“صبري موسى” و فنجان قهوة قبل النوم     بقلم : حنان جاد   من علمك أن القهوة تصب من على ارتفاع هكذا مثل العرقسوس؟ قال. قلت: يا أستاذ أنا

826

“صبري موسى” و فنجان قهوة قبل النوم

 

 

بقلم :

حنان جاد

 

من علمك أن القهوة تصب من على ارتفاع هكذا مثل العرقسوس؟ قال.

قلت: يا أستاذ أنا لا أعرف كيف تصنع القهوة أو تصب، وأنا حتى لا أشربها، أردت فقط الاحتفاء بحضرتك فتقدمت لمهمة صب القهوة وأنا أظنها أقل تعقيدا.

كان عم حسين الساعى قد وضع القهوة والفناجين وانصرف. وأنا أردت على غير عادتى أن أبدو لطيفة، وفشلت. كان قد أخبرنى أن عدم شرب القهوة سيشكل نقيصة كبيرة فى مسيرتى المفترضة ككاتبة فقبلت تجربتها للمرة الأولى فى حياتي. وفجأة. سألني:

«أين قهوتك؟» لا أعرف إذا كان سألنى أو اتهمني.

«شربتها». قلت مدافعة عن نفسي، ففتح عينيه على اتساعهما، وتجاوزت نظرته الاستغراب إلى الإدانة الواضحة وقال: «بهذه السرعة؟ القهوة ترتشف ولا تدلق هكذا فى المعدة!»

وهكذا قبل أن أقرأ ميلان كونديرا تعلمت تمجيد البطء على يد صبرى موسى؛ الذى كان يجلس صامتا فى أحيان كثيرة مقلبا عينيه بدهشة فيما حوله، يفتحهما ويغلقهما ببطء كما يفعل الدجاج فى الأسواق.

للقهوة وظيفة رئيسية هى الإيقاظ. وضع صبرى موسى عنوان روايته، «فنجان قهوة قبل النوم»، على طريقته فى البدء دائما بكتابة العنوان، يقول إن ذلك يمنح الكتابة مسارها. وكان على قهوة العنوان أن توقظ ذكريات نصف قرن، مزيج من السيرة الذاتية وسيرة جيل كما قال. عرفت بعنوان الرواية التى لم تكتب حتى الآن منذ عشرين عاما. قال صبرى موسى فى حديث صحفى أجراه قبل عشر سنوات إنه كتب بالفعل ذكريات تملأ ثلاث روايات لكنه لم يذهب إلى صياغة «فنجان قهوة قبل النوم» أبدا. وبدأت الذاكرة تتلاشى على أثر المرض، وبعكس الكتاب الذين يخلفون وراءهم أعمالا بلا عنوان سيترك صبرى موسى لقرائه، على الأغلب، عنوانا بلا رواية. وبدلا من أن يكتب رواية الذاكرة كتب التباسها. «التباس» هو عنوان قصة قصيرة رائعة كتبها فى منتصف التسعينيات تقريبا، قصة مضحكة ومؤلمة ومحيرة عن ضياع الذاكرة أو ضياع الرغبة فيها.

اتهم صبرى موسى بالكسل. لكنه من جهته رفض دائما هذا الاتهام الموجه إليه من عالم متعجل يدلق الحياة فى جوفه وينتج بغزارة.

دافع صبرى موسى عن إيقاعه فى العمل لأنه نظر للجهد الذى قدمه باحترام واكتفاء. المسألة ليست فى العدد بالتأكيد. ولعله الكاتب الوحيد الذى كتب ثلاث روايات بثلاثة أساليب، كل مرة كان يصنع القالب ثم يكسره. يعرف الكتاب صعوبة هذا الشيء وحيويته، ومعظم الذين ينتجون بغزارة أمطار الصيف فى البلاد الاستوائية يفقدون عنصر التجديد فى الأسلوب، الجيدون منهم يصبحون شهودا يقدمون شهادة واحدة غالبا من زوايا مختلفة، أو كما يقول ألبيرتو مورافيا: الكاتب الطائر الذى يغرد نغمة واحدة فقط طوال حياته.

