهدافها بأن يصيغ من الفوضى شكلا، ضمن صيرورة متصلة بالسؤال البدئى: «لماذا نموت؟» فشاغله الأساسى هوالخلود والدوام لعوالمه المختلقة. على العكس من ذلك، فإن عمل الناقد وشغله الشاغل هو «الهدم»، أن يقوض ما صنعه المبدع فى لحظة انفعاله العاطفى اللاوعى، وهوسه الجنونى بالاصطناع، ليعيد كل شىء إلى سيرته الأولى التى كان عليها فى البدء، ليصل إلى الفكرة التى انطلق منها كل شىء، بأن يذيب «الشكل» إلى عناصره الأولى. وكما ان العالم لا يمكن أن يعاش هكذا غفلا من المعنى، كالخراء، كذلك الأفلام والأعمال الفنية والأدبية، لا تدوم حياتها دون تبرير لوجودها فى الزمن: «لا تدوم حياة كائن إلا ما تدومه فكرة»، مثلما يردد خورخى بورخيس فى قصصه. والسؤال الفلسفى الخالد: «لماذا أنا موجود هنا؟» من الممكن أن ينسحب أيضا على الأعمال الفنية التى تظل تطارد «الناقد» وتسائله بذات السؤال الملِح عبر فعل التلقى الجمالى المتغير من حقبة إلى أخرى، بحثا عن المعنى من وراء خروجها إلى عالم الوضوح والتقنية بدلا من بقائها فى عالم المادة المظلمة «الكاووس» حيث التشوش والاختلاط الكامل، والوجود الغفل الأعمى الذى لا يفقه أسباب وجوده، وحيث يجد «الناقد» نفسه مجبرا على الإجابة عن ذات السؤال الذى يواجهه به العمل الفنى: «ما الهدف من صنعى وسجنى داخل إطار، أو كتاب، أو عبر آلاف الأمتار من شرائط السلولويد..؟». عندما أصدر سمير فريد كتابه «العالم من عين الكاميرا» كان يبلغ من العمر آنذاك 24 عاما، بينما لم تكد حصيلتى اللغوية قد جاوزت حينذاك خمس كلمات بالعدد، كان الكتاب يتناول عبر منهجه فى النقد التطبيقى أهم الأفلام التى عرضت عام 1968. إنه العام المحدد لإسدال الستار الفعلى على حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية بكل أفكارها وشعاراتها البراقة، «عام نهاية الأحلام» بتعبير برناردو بيرتولوتشى فى فيلمه «الحالمون»، عندما احتل الطلبة فى أحداث مايو شوارع باريس، لتتصاعد الاحتجاجات بعد ذلك، وتتواصل أمام مشهد سحق الدبابات السوفييتية لتمرد «براغ» فى 21 أغسطس من نفس العام. فكل شىء كان يشرف على نهايته مثلما كان الناقد الشاب أيضا يشرف على مفارقة الشعارات والاحلام التى آمن بها وهو يقف عند مفترق طرق يواجه تحولات بلده بعد هزيمة حزيران والتى كانت تتويجا لفشل الحكم العسكرى لمصر فى مساره المضاد لحركة التاريخ. لقد كانت حقبة مستعرة فى كل شىء، وبتعبير اخر: اكثر الحقب فى ادبيات تاريخ الثقافة صخبا وعجيجا باللغو الايديولوجى الذى كان يؤججه فى ذلك الوقت الصراع بين النظرية الماركسية والرأسمالية، وبين النظم الشمولية والليبرالية، والذى وصل إلى ذروته بإعلان الحرب الباردة، والذى انعكس بدوره جماليا – وبشكل عصابى- على كل الفنون المقدمة فى تلك الفترة، وايضا النظريات النقدية المطروحة انذاك فى السجال الثقافى الدائر حول مفهوم: الفن للفن، والفن والمجتمع، وإشكاليات المثقف العضوى تجاه مجتمعه ودوره فى تثوير تلك المجتمعات النامية، ثم مسئوليته الأخلاقية تجاه النوع الإنسانى بكامله والذى لا يزال مهددا فى الحاضر بتكرار مأساتى هيروشيما وناجازاكى. بالإضافة إلى الانشغال بفضح اشكال وممارسات الهيمنة الاستعمارية والاستغلال الاقتصادى للمجتمعات الفقيرة. سنوات من الغليان مزدحمة بحروب السيمولوجيين وتناظر العلامات المتطايرة فى كل اتجاه/ الصراع الحاد بين سينما النثر وسينما الشعر/ انتشار الجماعات اليسارية والفوضوية المتطرفة واختلاط المفاهيم بين ما هو ثورى وما هو إرهابى/ صعود التجمعات النسوية المنادية بحق الإجهاض/ ازدهار سينما المؤلف المتأثرة بكتابات المنظرالسينمائى «الكسندر استروك» ونظريته «الكاميرا – قلم»/ شيوع سينما الاغتراب والعصيان ضد الرأسمالية ومفهوم التشيؤ ووضعية الانسان المعاصر فى المجتمعات الصناعية الحديثة/ اختلاط منشورات الغضب السياسى ضد حرب فيتنام بمقولات سارتر وكامو الوجودية بالشعارات المنادية بالحرية الجنسية وأفكار هربرت ماركيوز/ ظهور