صبرى موسى الطائر مع شخوصه بالغة الخفة   بقلم : رؤوف مسعد     اؤمن بيقين خاص بى أن بعض الكتاّب والمبدعين من أصناف الإبداع المختلفة الذين يخلقون شخوص إبداعاتهم

826

صبرى موسى الطائر مع شخوصه بالغة الخفة

 

ddddaaa

بقلم :

رؤوف مسعد

 

 

اؤمن بيقين خاص بى أن بعض الكتاّب والمبدعين من أصناف الإبداع المختلفة الذين يخلقون شخوص إبداعاتهم بمحبة وحنان؛ فإن هذه الشخوص تنطبق عليها مقولة كونديرا فى إبداع عنوانه البالغ الخصوصية والغموض «عن الكائنات التى تبلغ خفتها درجة لا تحتمل» وهذه بالطبع ترجمتى الخاصة للرواية الأشهر له.

لهذا أوقن أن بعض المبدعين الذين يخلقون شخوصهم وهم فى حالة حب للدنيا بخيرها وشرها هدفهم الأسمى فى الحياة هو الإبداع وليس التكالب على الشهرة او الجوائز.. الخ هؤلاء من قال عنهم كونديرا إنهم «كيتش» ونحت لهم مصطلحا تعبيريا خاصا!!

اؤمن أيضا أن مبدعا مثل صبرى موسى – ومبدعين قلائل – تحيط بهم دوما شخوص إبداعاتهم، تروّح عنهم أوجاعهم وإمراضهم وتصاحبهم فى رحلة الحياة، كما ترافقهم فى الرحلة الأخيرة؛ يطيرون سويا بخفة بالغة.. ويقيمون فى عالمهم الخاص..

على العكس من الذين يتعاملون مع موهبتهم باعتبارها سلما للشهرة والتكسب.. هؤلاء تنفر منهم شخوصهم ويعيشون منبوذين منهم ويموتون وحيدين!

صدمتنى بقوة رواية «حادث النصف متر» وتصاحبنى شخوصها منذ أن قرأتها لصبرى موسى حينما وجدتها بعد أن سمعت عنها. صدمتنى بلغتها الطازجة وتصورها عن عالم الطبقة الوسطى العاطفى والإنساني.

كانت نافذة جديدة للقراءة مع ارخص ليالى وعودة الروح.

« بعد سنوات أجد تطبيقا عالميا بالغ الدقة لشخوص الرواية فى سيدة ورجلين؛ حيث اختارت السيدة الرجل الأكبر سنا والأكثر شهرة ومالا؛ تاركة حبيبها الشاب.. يتزوجها الرجل الأكبر سن ا لتموت بعدها بسنوات ميتة سخيفة؛ ويموت بعدها بسنوا ت قلائل حبيبها الأول دون زواج.. وسيعيش زوجها سنوات طوال ليصاب بالعته والزهايمر بعد أن كان شخصية معروفة. وتكاد أسرته فى أيامه الأخيرة تلفظه وتودعه دار للمسنين!».

ايامها كنت ادرس فى قسم الصحافة بجامعة القاهرة وأتدرب – فى سنتى الثانية – فى مجلة صباح الخير؛ التى كانت هى أيضا فى ذلك الوقت نافذة جديدة ومريحة فى الصحافة المصرية؛ مختلفة عن زميلاتها من المجلات.

كان ذلك عام 1957 وهناك التقيت بشخصيات كنت أتابعها من على البعد مثل زهدى فى الكاريكاتير ويوسف إدريس فى «ارخص ليالى» واحمد بهاء الدين فى فاروق ملكا وبالطبع إحسان عبد القدوس الريس الكبير.. كان هناك أيضا حسن فؤاد وصلاح حافظ وعبد الستار الطويلة.. ثم مفيد فوزى الذى اشرف على تدريبى بالمجلة وكان هو المسئول عن الصفحات الأخيرة بها.

هكذا تعرفت – من على بعد أيضا – بصبرى موسى وكنت مثل غيرى من أبناء جيلى او ما يُطلق علينا السينيات اقرأ بنهم وقد تكونت عندى صورة لا تزال ضبابية عن الكتابة الإبداعية الحديثة التى لم أمارسها الا بعد الخروج من السجن بسنوات كثيرة.

