يوم للستات”.. طفل مشوه من رحم حمام سباحة   بقلم : محمد سيد عبد الرحيم   معايير اختيار فيلم افتتاح أى مهرجان تعبر عن رؤية منظمى المهرجان وتنبئ عن حالة

987

يوم للستات”.. طفل مشوه من رحم حمام سباحة

 

Mohamed Sayed AbdelRehim's Profile Photo

بقلم :

محمد سيد عبد الرحيم

 

معايير اختيار فيلم افتتاح أى مهرجان تعبر عن رؤية منظمى المهرجان وتنبئ عن حالة ومستوى المهرجان وبرامجه وعروضه المختلفة. ولذلك علينا أن نسأل: لماذا اختارت إدارة مهرجان القاهرة السينمائى الدولى أن يكون فيلم الافتتاح هو فيلم “يوم للستات”؟ والإجابة التى كررتها الإدارة هى أنها فخورة بعرض فيلم مصرى كفيلم افتتاح الدورة الـ38 للمهرجان.

إلا أنه توجد بالفعل أسباب أخرى وهى أن الفيلم قادر على إثارة انتباه وجدل جمهور الافتتاح خاصة والمهرجان عامة من ناحيتين مختلفتين؛ الناحية الأولى هى أنه فيلم اجتماعى كوميدى والجانب الاجتماعى يظهر عبر تناول شخصيات غارقة فى البيئة الشعبية المحلية وهو أمر يهم كثيرا المتفرج الأجنبى بينما الجانب الكوميدى يتجلى فى امتلاء الفيلم بالمواقف والافيهات الجنسية الكوميدية وهو ما يعجب المتفرج المصرى عبر أكثر من مستوى. وأعتقد أن هذه هى الأسباب الرئيسية التى جعلت إدارة المهرجان تختار هذا الفيلم ليكون فيلم الافتتاح وهو قرار صائب إلى حد كبير على الرغم من أن فيلم المخرجة المتميزة كاملة أبو ذكرى لم يكن على المستوى المتوقع ولم يرق حتى لمستوى أفلامها السابقة مثل “ملك وكتابة” 2006 و”واحد صفر” 2009.

قبر جماعى يحيينا من جديد

والفيلم الذى كتبته المؤلفة هناء عطية يتناول حياة ثلاث نساء فى منطقة شعبية بالقاهرة حيث لكل واحدة منهن مشكلاتها؛ فالأولى هى شامية «إلهام شاهين» وتعمل كموديل عار للرسامين بينما تعشق أحمد «محمود حميده» والذى لا يتزوجها بسبب رفض أبيه الذى يعتبر شامية مومسا على الرغم من أنها عذراء حتى بعد تخطيها منتصف العمر والشخصية الثانية هى ليلى «نيللى كريم» التى مات زوجها وابنها فى حادثة غرق العبارة الشهيرة ففقدت الاهتمام بالواقع وقررت أن تعيش داخل ذاتها بينما أخيها «فاروق الفيشاوي» وابن أخيها «أحمد الفيشاوي» يعيشان عالة عليها بينما الأخير يريد التحكم فى خالته بدعوى التدين بينما الشخصية الثالثة هى عزة «ناهد السباعي» والتى توقف نمو عقلها بينما لم يتوقف نمو جسدها إلا أن ذلك لا يمنع إبراهيم «أحمد داود» من الوقوع فى حبها.

الفقرة السابقة كانت محاولة لتقديم الفيلم ليس إلا وهو ما يبين تعدد الشخصيات الرئيسية والأحداث. ولكن السيناريو يحاول أن يجمع كل هذه الشخصيات فى حدوتة واحدة أو بالأحرى فى حفرة واحدة ملأتها كاتبة السيناريو بالماء ورمت بالشخصيات فيه وهذه الحفرة هى حمام السباحة الذى قررت الحكومة أن تبنيه فى مركز شباب المنطقة الشعبية من أجل الترفيه عن سكان المنطقة أو دعونا نقول إلهاءهم عن المشكلات الكثيرة التى تواجههم وتواجه المجتمع والتى فشلت الحكومة فى معالجتها كالتعليم والصحة والسكن والطعام وحتى الصرف الصحى الذى تغرق فيه المنطقة وكأن سكان المنطقة يعيشون فى حمام سباحة يومى من المجارى التى يحاولون دائما تخطيها عبر القفز على حجارة مرصوصة على امتداد البصر كمحاولة قفزهم اليومى فوق العقبات التى تواجههم فى حياتهم.