تيار ما يسمى بالسينما الثورية/ اجتياح حمى موسيقى الروك اندرول العالم/ تنامى ظاهرة التجمعات الطابوية والمشاعية المنشقة عن مجتمعاتها المدنية. تلك كانت المشهدية البانورامية التى كان عليها العالم خلال عقدى الخمسينات والستينات، والتى تقوت عليها الكتاب فى افكاره وتردد صداها عبر تيمات الافلام التى عكف سمير فريد على تحليلها. اما عن الموضوعات التى كانت مطروحة فى تلك المرحلة فتتلخص فى خلق وايجاد صورة مجتمع جديد وحديث تقوم فية الثقافة بالدور الديناميكى الفعال فى معطيات وجوده وتثويره. ولم يكن هذا الوعى الاستراتيجى غائبا عن إدراك الناقد الشاب – ومعظم جيله – خلال تحليلاته النقدية للأفلام، والتى كانت مشحونة بكل الإرهاصات السياسية والجمالية التى يتفجر بها العالم آنذاك، بالإضافة إلى السعى نحو إيجاد تيار سينمائى جديد من داخل نطاق السينما المصرية كأحد الأهداف المهمة من وراء نشر الثقافة السينمائية بين قطاعات مهمشة اجتماعيا، من اجل خلق إدراكات ذوقية جديدة تناسب تطلعات المجتمع الاشتراكى الجديد. يكتب سمير فريد فى مقدمة كتابه «العالم من عين الكاميرا»: «إن النقد السينمائى فى مصر حيوان هلامى لا جسد له ولا عقل، وهو كذلك على المستويين النظرى والتطبيقى، ولا غرابة فى ذلك فموضوع النقد هو الذى يخلق مستواه، والفيلم المصرى باعتباره الموضوع الأساسى للنقد السينمائى فى مصر كان لا بد أن يخلق نقدا هلاميا بضروة فساده المزمن». لا تخرج فصول الكتاب عن الانشغالات الجارية فى ذلك الوقت مثل مراجعة وتمحيص المفاهيم المغلوطة السائدة عن المذهب الواقعى متتبعا فى ذلك خطى الناقد «محمد مندور» فيرى ان على السينما المصرية أن تتخلى عن مفاهيمها السطحية عن الواقع باكتفائها بالمظهر الفوتوغرافى للبيئة المصورة، وان تتجاوز ذلك إلى مرتبة الموقف الفكرى الذى يتخذه الفنان إزاء الواقع، عبر استخدام الشكل الفنى الملائم للتعبير عن هذا الموقف. كان يحاول منذ البدء إصابة القلب مباشرة فى عملية التذوق الفنى، بخلخلة العادات الذهنية المتحجرة لأشكال التلقى، والتى تحتوى داخلها – وبشكل معقد – كل الموروثات اللغوية لطرق التفكير والتصورات عن «الدين/ الجنس/ السياسة» وصولا الى المحرَّم. مررتُ بعينى بين صفحات الكتاب، كان يتنقل بثقة وحماس شاب بين سينمات العالم عابرا من الغرب إلى الشرق، ومن الجنوب إلى الشمال، وقد أثملته الشعارات المرفوعة آنذاك، حيث يقدم فيلم «السراب» للمخرج ادوارد ديمتريك قائلا فى مفتتح مقاله: «ما أعظم أن يعرض على شاشة السينما فيلم كالسراب يدين السياسة الأمريكية والحياة الرأسمالية ويعلن أن السلام فى امريكا «سراب» فى الوقت الذى يأمر فيه جونسون بضرب هانوى عاصمة فيتنام الشمالية المناضلة، ثم يتوجه إلى ضيعته غير عابئ بالرأى العام العالمى، ولا عجب ففيلم السراب صنعه مناضلان – الكاتب هاورد فاست والمخرج ادوارد يميتريك – من اجل مستقبل افضل للإنسان». ومن الأفلام المستوحاة عن روايات نجيب محفوظ «القاهرة 30/ خان الخليلى/ السمان والخريف» -مقارنا بين النص الأدبى وكيفية تحوله إلى الوسيط السينمائى – إلى فيلم «هذه الملكية مدانة» للمخرج سيدنى بولاك والمقتبس عن الأصل المسرحى للكاتب تنسى وليامز، قافزا الى فيلم «معركة الجزائر» للمخرج الإيطالى «جيلوبونتيكورفو» متبنيا تساؤلات حول كيفية إيجاد سينما ثورية ترتبط بالجماهير وبالحركة الاشتراكية العربية، والارتباط العميق بين الفن والواقع، معتبرا ان فيلم معركة الجزائرنموذج للسينما الجزائرية الثورية التى نشأت من خلال الثورة وحرب التحريرالشعبية. عدتُ إلى البحث بين رفوف مكتبتى عن المقالات النقدية التى كتبها الناقد خلال الثمانينات، والتى كنتُ احرص على جمعها واقتطاعها بحرص من جريدة الجمهورية كل يوم اثنين من كل اسبوع، متكبدا عناء غسل يدىَّ فى كل مرة ألمس فيها الجريدة التى كانت تنضح فى التو بأحبارها السوداء، لقد كانت فى الحقيقة الجريدة الأقذر على مدار تاريخ صناعة الصحافة منذ اختراعها!