فى روايته الأولى حادث النصف متر كسر صبرى موسى قوالب المجتمع، وعندما نشرت الرواية حلقات فى مجلة صباح الخير، مجلة القلوب الشابة والعقول المتحررة. تلقت المجلة خطابات امتعاض ورفض من القراء الذين اعتادوا على احسان عبد القدوس لكنهم رأوا فى رواية صبرى موسى اباحية زائدة. ذلك أن التعرية هذه المرة لم تكن فى المشهد والجسد، كانت تعرية للمجتمع، وأقنعته، وعقده، وكذبه. أما الرواية الثانية، فساد الأمكنة فلن يصدق قارئها عندما ينتهى منها أن كل هذه الملحمة التى تتردد أصداؤها فى رأسه احتواها هذا العدد القليل من الصفحات. والرواية الثالثة، السيد من حقل السبانخ، كتبت بلغة تقريرية، قال الدكتور عبد الوهاب المسيرى عنها رواية عظيمة، لكن، من وجهة نظره كانت نقطة ضعفها فى لغة الكاتب. بينما أصر صبرى موسى صانع القالب الجديد الذى يناسب الحديث عن المستقبل على أن اللغة هى لغة الرواية وليست لغة الكاتب. كما قدم صبرى موسى عشرة أفلام للسينما، كلها مميزة، وكلها تحتوى على عنصر أو أكثر من التجديد المدهش، وكأنه لا يمكنه أن يكون صانعا عاديا، ليس بيده حيلة. من تحفته الأولى البوسطجي. الفيلم الذى يعد علامة فى تاريخ السينما المصرية والذى مثل تحديا كبيرا بتصديه لأدب يحيى حقى الذى استعصى من قبل على كتاب السيناريو المحترفين. إلى موت أميرة، الفيلم الذى سيطويه النسيان بسبب المنع المفروض عليه من دول الخليج. إلى الشيماء، الفيلم الدينى الوحيد ربما الذى لا يبدو ساذجا. إلى قاهر الظلام وقنديل أم هاشم.

وحتى فى عمله الصحفى اليومى كان مميزا ومجددا، منذ انضم لفريق مؤسسة روز اليوسف، ولانضمامه حكاية طريفة كنا نسمعها فى أروقة المؤسسة المليئة بالحكايات. فقد قبل الكتاب والصحفيون الموهوبون جميعا العمل فى مؤسسة روز اليوسف برواتب تقل كثيرا عما تدفعه صحف أخرى هجروها من أجلها، كانوا واقعين فى غرام مؤسسة مشاكسة تتحدى السلطة والمجتمع بحرفية وفنية عالية. لكن صبرى موسى الذى تلقى عرضا بالعمل فى ديسك روزاليوسف أصر على أن يأخذ نفس راتبه فى جريدة الجمهورية. أربعين جنيها، ويقال، إن الست روزا التى كانت مجلتها تعانى دائما حصارا حكوميا وانكسارات مالية، كانت تمر بجوار مكتبه وتتوقف قليلا لتلقى نظرة على الصحفى «أبو أربعين جنيه» وربما كانت تعيد فى ذهنها تقييم الموقف كل مرة!

يذكر دائما اسم صبرى موسى بأسى، باعتباره لم ينل حقه من الشهرة وهذا الأمر أيضا لم يقبله أبدا. لأن أعماله كلها ترجمت وقرأت ونقدت وحصلت على جوائز، وأفلامه عرفت كعلامات فى تاريخ السينما. لم ألحظ أنه يشعر بالمرارة أو يعتقد أنه مهمل لأنه ببساطة لم يسع لنجومية مبتذلة، على العكس كان يهرب منها. ولم يكن من الذين تنخلع قلوبهم لهفة عندما توارب لهم السلطة أبوابها. ببساطة ما لم يحصل عليه لم يكن يريده.

احتفظ صبرى موسى بمظهر هادئ أنيق وخال من الزينة، وفى مجال الثقافة محدثو النعمة أكثر منهم فى قطاع المقاولات وهو لم يشبههم. وبدورهم، اتهموه بأنه أضاع موهبته. بالركض فى الحياة، ويا لها من مضيعة، أن تعيش أكثر مما تنتج!

بلا صخب، كتب صبرى موسى روائع للأدب والسينما، وبلا صخب تزوج خمس مرات وأحب وغامر. التجربة أولا ثم يأتى بعدها الاستسلام لحالة من الاسترجاع السلمى للأفكار والأحداث. هكذا كانت «حادث النصف متر»، واحدة من تلك القصص الحية كما كان يحكى فى أروقة روزاليوسف. بينما حكى صبرى موسى أنه ذات يوم التقى بحبيبته بطلة الرواية، بالصدفة فى الشارع، بعد سنوات طويلة، وأنه فرح كثيرا برؤيتها إذ لم تتغير أبدا، كأنه تركها بالأمس، إلا أنها قطعت الطريق وتجاهلته ليكتشف لاحقا أن الشابة التى التقاها هى ابنة حبيبته.

يقول المخرج فيللينى فى كتاب ذكرياته: لم أقل لنفسى أبدا: «عندما أكبر أريد أن أصبح…، فلم اتخيل أنى سأكبر، ولم يكن هذا اعتقادا خاطئا فى النهاية».