اللغة الشعرية فى رواية «فساد الأمكنة» #ملف_صبري_موسى     بقلم : علاء خالد     اللغة الشعرية عند صبرى موسى فى رواية «فساد الأمكنة»، والتى تدور أحداثها فى صحراء البحر

826

اللغة الشعرية فى رواية «فساد الأمكنة»

#ملف_صبري_موسى

 

 

بقلم :

علاء خالد

 

 

اللغة الشعرية عند صبرى موسى فى رواية «فساد الأمكنة»، والتى تدور أحداثها فى صحراء البحر الأحمر فى زمن الملكية، وقبائل البدو القليلة التى تستوطن هذا المكان؛ لغة جديدة على الكتابات المصرية فى ذلك الوقت فى بداية الستينات، بهذا القدر من الكثافة والتركيز والشفافية. حس شعرى عميق معجون بالفكرة ولا ينفصل عنها، لذا لا ظواهر أو استخدامات بلاغية زائدة، بل الشعرية تتفجر تحت مستوى اللغة البسيطة والإشارية، تحت هذا السطح شديد الشفافية. بجانب إدخاله «المكان/ اللامكان» كعنصر أساسى فى كتابته، فكل الرواية تحدث فى مكان/ لامكان واحد، وهو الصحراء. لذا حدث تزامن بين اكتشاف المكان واكتشاف اللغة التى يتحدث بها عنه.

هذا التراوح بين المكان واللامكان منح اللغة مادية مرهفة للغاية، كى تكون قادرة على الإمساك بالطرفين فى آن.

هذا الإحساس الهامشى/ الشعرى للغة، كونها لا تخرج من مركز اجتماعى، ولا تشغلها علاقات السلطة، أو الصراع الطبقى، المتركزة داخل هذا المركز الاجتماعى فى المدينة. وإنما تشغلها الأصول التى ترتبط بالحياة والموت، ومحاولة استبطان ما يدور فى دواخل النفوس، حيث الخارج الصحراوى بسيط ويؤدى دائما إلى الانتقال للداخل، سواء داخل النفوس أو الأشياء، إلى عمقها المخفى، لذا تأتى اللغة كلغة بحث وتنقيب عن هذا العمق. تتجاوز القشرة الخارجية لأى علامة أو سلوك ما. كل هذا منح لغة الرواية إمكانات جديدة للاستيعاب والإلمام بهذه المواجهات الجديدة التى تطرأ عليها.

بالتأكيد هناك علاقة بين المكان وبين هذا المستوى التأملى للغة. سمح بظهور إمكانات جديدة للغة والمعنى. كون اللغة لا تقوم فى مواجهة أو تفسير شىء مرئى «فالصحراء مفتوحة ومنبسطة وملغزة فى آن» أو تتكون وسط ثوابت اجتماعية أو طبقية، بقدر ما تواجه أصالة اللغة نفسها، والمعانى الكامنة فيها من أساسيات الوجود، بجانب الحس الدينى الكامن بها، كأنها تغرف من مخزون دينى طازج تأملى حكمى، تعرفه هذه اللغة جيدا.

كانت الصحراء هى النقيض الجغرافى بالنسبة لصبرى موسى، بوصفه مواطنا ولد وعاش فى مناخ مائى متاخم لبحيرة المنزلة أضخم البحيرات المصرية، بكل ما فى هذه المناخ المائى من جماعية وترابط وأفكار سابقة. أصبحت الصحراء هى «الآخر» الذى عاش يحلم به ويبنى هواجسه ومخاوفه وأحلامه حوله. فلغته فى هذه الرواية قريبة من اللغة التى ترد بها الأحلام، طافية وليست متجذرة، كأن الرواية وما يحدث فيها، يحدث داخل حلم، بخفة الانتقال فى الحلم، وعدم الالتزام بأى مرجع ثقيل يمنع الانتقال. حتى الموت، وهو أحد مراجع الوجود الأساسية التى رافقت رحلته فى الصحراء، حتى هذا الموت كان يحدث بخفة ونعومة تامة. قرب الموت وماديته كانا أحد عوامل الضغط على اللغة وسببا فى تحويلها لهذا الكائن الحاد الشفاف.

قال لى فى حوار أجريته معه فى مكتبه فى مجلة «صباح الخير» عام 2000، حول اللغة التى استخدمها فى هذه الرواية الفريدة، والتى تأثرت بها وبالصحراء الكائنة بداخلها وأحببتهما معا. إن اللغة التى استخدمها فى الرواية هى لغة المتدينيين الأوائل، لغة التأمل والغوص فى عمق الأشياء والنفوس. قريبة من الحس الصوفى الناتج عن التامل والاستبطان لهذا العالم الجديد، الذى يصيب الإنسان بحالة من التجرد والزهد.

أشعر بأن لغته فى هذه الرواية ليس لها سابق، بالمعنى المجازى، تكونت فى التو واللحظة فى علاقتها ومحاولتها للإلمام والاستبطان لهذه التحديات الجديدة التى تواجهها. وتطورت مع تطور أحداث الرواية واكتشاف الصحراء وقوانينها. أثناء قراءة الرواية تشعر بدفق شخصى يحدث ويتطور مع أحداث الرواية ومراحل اكتشافها. فاللغة ليست سابقة عن الكتابة، بل مفرداتها وتحولاتها نشأت معها وتطورت، لذا هى طافية سريعة التنقل والتبدل والحساسية والاستجابة لما يدور حولها من معنى.

ربما لم أقرأ مثيلا فى الأدب المصرى فى الستينات لهذه الشعرية الخاصة والدقيقة فى وصفها واستبطانها للأشياء والنفوس، غير رواية «محب» لعبد الفتاح الجمل التى تدور أحداثها فى الريف. وهى من التجارب القليلة فى مثل هذا النوع من التجريب فى ذلك الوقت، لذا لها فرادتها.

ربما لم تتكرر هذه الصدفة اللغوية مرة أخرى فى أعمال صبرى موسى الأخرى.