 

2

 

ثمة شىء فارق فى حساسيته ورهافته كان قد طرأ على الخطاب النقدى لـ«سمير فريد» متبدَّيا فى نظرته وقراءته للأفلام خلال سنوات السبعينات وما تلاها، كما لو ان الناقد قد طرح عن كاهله حملا اثقل روحه طوال السنوات الفائتة، وقد بدا متحررا من احمال الستينات بكل شعاراتها الأيديولوجية، متخففا من السياقات والتوجهات الرسمية ذات النزعة الديموجوجية فى إثارة الجماهير. بالفعل، كان المزاج الجماهيرى الكونى قد بدأ تدريجيا فى التحول إبان تلك السنوات: سنوات التانجو الأخير فى باريس وصعود نفوذ سلطة الإعلام والماس ميديا وثورة التكنيك فى الأفلام الإباحية مع تعاظم النزعة الاستهلاكية وازدياد تأثير النظرية الثقافية خارج الإطارالاكاديمى لتشمل داخلها كل الممارسات البشرية على كوكب الأرض. فى نفس الوقت الذى خلع فيه «اليتش راميرتز سانشيز» عباءة الثورى الماركسى المنضوى تحت راية الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ليرتدى قناع «ماركوس» الإرهابى ذا الألف وجه، بينما كانت الشكوك تلاحق المفكر الفرنسى «ريجى دوبريه» حول ما اذا كان قد كرر ما فعله يهوذا بالمسيح، بأن اقدم على تسليم صديقه الأممى «تشى جيفارا» الى اعدائه، إنها سنوات من التحولات الدراماتيكية التى ستنتهى حتما بسقوط حائط برلين عام 1989 ليدشن معه نهاية القرن العشرين. وفى ظنى ان هذه الانقلابات هى نفسها التى ساهمت فى تحولات الناقد الرؤيوية والمتعلقة آنذاك بأزمته العقلية وحيرته داخل متاهته، او بالأحرى أزمة العثور على إجابات مطمئنة تتعلق بالأسئلة الجمالية والوجودية القلقة التى يصطدم بها على الشاشة، وهو ما دعاه فى ظنى إلى إعادة النظر فيما يتصل بأفكاره السابقة، وبتجديد الرؤى إزاء المفاهيم الفنية كما تتمثل فى كتابات المفكر الفرنسى روجيه جارودى وبالأخص كتابه الشهير «واقعية بلاضفاف 1965» – والذى سيصبح منذ ذلك الوقت بالنسبة اليه انجيله النقدى وقاموسه الذى يقتبس عنه – ايضا استكشافاته وبشكل اجمالى لرؤية التيارات الوجودية لفلسفة ووظيفة الفن وموقفها من الإنسان والعالم، وعلاقة الجسد فى تموضعه داخل العالم، والنظر إلى الإنسان ككل من ناحيته الواعية واللاواعية، ومحاولاتها التوفيق بين النظرية الماركسية والوجودية. وهى تحديدا الإشكاليات التى ستحتل المشهد السينمائى حتى بلوغ نهاية القرن المنصرم الممزق بين الالتزام العقائدى والدينى وبين الفردية الغريزية الخالصة. يصف سمير فريد فيلم «التانجو الأخير فى باريس 1970»: بأنه اعظم افلام «برناردو بيرتولوتشى» ففيه يواجه لأول مرة الحاضر الآنى مباشرة فى زمن تصوير الفيلم إذ ان كل افلامه السابقة تدور فى الماضى القريب، وفيه أيضا يحل بيرتولوتشى التناقض بين السينما السياسية التى يصنعها «فرانشيسكو روزى» وبين سينما الرؤى الذاتية التى يصنعها بازولينى، إنه على حد تعبير سارتر فى «مالأدب» أراد أن يجمع بين الظرف التاريخى والمطلق الميتافيزيقى وان يحقق ما يسمى بأدب الظروف الكبيرة». وبعد ست سنوات سيكتب ايضا عن تحفته التالية «1900» بمجلة الطليعة تحت عنوان «الصراع الكبير بين الاشتراكية والفاشية» قائلا: «إن 1900 هو تعبير اخر عن سينما الظروف الكبيرة، فهو عبارة عن عناق بين التاريخ والذات». وعن سينما الرؤى الذاتية يكتب عن بازولينى تحت عنوان «اوديب: خارج التاريخ»: جاء بازولينى إلى