الثقافة والتعليم.. قضية أمن قومى د. محمود الضبع   ما مدى ما قدمته أو يمكن أن تقدمه التربية والنظم التعليمية إلى الثقافة فى مجتمعاتنا العربية؟ هل استطاعت التربية عبر

4rrr

 

Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2015-11-02 15:06:01Z |  |

الثقافة والتعليم.. قضية أمن قومى

د. محمود الضبع

 

ما مدى ما قدمته أو يمكن أن تقدمه التربية والنظم التعليمية إلى الثقافة فى مجتمعاتنا العربية؟

هل استطاعت التربية عبر عصورها المختلفة أن تسهم فى تكوين الثقافة فى المجتمعات، بمعنى هل يمكن أن يكون هناك جيل يدين فى ثقافته إلى التربية ونظم التعليم على نحو أو على آخر؟

وهل ارتبط ذلك بالسلطة الحاكمة فى رسمها السياسات التعليمية لمجتمعاتها؟

وماذا عن الشعوب التى لا تنفذ سياسة تعليمية واحدة أو نظاما تعليميا واحدا، مثل مجتمعنا المصرى الذى تعددت فيه نظم التعليم منذ ما يزيد على قرنين من الزمان : الدينى بأنواعه، والأجنبى بلغاته، والخاص بأنواعه ومرجعياته الدولية، والحكومى الرسمى والتجريبى والقومي…إلخ؟ وهل هناك شعوب لا تنفذ سياسة تعليمية واحدة؟

بكل تأكيد الإجابة بالنفي، فكل أمة لها سياساتها التعليمية والتربوية حتى قبل انتهاج هذه السياسات بالمفهوم المعاصر، ففى الأمم الرعوية والزراعية والبدائية كانت هناك دائما سياسات تربوية تصدر عن سيد القوم أو الزعيم أو الحاكم نحو تعليم الأبناء، وماذا يجب أن يتعلموا تبعا لاحتياجات البيئة والدور المنوط بهم أو الذى يتم إعدادهم له، حتى وإن لم تكن هذه السياسات معلنة أو مدونة، لأنها شيئا فشيئا تصبح جزءا من موروثهم الثقافى يتبعه الجميع على أنه المألوف والعرف، وما دونه خروج عن العرف، وهو ما لا تقبله هذه الأنواع من المجتمعات.

وقديما قال «كانط» إن ما يميز الإنسان عن الحيوان هو أن «الإنسان لا يستطيع أن يصبح إنسانا إلا بالتربية»، وبالتالى لا وجود لعمل أو للغة أو لثقافة بغير تربية، أما جون ديوى فقد آمن بأن «التربية هى الحياة نفسها وليست مجرد إعداد للحياة، وهى عملية نمو وعملية تعلّم وعملية بناء وتجديد مستمرة للخبرة، وعملية اجتماعية»، ولتكون التربية عملية حياة لا بد أن ترتبط بشئون الحياة، ولتكون عملية نمو وعملية تعلم وعملية اكتساب لخبرة لا بد أن تراعى فيها شروط النمو وشروط التعلم وشروط اكتساب الخبرة، ولتكون عملية اجتماعية لا بد أن تتضمن تفاعلا اجتماعيا ولا بد أن تتم فى جو ديمقراطى وجو اجتماعى صالح.

إلا أن الواقع الفعلى للأمم العربية يشير فيما يتعلق بالتربية على كل الأصعدة إلى حقائق قد لا تبدو غافلة، فالتعليم على الرغم من انطلاقه من مسلمات محاولة تقريب الثقافة العامة، والمتغيرات الثقافية الطارئة، إلا أنه لم يستطع يوما أن يكون سابقا للثقافة ومتحكما فى رسم سياساتها وتوجهاتها، بل على العكس من ذلك، فالتربية فى مفهومها العام: هى عملية اجتماعية تسعى لإحداث تغيرات إيجابية فى سلوك الفرد وشخصيته من الجوانب العقلية والنفسية والاجتماعية كافة، بهدف إعداده للحياة بصورة متوازنة ومتكاملة. وذلك كله فى ضوء السياسة التربوية «حصيلة الفلسفة التربوية المستمدة بدورها من الفلسفة الاجتماعية» وفيها يحدد أصحاب القرار الاختيارات التربوية من نظم وإجراءات وأساليب بما يكفل تحقيق أهداف التربية.

