الفيلم الفائز بـ”هرم القاهرة الفضى” “قطار الملح والسكر”.. قصيدة شجية ضد العنف والكراهية   بقلم: أسامة عبد الفتاح   يمثل الفيلم الموزمبيقى الرائع “قطار الملح والسكر”، الذى شارك فى المسابقة

999

الفيلم الفائز بـ”هرم القاهرة الفضى”

“قطار الملح والسكر”.. قصيدة شجية ضد العنف والكراهية

 

أسامة عبد الفتاح

بقلم:

أسامة عبد الفتاح

 

يمثل الفيلم الموزمبيقى الرائع “قطار الملح والسكر”، الذى شارك فى المسابقة الرسمية للدورة الـ38 من مهرجان القاهرة السينمائى الدولي، وفاز بالهرم الفضى لأفضل مخرج فى يوم الختام الخميس الماضي، كل ما يحبه المرء ويحلم به فى السينما، من القصة الفريدة إلى إطلاق الخيال، ومن التعرف على عوالم جديدة ساحرة إلى التنفيذ الفنى الدقيق الجيد، ليصبح فى مجمله قصيدة شجية ضد العنف والكراهية.

سارع البعض – خارج مصر، خاصة فى المهرجانات السينمائية الدولية التى شارك فيها قبل القاهرة، وأهمها لوكارنو – إلى وصفه بأنه “فيلم مغامرات وإثارة”، بل تمادى آخرون وقالوا إنه “أول فيلم كاوبوى افريقي”، فى حين أرى أنه لا يخضع لتصنيف، فضلا عن اعتراضى على فكرة التصنيف أصلا، وإذا كان لا بد من وضعه فى خانة محددة، فمن الممكن أن يكون فيلما حربيا، أو فيلم طريق، أو حتى عملا رومانسيا يقوم على قصة حب رقيقة.

يقوم الفيلم، وهو إنتاج مشترك لموزمبيق مع البرتغال وفرنسا والبرازيل وجنوب افريقيا، على رواية بنفس الاسم لمخرجه الموزمبيقى المولود فى البرازيل، ليسينيو أزيفيدو، صدرت قبل 25 عاما، وتدور أحداثه خلال الحرب الأهلية الموزمبيقية التى اندلعت عام 1977 بعد سنتين فقط من نهاية حرب الاستقلال، ودارت بين جبهة تحرير موزمبيق الحاكمة والقوات المسلحة من جهة، وحركة المقاومة الوطنية الموزمبيقية (رينامو)، التى كانت ممولة من قبل روديسيا وجنوب افريقيا لاحقا، من جهة أخرى، وأسفرت عن مقتل حوالى مليون شخص وتهجير 4 ملايين آخرين، وانتهت فى 4 أكتوبر 1992، بعد عقد اتفاقية روما للسلام، حيث قبل كِلا الطرفين بتنظيم انتخابات مُتَعَدِدَة الأحزاب فى البلاد عام 1994، كما سُمِح بدخول قوات الأمم المتحدة من أجل حفظ السلام.

 

يدخلك الفيلم عوالم افريقيا السمراء الساحرة ويقدم دراما قوية متماسكة قائمة على خط رئيسى فريد

 

 

وللأسف، عادت الحرب الأهلية للاشتعال عام 2013 لنفس الأسباب وبين نفس الأطراف، مما أضر بتصوير الفيلم بشكل مباشر، كما قال أزيفيدو فى الندوة التى أُقيمت بعد عرض فيلمه بالمسرح الكبير فى دار الأوبرا المصرية يوم 20 نوفمبر الحالي، والتى سعدتُ بإدارتها. وأوضح أنه شرع فى تصوير العمل فى ذلك التوقيت، لكنه وجد صعوبة كبيرة فى الحصول على التراخيص اللازمة، وقيل له إنه من العبث أن يسعى لتصوير فيلم عن الحرب الأهلية بينما تدور رحى الحرب بالفعل.. كما واجه صعوبة فى استخدام السكك الحديدية فى التصوير لأنها كانت عاملة بالفعل، سواء فى التجارة أو فى الأغراض العسكرية، وكان يضطر لإبعاد “قطاره” كل ساعة عن القضبان للسماح بمرور القطارات الحقيقية!

987

 

يدخلك الفيلم عوالم افريقيا السمراء الساحرة التى لا نعرف عنها – للأسف الشديد – شيئا، ويطلعك على تاريخ أسود من الظلم والقمع والقسوة يمتد – للأسف – حتى الحاضر، ويجعلك تتذكر أن لنا فناء خلفيا وعمقا استراتيجيا نهمله وننساه ونتجاهله، حتى أصبح يهددنا بمشكلات – بل كوارث – حقيقية، من نوع سد النهضة ومياه النيل.

ولا يعتمد أزيفيدو على هذه الأجواء الثرية ولا تلك الأبعاد الموحية، بل يقدم دراما قوية متماسكة قائمة على خط رئيسى فريد من نوعه، حيث كان أهل الشمال، القريبين من المحيط، يعانون نقص المواد الغذائية خاصة السكر، فكانوا ينقلون الملح، المتوفر مجانا تقريبا عندهم، عبر السكك الحديدية لاستبداله بالسكر فى الجنوب، ويسير القطار ببطء مئات الكيلومترات للوصول إلى هدفه وسط هجمات الميليشيات العسكرية الساعية لسرقة بضائعه وسبى نسائه، كأننا فى العصور الوسطى.

ووسط هذا كله، يتمكن السيناريو المتميز من نسج قصة حب رقيقة بين قائد عسكرى – اختار أن يكون الشخصية الإيجابية الوحيدة بين صناع الموت – وبين ممرضة شابة ترمز إلى العلاج والحياة، ورغم ذلك لا ينهى الكاتب والمخرج فيلمه بالحل السعيد المتفائل، بل يختار الواقعية الشديدة التى تؤكد أن الأخيار يموتون مثل الأشرار تماما وربما أكثر، وأن قصص الحب لا يجب بالضرورة أن تنتهى بالحياة فى “التبات والنبات”.

استعان أزيفيدو ببعض الفنيين من البرتغال وفرنسا والبرازيل، ورغم ذلك ظل الفيلم محافظا على هويته الافريقية، شاهدا – بخصوصيته وأسلوبه الفنى الذى يجمع بين الروحين الروائية والوثائقية – على تاريخ من القهر والقمع والظلم والعنف فى القارة السمراء آن أوان فضحه ومحاسبة المسئولين عنه.