السينما وقد اتخذ مسارا خاصا به منذ أول افلامه فهو نموذج لفنان السينما الذى يعبر عن رؤية خاصة للواقع من حوله، ورؤية بازولينى للواقع رؤية يسارية واضحة ضد البرجوازية، ولكن بازولينى من ناحية أخرى ينظر إلى العالم نظرة تراجيدية. إنه يلخص على نحو عبقرى الصراع بين الماركسية والكاثوليكية فى ايطاليا المعاصرة، ويعانق كل التناقضات الفكرية والمادية فى عصرنا، وهو فى معالجاته الأسطورية يبحث عن الحقيقة الإنسانية المطلقة، انه يحاول اكتشاف الجوهر ولهذا يضع معالجته لميديا واوديب خارج التاريخ، ومن ناحية اخرى فإن الاسطورتين تفجران أقصى طاقات الإنسان فى تمزيق اكثر المحرمات تقديسا عبر تاريخه كله». وبعد سنوات طويلة وفى العام 1996 يكتب عن موت بازولينى القاسى، بعد ان صاحب افلامه طويلا بالنقد والتأويل، عقب مشاهدته فيلم «نيروليو» للمخرج الايطالى «اورليو جريمالدى» الذى يدور حول الأسابيع الأخيرة من حياة بازولينى حتى مصرعه، لكنه لا يقرأ الفيلم وهو يكتب عنه من منظور معرفته بالسيرة الذاتية لبازولينى، ومدى مطابقتها لأحداث السرد الفيلمى بل من خلال استحضاره لصوت بودلير فى ازهار الشر وهو يستجلى التيمة الخفية للكراهية التى تستتر وراء مشاعر الحب فى فيلم جريمالدى. قبل ذلك بعشرة أعوام واثناء انعقاد مهرجان كان السينمائى عام 1986 كتب مقالا بعنوان «القربان اعظم وصية فى تاريخ السينما» عن المخرج الروسى «اندريه تاركوفسكى» وفيلمه «القربان» الذى عرض داخل المسابقة الرسمية ونال جائزة لجنة التحكيم الكبرى. كان الناقد ينعى إلى قرائه حياة المخرج الذى باشر تصوير فيلمه الأخير وهو يعلم بمرضه وانه فى طريقه إلى الموت، بعد أن عانى طويلا آلام الحنين إلى موطنه وهو فى المنفى. وبينما كان الناقد يكتب كان تاركوفسكى يرقد داخل مستشفى بباريس ينتظر اللحظة الفارقة: «إننى أدعو له منذ علمت بالنبأ، لكن كل التقارير الطبية تؤكد ان السرطان يأكل فنان السينما الكبير اندريه تاركوفسكى، وسواء أكان القربان هو الفيلم الأخير لمبدعه ام كان للبشرية حظ تلقى اعمال فنية اخرى منه، فان القربان هو خلاصة فكر وفن تاركوفسكى ووصيته إلى كل إنسان، وإن بدا مجرد وصية إلى ابنه اندريه الصغير. ظلت لغة السينما منذ بدايتها لغة للسرد القصصى بأساليب مختلفة وكانت المحاولة الأولى لتجربة لغة السينما كلغة فلسفية فى فيلم «الختم السابع» اخراج برجمان، ولكنه كان ترجمة للأفكار من لغة الكلمات إلى لغة السينما، ثم جاء تاركوفسكى فى فيلم «المرآة» واستكمل المحاولة وقد اوصلها الى ذروة الاكتمال فى القربان باستخدام مفردات لغة السينما للتعبير الفلسفى المباشر عن محنة الوجود الإنسانى بين الحياة والموت، والزمان والمكان، والمعرفة والجهل، ومحنة الحضارة الغربية بين الدين والعلم». ومن وصية تاركوفسكى الأخيرة قبل الرحيل يذهب الناقد إلى وصية كيرواساوا فى اخر لقطات فيلمه «احلام» مفتتحا بها نصه «كيرواساوا والعودة إلى الطبيعة» وقد ايقن داخله ان سر الفيلم مرهون بترديد تلك الكلمات لإدراك المعنى الخفى من وراء صورالأحلام التى تراءت لرجل فى الثمانين من عمره: «عندما يحين الأجل أريد أن أدفن على شط جدول صغير فى قرية صغيرة تعيش على طواحين الماء، ودون شاهد قبر، وانما حجر غير مسنون يضع عليه اطفال القرية الزهور، ويقولون مرَّ من هنا رجل غريب ودفن حيث مات».

