حق الرؤية   قصة : فؤاد حجازى   فكر المواطن عبده عتمان، أن يطلب نصيب يوم واحد، بدلا من نصيب ثلاثة أيام، كما يفعل الناس عادة، فخمسة وأربعين رغيفا، كثيرة

878

حق الرؤية

 

قصة :

فؤاد حجازى

 

فكر المواطن عبده عتمان، أن يطلب نصيب يوم واحد، بدلا من نصيب ثلاثة أيام، كما يفعل الناس عادة، فخمسة وأربعين رغيفا، كثيرة على عائلته، فضلا عن أنها فى اليوم التالى تجلد، وفى اليوم الرابع تخشب وإذا بللتها تفرول.

ناول المواطن عبده بطاقته الإلكترونية لصاحب المخبز، وما كاد ينطق «يوم واحد» حتى نظر إليه بقرف، ولم يضع بطاقته فى المكنة، وعندما كرر رغبته، تشاغل عنه بحث العمال على الإسراع فى مناولة الخبز، وشرع يأخذ البطاقات ممن يليه فى الطابور.

وإزاء تسمر المواطن عبده أمامه، ازدادت نظرته قرفا، وتطلع لأحد العمال ورفع سبابته، فعد العامل بسرعة خمسة عشر رغيفا، وألقاها فى جانب من الطاولة التى تستقبل الخبز من الفرن.

أخذ المواطن عبده عتمان، خبزه وبطاقته، وأسرع إلى حوش المأمورية، وبسط الخبز على ترابيزة صغيرة يحرر عليها الاستمارات لبعض المترددين على الشهر العقارى.

ولاحظ زملاؤه من الكتبة وجومه، فسألوه عما به. حكى لهم فجرت ضحكاتهم.

لم تفرج الضحكات الضيق من نفس المواطن عبده عتمان وقال:

– ليس من حق أحد أن ينظر لى بقرف.

وافقوه وقال أحدهم:

– لكن ما باليد حيلة.

قطب جبينه وقال:

– سأشكو للجنة القيم.

– قد تجر على نفسك المتاعب.

**

استدعته لجنة القيم، وقرأ كاتب الجلسة شكواه.

نهض أحد المحامين وقال انه حاضر عن المشكو فى حقه، فأذن له الرئيس بالكلام. قال:

– الحقيقة أن صاحب المخبز، لو استجاب لرغبة المواطن عبده عتمان، قد يتبعه آخرون. وسيضطر الفرن لتخفيض الناتج، وتوزيعه يوما بيوم فى المدة نفسها التى يستغرقها توزيع ناتج ثلاثة أيام. فهل نهدر الوقت فى وقت يحض فيه الجميع على سباق الزمن، وزيادة الناتج القومي.

وأرى أن ما ظنه المواطن قرفا، ما هو إلا حزم لتيسير دفة العمل، أو تقطيب من بذل الجهد فى معاملة الجمهور، والجلوس بقرب صهد حارق ينبعث من الفرن فى عز الصيف. والحزم والتقطيب سمحت بهما لوائح منظمات حقوق الإنسان، ولا تعدان بمثابة قرف إلا إذا صاحبها شخط أو قول مهين.

والتفت إلى الشاكى وسأله:

– هل صدر عن المشكو فى حقه لفظ أو تصرف من هذا القبيل؟

– لا.

عندئذ رجا المحامى اللجنة أن تستمع لشهود النفى الذين أحضرهم صاحب المخبز، وبعدهم استمعت اللجنة إلى شاهدى إثبات أحضرهما الشاكى.

وسأل رئيس اللجنة الشاكى إذا كان عنده ما يضيفه، فتلعثم وهو يقول:

– القرف كان نابعا من نظرات العينين وليس من تعبيرات الوجه.

نهض المحامى وقال:

– إن نظرات العينين صعب قياسها، وإذا كان عندك شريط فيديو، فهذا وقت إظهاره.

وانتظر قليلا، فلم يتفوه المواطن. قال:

– لن أضيع وقت اللجنة فى استطلاع رأى الفقهاء فى نوعية النظرات، أو فى عرض الرسومات المعتمدة بهذا الخصوص، وأستسمح السيد/ مفوض الدولة أن يدلى بشهادته.

ران صمت على القاعة، قطعه الرئيس بالقول ان المفوض عضو باللجنة، ولا يصح له الإدلاء بشهادته.

طلب المحامى أن يخلع المفوض لمدة وجيزة وشاح اللجنة الأزرق، الممتد من إحدى كتفيه ويلف حول وسطه، ومكتوبا عليه «قيم».

استجاب الرئيس، فطلب المفوض أن تكون الجلسة سرية، لأن كلامه يمس الأمن القومى.

أمر الرئيس بإخلاء القاعة من الجمهور والشهود. قال المفوض:

– إن توزيع الخبز مرتبط بنظام اقتصادى متكامل، وخبراؤنا ليسوا سذجا، فهم يعلمون أن صرف ثلاثة أيام دفعة واحدة، لن تستطيع أية عائلة أن تستهلكه فى يوم واحد أو اثنين، وستضطر لتخزينه فى الثلاجة، وبعد عدة أيام سيلقون به للدواجن فوق سطوح البيوت، وفى هذا تشجيع للمستثمر الصغير.