لكن كتابات صبرى موسى – وشخصيته الآسرة كما تعرفتُ عليه فى الثمانينات بشكل شخصى – كانت واحدة من المنابع التى ارتويت منها.. خاصة فهو لم يكن يكبرنى كثيرا هو من مواليد 1932 وأنا 37 يعنى نصف جيل شدنى الى صداقته ومعرفته؛ حبه للسفر وعشقه للصحراء والمغامرة التى تثرى لتصبح أيضا مادة للكتابة الإبداعية…

وأيضا ما اعتبرته بالنسبة لى رائدا فى هذين المجالين الحيويين؛ ثم تجربة الخروج من مصر والإقامة فى بلد أجنبى طالت مدتها او قصرت. وهى كانت أيامها تجربة خاصة ونادرة أيضا للمصريين على العكس من الرواد السابقين من «الشوام» كان هو قد تزوج بسيدة أمريكية وقرر الإقامة فى امريكا.. وأنجز كل الإجراءات المتعلقة بإقامة مريحة مثل الجرين كارت.. الخ

7129434-_uy452_ss452_

هكذا التقيته بين رحلتين.. ما بين الخارج ومصر- مثلما افعل الآن – رأيته حزينا وبه بعض ارتباك. كنت انا أتجهز نفسيا للإقامة فى هولندا ملتحقا بابنتى الطفلة وأمها.

تحادثنا بصراحة عن الاغتراب الداخلى والخارجى وبثثته مخاوفى وقلقى من نتائج ابتعادى طويلا ومتواصلا عن مصر.. وفى الوقت ذاته عن إحساس غريب بإحساس غير عاطفى لمصر؛ إحساس عملى يظهر عبر خيبة الامل فى اشتراكية الستينات وما تلاها من خيبات اكبر.

هو مستمع جيد وخافت الصوت اذا ما تحدث ولا يلقى الكلام على عواهنه.

ثم التقيته مرارا بعد ذلك وكان قد قرر الإقامة فى مصر «لكنى عرفت انه لم يستطع ذلك بالشكل الذى كان يحلم به وسافر الى الخارج مرة اخرى» لم اسأله عن أحواله الزوجية لأنى اعتبر هذا أمرا بالغ الخصوصية لا يجب الخوض فيه الا اذا طلب صاحب الحال ذلك.

إحساسى بأن شيئا ما كان يتآكل داخله.. فلم يكن مستبشرا.. وكنا فى سطوة عهد مبارك وقد اناخت البلادة التى كانت سمة مبارك وعصره السياسى بكلكلها على صدورنا.. وأظنه أبضا كان يناقش مع ذاته جدوى الكتابة كما يحدث للكثيرين منا فى أوقات الجدب السياسى والفتور وفقدان الهمة لبلد بأكمله!

حينما أخبرته عن نيتى فى الاستقرار فى هولندا استمع بدقة وسألنى عن بعض التفاصيل خاصة المالية المتعلقة بالاستقرار والمشاركة. لم يشجعنى ولم يثبطني.. بل توخى الحذر قائلا ما معناه انها خطى كُتبت علينا ولا مناص.

فى المرة الأخيرة قبل مرضه كان يبدو مشتت البال والفكر. التقينا فى شقة له صغيرة قديمة الأثاث تفكرنى بشقق الأخوال والجدات. حسنة الإضاءة جيدة التهوية.. لو وصفها همنجواي. يبدو كالمريض الذى لا يريد أن يقاوم مرضه باعتباره «خطى مكتوبة علينا» مستسلما لقدر غريب يراه هو وحده ويشعر به.

اعتقد انه كان يعانى خيبات أمل متعددة؛ خاصة انه لم يجد فى مصر بعد قراره بالعودة ما كان يبتغيه من راحة البال والعمل المثمر المجدي.

او هكذا فسرتُ انا أحواله ساعتها.

ثم تمر السنوات والتقى خيرى شلبى على زهرة البستان فى صبحية شتوية حينما كنت ازور مصر.

لنحتفى ببعضنا.

اسأله ما الذى أتى به من اخر الدنيا حيث يعيش الى هنا؛ فيجيبنى بصراحته المحببة « ليا كام يوم بنزل عشان ازور صبرى موسى.. أصله عيان فى الفرنساوى ومش قادر أروح له لوحدى» وصمت يتأملنى فلم أعقب. كنت استوعب ببطء المعلومة المفاجأة.

سألنى «نشرب شاى ونروح له سوا». قلت «لا يا خيرى انا بكره المستشفيات ولا احب أن أرى أحبابى واصدقائه فى حالة سيئة وهم على فراش المرض».

هكذا نكصت عن الذهاب إليه لأعوده… ونكص معى خيري.. لكن طيف صبرى الوديع الأليف لم يبرح القعدة التى أصبحت لطيفة ورائقة بسبب مرح خيرى الطبيعي.

ولعله شاركنا فيها بصمته الودود وصوته الخافت محلّقا حولنا ككائن بالغ الخفة.