يتمثل الفيلم الآية الكريمة “وجعلنا من الماء كل شيء حي” أو قول الفيلسوف اليونانى طاليس ان الماء أصل جميع الأشياء. فحمام السباحة هو الذى يحول حياة الشخصيات النسائية الثلاث من البؤس إلى السعادة وذلك حينما يغطسن فيه بعدما يتحررن من أثقال الملابس وغطاء الرأس الذى يكبلهن لتذوب بذلك الهموم التى على أكتافهن وفى قلوبهن عبر الماء وفى الماء ليتحول حمام السباحة هنا إلى رحم تغطس فيه الشخصيات لتولد من جديد. وبالرغم من أن الماء هو الذى خطف الزوج والابن من ليلى فى حادث العبارة فهو هنا يمنحها ويمنح أقرانها من نساء الحى الحياة.

14632844_526087504265121_1913026389028034305_n

السلطة الأبوية كسبب لتعاسة البشر

تعيش النساء فى مجتمع مضطهد سياسيا واجتماعيا مما يجعل رجاله يضطهدون النساء كنوع من تفريغ الرجال للاضطهاد الذى يمارس عليهم عبر ممارسة نفس الفعل ضد النساء. فالرجال هنا مضطهدون سياسيا عبر الإشارة إلى مبارك وحكمه وظروف البلاد المتدهورة ومضطهدون اجتماعيا عبر تسلط الآباء على الرجال ويتضح ذلك فى حكى أحمد عن والده الذى أجبره على عدم الزواج بشامية رغم عشقه لها ليعيش طوال حياته فى حالة من التعاسة وليلجأ إلى الهرب؛ الهرب من البلد نفسه والهرب من الواقع عامة بينما يحكى مدرب السباحة «إياد نصار» كيف كان أبوه يريده أن يعمل معه فى مهنة كتابة شواهد القبور ولكنه كان يفضل أن يهب الناس الحياة عبر السباحة وغسيل الجسد والروح لا الموت.

ومن ناحية أخرى، نجد لمحات وتفاصيل ذكية فى الفيلم والتى تساعد الشخصيات الرئيسية الثلاث على التغير وتساعد المتفرجين على الفهم والارتباط بهذه الشخصيات مثل منديل عبد الحليم حافظ الذى تحصل شامية عليه وهو رمز للرومانسية والحب الذى تفتقده وتسعى إليه طوال حياتها وتحصل عليه فى النهاية وتليفون ليلى المحمول الذى يستقبل من عاشق مجهول رسائل تحثها على التفاؤل وحب الحياة وهو ما يحدث أيضا بالنهاية حينما تعود إلى الحياة مرة أخرى بعدما زهدت فيها بعد موت طفلها وأخيرا مايوه عزة الذى يشعرها أنها أنثى وليست طفلة عبيطة وهو ما يحدث بالفعل حينما ينظر لها إبراهيم كامرأة فيحبها فتشعر هنا أنها أنثى مكتملة جسمانيا وشعوريا.

وعلى الرغم من كل اللمحات الذكية السابق ذكرها فى السيناريو أو الإخراج إلا أن الفيلم به الكثير من المشاكل الفنية كالسيناريو المتشعب الأحداث والذى لم ينه غير قصة واحدة وكأن صناع الفيلم نسوا الشخصيات التى صنعوها وهو ما يتحمل مسئوليته بجانب الكاتبة والمخرجة المونتير معتز التونى  خاصة أن صناع الفيلم فضلوا عرض لقطات تأملية كثيرة لأجساد النساء والتى تعبر عن تحررهk من القيود عبر تعريض أجسادهن للماء والهواء والشمس عن استكمال قصص الفيلم نفسه ليخرج المشاهد بذلك من الفيلم وهو يفتقد حالة الإشباع التى كان يحتاجها هذا الفيلم أشد الاحتياج ليصبح وليدا مكتمل النمو لا مشوها.