ولعل الأزمة الحقيقية فى التربية ونظم التعليم العربية، هى ارتباطها بسياسات تربوية متغيرة دوما بتغير القائم عليها «القائمين عليها»، إما بدافع بناء أمجاد وهمية لصالح تاريخ وهمي، أو لصالح إثبات خطأ السابقين، ومن ثم تبدأ المسئولية دوما لا من حيث انتهت مسئولية السابقين وإنجازاتهم، وإنما بوصفها أرضا جديدة تحتاج إلى رسم سياسات جديدة، وعلى الرغم من الاستعانة دوما بخبرات لها فى عالم الإعلام ما لها من شهرة، إلا أن النوازع الشخصية دوما تحرك مثل هذه السياسات، فالسياسة التعليمية تنطلق دائما من السياسة العامة للأمة/ الدولة، وهى سياسة لا تخضع للمحاسبية سوى من قبل القيادات الأعلى، أو من قبل الإعلام، وكلاهما قد لايكون متخصصا فى مجالات التعليم، وعليه تظل الأزمة قائمة، فالتعليم كما هو مقرر استثمار فى القوى البشرية، وذلك النوع من الاستثمار لا يمكن جنى ثماره على المستوى الزمنى القريب، وإنما يحتاج إلى أزمان طويلة شأنه شأن أية تغيرات فى السلوكات البشرية.

أمر آخر يزيد من تبعية هذه الأزمة، وهو مرتبط بالسياسة العامة التى تتحكم فى نظم التعليم، وهو المركزية التى تهيمن على اتخاذ القرار وأنماط الإدارة فى بعض البلدان العربية، تلك المركزية التى تعمل دوما على تمركز السلطة فى يد شخص واحد، ترتبط به سلسلة مترابطة الحلقات عبر نظام لا يحقق سوى العرقلة فى مسيرته التى ترتبك بين التحرك فى دائرة مفرغة والعودة إلى الوراء فى أكثر الأحيان.

https://www.islamtoday.net/media_bank/image/2012/12/24/1_20121224_30274.jpg

أحد الحلول التى يمكن لها الإسهام فى مثل هذه المشكلات تتمثل فى استحداث نمط إدارى يعتمد تفتيت السلطة، بمعنى نقل مسئولية التعليم والتعلم من أيدى المسئولين إلى يدى المجتمع، بتوزيع الأدوار والمسئوليات على الأقاليم الجغرافية والمحافظات، وانتقال سلطة الدولة من التحكم لا فى تسيير العملية وإنما فى الحكم على المنتج النهائى بمفاهيم الجودة الشاملة المعاصرة، ولا يتوقف الأمر عند الإدارة فقط، وإنما يتجاوزه إلى المعارف والقيم والاتجاهات والمناهج وأساليب التدريس وإعداد المعلم وأساليب الامتحانات والتقويم، بأن تترك كل هذه الأمور فى يد المحافظة ومسئوليها مجتمعين، وتقرر الدولة ما لا يتجاوز نسبته 30% من كل هذه الأمور تتتمركز سلطته فى يدها، وتترك نسبة 70% للقطاع/ الإقليم/ المحافظة لتقرر مصيرها فيه، وبالضرورة قبل كل ذلك توزيع مخصصات الدولة للتعليم «الميزانية» على هذه القطاعات/ المحافظات تبعا لعدد المتعلمين فيها «وهو المقياس العالمى لتحديد ميزانيات التعليم فى العالم».

إن مثل هذه المقترحات، وما يشابهها من إمكانات الخروج عن التقليديات والانفتاح على عوالم أرحب من الفكر يمكن لها عند دراستها من قبل الجهات المعنية «الجهات القانونية، والمالية، والإدارية، وكل السلطات التنفيذية» أن تحقق كثيرا من التقدم المأمول لصالح بناء ثقافة عربية صارت تعتمد على التعليم فى أولياته، وصار هدفها الأكبر تمرير المتعلمين من عام دراسى إلى عام دراسى آخر، ولا تريد أن تدرك ان غايات التعليم قد تغيرت وأصبحت تتوجه إلى تخريج نواتج تعليمية تعلمية يمكن لها المنافسة على المستويات العالمية، ومواجهة تحديات غدت متغلغلة فى مكوناتنا وإن لم نعترف بها.