وبعض العائلات ستلقى به فى القمامة، فيلتقطه النباشون، ويبيعونه لمربى الماشية فى الريف. وهكذا يتعاظم نتاجنا من اللحم، ونوفر عملة صعبة لتقليل الاستيراد من الخارج. والأهم من ذلك – سيدى الرئيس – هو أننا حفظنا للتجار كرامتهم وكبريائهم، ففى النظام القديم كانوا يبيعون الدقيق المدعم للمربين، فتعرضوا للمساءلة القانونية والسجن والمصادرة.

نادى رئيس اللجنة بيده المواطن عبده عتمان، اقترب من المنصة، ولفتت نظره لوحة معلقة خلفه، تتوسطها عبارة «اللطف أساس القيم» وهمس الرئيس أنه فى موقف حرج، ومن الأفضل توكيل محام، وإذا لم يكن بوسعه، ستقوم اللجنة بذلك.

شكر المواطن عبده عتمان الرئيس، وتمسك بموقفه، فقضيته واضحة، وليس من حق أحد مهما كان موقعه، أن ينظر له بقرف.

تشاور الرئيس مع أعضاء اللجنة.. خبير فى العلاقات الإنسانية، واختصاصى فى معاملات السوق، ومندوب من الصحة النفسية، وفقيه فى القانون، وآخر فى الشريعة، بالإضافة إلى مفوض الدولة.

اعتدل الرئيس فى جلسته وقال:

– المواطن عبده عتمان، البالغ من العمر خمسة وأربعين عاما، ويعمل كاتبا عاما، تقدم بشكوى فى حق صاحب المخبز سعفان الدميري، بحثتها لجنة القيم، واستمعت إلى أقواله وأقوال الدفاع والشهود، وتقرر:

– تغريم المواطن المذكور مبلغ ألف جنيه، لإضاعته وقت اللجنة فى لغو غير مفيد.

– يحظر على المواطن المذكور السير فى أى شارع به مخبز، لمدة ستة شهور من تاريخه، حتى لا يصاب أى صاحب مخبز بالغم إذا رآه.

وقبل أن يصبح القرار رسميا، نأمر بتأجيل الجلسة لمدة ساعة، نفسح فيها صدورنا، لعل المواطن يضيف شيئا، أو يرجع عن رفضه توكيل أو انتداب محام.

انسحبت اللجنة إلى حجرة جانبية. انبعثت نغمة تشبه صفير الريح من تليفون المواطن عبده عتمان، كان زميل من الكتبة يطمئن عليه نيابة عنهم. أفضى إليه بما حدث. نصحه بضرورة توكيل محام، وألا يحمل هما لأتعابه، وحتى لا يعد امتناعه ازدراءً للجنة.

التأم عقد الجلسة ثانية، وقال محامى المواطن:

– نشكر اللجنة الموقرة على إفساحها المجال للمواطن الشاكي، ونلتمس إلغاء الغرامة والاكتفاء بلفت نظره، ونتعهد بتقديم اعتذار، لصاحب المخبز.

تهامس رئيس اللجنة مع الأعضاء وقال:

– مراعاة للظرف الإنسانية سنخفضها إلى النصف، ونقبل بالاعتذار على أن يكون فى المخبز أمام الناس.

شكر المحامى اللجنة الموقرة، وقال:

أما عن حظر المرور فى الشوارع التى بها مخابز، فهذا سيشمل ضمنا عدم رؤية الشاكى للخبز، وكما تعلمون فرؤية المواد الغذائية، حق أصيل من حقوق الإنسان، منذ بداية البشرية وحتى الآن.

صاح محامى الدفاع:

– اعتراض..

تطلع إليه رئيس اللجنة مستفسرا، فقال:

– حق رؤية المواد الغذائية لا ينطبق على المواد المصنعة.. لكن على المواد الطبيعية.. سنابل القمح فى أرضها.. والخضراوات قبل طبخها والفاكهة على أشجارها، أو على عربات الباعة.

سأل رئيس اللجنة:

– ما قول محامى الشاكي.. ؟!

– لا يعد رغيف العيش مادة مصنعة.. وقد استقر العرف على معاملته معاملة المادة الخام.

قال رئيس اللجنة:

– اعتراض مرفوض ويقتصر الحظر على النظر فى وجوه أصحاب المخابز.. وهل لدى محامى الشاكى أى طلب آخر.

– نطمع فى إرساء قيمة جديدة، بالإضافة إلى كثير من القيم التى أثريتم بها حياتنا..

نرجو تعميم توجيه على أصحاب المخابز لمعاملة الناس بلطف.

هب محامى الدفاع واقفا وصاح:

– اعتراض..

قال رئيس اللجنة:

– ماذا عندك.. ؟!

قال المحامي:

– ما ينادى به زميلى المحامى يجعل جانب المواطنين لينا، وقد يصابون بالاسترخاء، ويجافى الشريعة..

فقد جاء فى كتابه العزيز، أن الإنسان خلق فى كبد، وجاء فى الحديث الشريف أننا خير أجناد الأرض وأننا فى رباط إلى يوم القيامة.

تبادل رئيس اللجنة عدة كلمات مع فقيه الشريعة، فى خفوت، وقال:

– اعتراض مقبول.

جلس الجميع فى أماكنهم، وتلا رئيس اللجنة قرارها الرسمي.