 

5 6

 

قبل بضعة ايام، وبينما كنت منهمكا فى تأمل ما وجدته داخل صندوقى العزيز عرفت بمرضه الشديد وانا اطالع مقاله اليومى فى الجريدة، كان يعتذر لقرائه عن عدم قدرته الجسدية على السفر لتغطية بينالى فينيسيا للسينما، وإن اعباء المرض تدفعه إلى التفكير جديا فى اعتزال كتابة النقد السينمائى بعدما يقرب من خمسين عاما من العمل المتواصل. كتبتُ اليه على الفور رسالة عَبْرالبريد الالكترونى رجوته فيها بألا يتوقف عن الكتابة مهما كانت درجة الآلام الجسدية التى يحس بها، لكننى كنت اعرف فى قرارة نفسى ان ممارسة الكتابة لا تخفف من وهن الجسد بقدر ما تزيد من آلام الروح. اعدتُ قراءة نصوصه النقدية عن افلام كيرواساوا وشاهدت فيلم «أن تعيش» مرارا وتكرارا لعله يعيننى على أن افهم شيئا من صيرورة حياة بلا معنى خالية من الإيمان. واستحضرت امامى ما كتبه بفرح عن فيلمى «ابيقوريّ الجسد والروح» وانا فى العشرين من عمري، دون ان افهم لماذا سار كل شىء على هذا النحو. لكننى فجأة تذكرت دون مقدمات وأنا اضع الصندوق مكانه فى قاع الخزانة أننى غفوتُ قبل سنوات وأنا أُشاهد فيلم عباس كياروستامى «طعم الكرز» فى عرضه الأول بصالة سينما تراس تيفري. مرَّة واحدة سقط رأسى من التعب على كتف زوجتى الراحلة باولا الجالسة بجوارى بعد فوات عشر دقائق على بداية الفيلم حيث رحتُ فى النوم، فيما كانت تتسلل الىَّ فى تهويمات النعاس أصوات الفيلم الدائر وحوارات الممثلين المبهمة وصوت موتور السيارة وهى تتقدم على طرق وعرة بين المحاجر فى رحلة بحث البطل عن شخص ما لا يعرفه بمقدوره أن يوكل اليه مهام دفنه بعد الموت. وخُيل الى فى لحظة عابرة انه من الممكن ان تدوم الحياة هكذا الى الأبد كفيلم، أو كحلم، وانا غاف عن كل شىء، غير عابئ بأى شىء من حولي، فليس على النائم حرج. تصورتها فيلما له بداية لكننى لا أدرى متى سينتهى، وعلى اى شكل ستكون هذه النهاية، حين تظلم الشاشة وتكف آلة العرض عن الدوران ويحل الصمت على القاعة..! إنه أنا وكأنى فارقتُ الدنيا.

 

الكاتب في طفولته

الكاتب في طفولته

 

 

_______________________________

  • خالد عزت
  • سينمائي