ولا شك أن التحدى الحقيقى الذى يفرض نفسه على واقعنا هو ضرورة فرض سياسات داعمة للثقافة فى ظل التطور المستقبلي، وهو ما يمكن أن يتأتى من خلال هذه المقترحات وخلافها كثير ممن يمكن أن يقدمه مفكرون فى مجالات الثقافة ورسم السياسات التربوية التى لا بد لها من الانفصال عن السياسات الحاكمة ولو بنسبة تحقق لها إمكانية للبناء الفعلى والتقدم الحقيقى لا إلى زيف التقدم.

لعل هذا الطرح يعيدنا مرة أخرى إلى سؤال البداية حول علاقة التربية والتعليم بالثقافة وأيهما يجب أن يقود الآخر؟ وللإجابة يمكن تحليل مخرجات ونواتج التعلم عبر محتوى المقررات الدراسية التى مر بها المتعلم عبر مسيرته حتى التخرج، للوقوف على حجم المعارف والمعلومات والاتجاهات والسلوكيات التى اكتسبها المتعلم والتى حوتها هذه المقررات، وهنا ستتكشف الحقيقة بكل بساطتها فى أن كل ما سبق لا يفى بأقل القليل مما تتطلبه ثقافة العصر، أو حتى مما يفترضه نموذج تدعيم القيم المجتمعية التى يجب المحافظة عليها، وهذا معناه أن التربية لا يمكن لها بأى حال أن تكون هى المسئول الأوحد عن الثقافة، وإنما يجب أن تكون التربية أحد توجهات الثقافة العامة التى نهدف إلى تكوينها أو رسم ملامحها العامة فى الدولة، التربية يجب أن تعمل لصالح بناء الهيكل الثقافى للأمة، وليست بانفصال عن الحركات الثقافية والتحديات المحيطة، وهذا لا يعنى الاكتفاء بتغيير المناهج وبناء المقررات بالاستعانة بمثقفين وخبراء فقط، وإنما يعنى رسم الإطار الثقافى العام بشراكة حقيقية وفاعلة بين الوزارات والمؤسسات المسئولة عن التعليم والثقافة والشباب والإعلام والصحة، وتحديد مسئولية كل وزارة أو مؤسسة، ومنها التعليم، ثم المشاركة فى تنفيذ هذا الإطار كل فيما يخصه.

ألم يأن الأوان بعد لنجعل الثقافة والتعليم قضية أمن قومى؟

ألا تكفينا كل هذه الخسائر من جراء وضع العربة أمام الحصان، وما نتج عنه مما يحيط بنا من مظاهر تدهور فى الصحة والأخلاق والتراجع فى الإنجاز العلمى «لغة العصر» وغيرها كثير مما يؤدى إلى التهام كل معدلات التنمية التى يمكن لها أن تتحقق؟ هذا بخلاف التطرّف الذى ليس له من علاج سوى عن طريق الوعي.

إن أى مشاريع اقتصادية ضخمة، وأى محاولات للبناء أو سد الخلل فى جانب واحد، كلها لن تستطيع أن تحقق التقدم للأمام ما لم تكن الأولوية لوعى الإنسان ورفع مستواه العقلى الذى سيخفض بالضرورة من معدلات المرض والفقر، ويرفع عن كاهل الدولة كثيرا من الأعباء، ويكفى للتدليل مطالعة أرقام نفقات العلاج لأمراض كان يمكن الوقاية منها لو امتلك المريض أدنى وعى بأخطار ممارساته اليومية بخاصة فى تعاطى الأدوية والحبوب التى تؤدى إلى الفشل الكلوى وخلل الأعصاب وتليف الكبد والاضطرابات العقلية وغيرها كثير وكثير مما يلتهم المليارات سنويا.

الاهتمام بالوعى والثقافة والتعليم ليس رفاهية فى مخططات وسياسات الشعوب، وإنما هو الطريق الصحيح والخطوة الأولى فى المسار السليم.