إعتبرت شعر عبد المنعم رمضان يقرأ الواقع بجرأة يحسد عليها رسالة إبراهيم الكوني إلى صديقه الكاتب زياد علي     العزيز زياد   أنت لم تُعدنى إلى فردوس الزمن الضائع

%d8%a7%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d9%87%d9%8a%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%88%d9%86%d9%8a

إعتبرت شعر عبد المنعم رمضان يقرأ الواقع بجرأة يحسد عليها

رسالة إبراهيم الكوني إلى صديقه الكاتب زياد علي

 

http://cairoliteraturefestival.org/ar/images/koni.jpg

 

العزيز زياد

 

أنت لم تُعدنى إلى فردوس الزمن الضائع وحسب بأنشودتك الوجدانية الطويلة والثرية صباح هذا اليوم، ولكنك بعثتَ رموز الزمن الضائع أحياءً فى حوارنا ذاك، إذ لا أصدق أن ما يقرب من نصف قرن قد مضى على تلك الذكريات التى تحيا فينا كأننا عشناها بالأمس فقط، وكأننا لم نفترق إلا منذ يومين، ولم نودّع جيلانى وأمثال جيلانى من أرواح رفاقنا المفقودين إلا بالأمس القريب، فهل تستطيع الأشجان فى يقظتها الماردة أن تختزل الزمن إلى الحد الذى يجعلنا على يقين من أننا لم نعشه منذ نصف قرن، ولكننا نعيشه الآن فيما يسميه هايدجر “الحضور”، مُترجما بذلك وصية القديس أوغسطين القائلة أننا لا نفقد زمننا الضائع أبدا مادمنا نعترف بوجود أعجوبة اسمها الذاكرة!

http://i1.wp.com/parknewscafe.com/wp-content/uploads/2016/10/s42014315385.jpg?fit=380%2C200

عبد المنعم رمضان

فيارفيق الزمن الضائع الذى لم يضع بحضورك فيه وحضورنا معا فى الذاكرة، فلم نمتلئ بمحادثة الصديق الذى يسميه إمام الأنبياء أفلاطون “الأنا الثانية”، وحسب، ولكنك أبيت إلا أن تكون رسول المحبة كعادتك الجميلة عندما جئتنى بروح إنسانٍ اغترب عنّا واغتربنا عنه برغم انه ما زال قيد الحياة، وهو المبدع الكبير عبد المنعم رمضان الذى أحببناه شخصا لأننا قرأناه نصّا لأن النص قياس الشخص وليس العكس، إيمانا منّا بوصية سقراط الذى لم يملّ وهو يردّد: تكلم لكى أراك! فقد كلّمنى هذا الإنسان الفذّ منذ عشرات السنين عندما وقع بين يديّ أحد دواوينه فى نهايات الثمانينات من القرن الماضى فى موسكو دون أن أعرف كيف، وأدهشتنى رؤيته الفلسفية ونَفَسه الوجوديّ فى قراءة الواقع الإنسانى بجرأةٍ ميثولوجية اعتبرتها تحدّيا جدّيا لواقعنا الشعرى المبلبل بالروح الأيديولوجية التى لم تكتفِ باحتكار الحقيقة، ولكنها أبت إلا أن تجهض مشروع النهضة العربية وسمّمت وجداننا الثقافى طوال القرن الماضى ولا تزال تتشبّث بتلابيبنا فى نيّة لكتم أنفاسنا برغم كل البراهين الدالّة على خطيئتها فى حق واقعنا الوجودي. وكم أدهشنى أن أقرأ مرة مقابلة مع هذا الرجل التى يعترف فيها بتواضع الأخيار تأثّره بصديقٍ عزيز ومفكرٍ تنويريٍّ عظيم هو أدونيس، على الرغم أنى لم أجد فى ذلك الديوان أى ظلٍّ لأدونيس ولا لغير أدونيس، بل وجدت صوتا مميزا يحمل هوية شعرية أصيلة وفوق ذلك كله شجاعة. هذا انطباع علَقَ بذاكرتى منذ ما يقرب من ثلاثة عقود، بالتحديد بعد هجرتى من وارسو وعودتى الثانية للإقامة فى موسكو فى يناير 87، وتشاء الأقدار أن يغترب عنى هذا الديوان عند شحن مكتبتى إلى ليبيا فى نهاية 1992 قبل مغادرتى موسكو إلى سويسرا فى أول 93، لتظلّ مكتبتى تلك سجينة صناديق خشبية أبدع النجّارون الروس صنعها لعبادتهم التقليدية لجنس الكتاب، فتبدّت كتوابيت حقيقية كنت أتندّر بها فى أوساط أصدقائى الأدباء الروس قبل أن يودّعونى إلى منفاى الجديد فى غرب اوروبا، ولم يخطر ببالى عندما شيّعتها فى طريقها إلى بحر الشمال لتعبر المتوسط عن طريق جبل طارق أنى وأدتها بالفعل الى الأبد، لأن حلمى بأن أكشف عنها الناووس يوما لم يتحقق إلى هذا اليوم، لأن ظروفى لم تسمح لى بنقلها إلى أوروبا من جديد، كما لم تسمح لى الظروف بالكشف عنها أثناء زياراتى إلى الوطن الأسير، بسبب علاقتنا التقليدية بالزمن، فنحيا حياة مؤجلة كأننا خالدون فيها ابدا. وهاهو زلزالٌ آخر يعصف بالوطن والمنطقة كلها لتنتقل الأوطان من الأسر إلى مصيرٍ أسوأ وهو المنفى، لأجد نفسى أتقمّص روح مُريدى أوليس فأتزحزح غربا نحو ايثاكتى أيضا طمعا فى فردوسٍ مستعاد كان فى رأى الاغيار مفقود وهو الأندلس!

الحديث ذو شجون، والشوق لك ولقامات أُناس عظماء فى هذا العالم أحببناهم دون أن نراهم عن كثب لأن نصّهم كان أكبر سفير لهم وعبد المنعم رمضان على رأسهم، فعانقه بالإنابةِ عنّى آملا أن نلتقيه وإياكم قريبا.

مع كل الإكبار

 

إبراهيم الكونى