نظرة جديدة للمسيرة الطويلة للجيش الأحمر الصيني    بقلم : د.محمد ماهر بسيوني   فى الذكرى الخامسة والسبعين لانتهاء المسيرة الطويلة، صدر كتاب: نظرة جديدة للمسيرة الطويلة «رحلة مصورة بعيون

69

نظرة جديدة للمسيرة الطويلة للجيش الأحمر الصيني 

 

bbbaaa

بقلم :

د.محمد ماهر بسيوني

 

فى الذكرى الخامسة والسبعين لانتهاء المسيرة الطويلة، صدر كتاب: نظرة جديدة للمسيرة الطويلة «رحلة مصورة بعيون الأجانب للمسيرة الطويلة للجيش الأحمر الصيني» فى طبعتين «صينية وإنجليزية»، وها هى الطبعة العربية تصدر فى الذكرى الثمانين لهذه الملحمة الصينية، التى أصبحت احدى أهم لحظات التحول الكبرى فى تاريخ الصين المعاصر.

لقد نظر الغربيون إلى “المسيرة الطويلة” نظرتهم إلى “خروج بنى إسرائيل من مصر”، فهناك حاكم متسلط «فرعون/ شيانج كاى شيك» يضطهد جماعة بشرية «بنى إسرائيل/ الشيوعيون» وينكل بها، ما أدى بها إلى الفرار منه «الخروج/ المسيرة الطويلة» وبعد العديد من الصعوبات والمشاق يتم الوصول إلى أرض الميعاد «فلسطين/ يانان».

يمكننا نحن أيضا أن ننظر للمسيرة الطويلة ضمن دائرة الثورة الصينية ككل، فنجد فيها تقاطعات عدة مع الهجرة المحمدية من مكة إلى المدينة، والغزوات، ثم فتح مكة. فالمشركون «الكومنتانج» يقومون باضطهاد المسلمين «الشيوعيين»، فيضطرونهم للهجرة «المسيرة الطويلة» إلى المدينة «يانان»، لتتكون فيها دولة وقاعدة عسكرية تخرج منها الغزوات لمحاربة المشركين «الكومنتانج»، حتى يتم الانتصار النهائى وفتح مكة «دخول “ماو” لبكين وإعلان جمهورية الصين الشعبية».

لقد صبغت روح المسيرة الطويلة تاريخ جمهورية الصين الشعبية، فما بدأ ككارثة تحول بالمثابرة والجهد والإصرار إلى انتصار، وكما استطاع المحاربون – الذين اضطرهم الاضطهاد إلى التقهقر لمسافة تزيد على ستة آلاف ميل «عشرة آلاف كيلو متر» – أن يصلوا فى انتهاء المسيرة الطويلة إلى مدينة “يانان” «معنى اسمها: السلام الأبدي»، ليكونوا فيها قاعدة لهم، انطلقوا منها فيما بعد لمقاومة كل من الاحتلال اليابانى لبلادهم وحكومة الحزب القومى «الكومنتانج»، حتى تكللت جهودهم بدخول العاصمة الصينية “بكين”، والاستيلاء على السلطة؛ كذلك استطاعت الصين أن تنتصر على الإقطاع والاحتلال الياباني، وأن تتعافى من جراح الحرب الأهلية، لتصير إحدى القوى العظمى والدولة الأكثر نموا اقتصاديا فى العالم.

لقد ثارت الصين على الإمبراطور والإقطاع، ولكن الحلم بجمهورية قوية ما لبث أن تبدد، نظرا لتصادم الانحيازات، فبينما انحاز الحزب القومى «الكومنتانج» لكبار الملاك المستغلين والبيروقراطيين الفاسدين، وأمراء الحرب الأقرب لقطاع الطرق، اختار الحزب الشيوعى الصينى الانحياز إلى جماهير الفلاحين المظلومين. وكان “ماو تسى دونج” يحس بنبض الفلاحين، فقرر الانحياز المطلق لهم، قائلا: “بما أن غضب الفلاحين قد تزايد، فعلى كل صينى أن يختار من بين ثلاثة بدائل: المسير فى مقدمتهم وقيادتهم، أو الزحف خلفهم وتوجيههم من خلال موافقتهم أو انتقادهم، أو الوقوف فى طريقهم واعتراضهم”. وقد اختار “ماو” قيادتهم. فبدأ الحزب الشيوعى الصينى فى بناء قاعدة قوية بين الفلاحين الذين تم تجاهل معاناتهم من قبل الحزب القومى الحاكم، وقام ماو ورفاقه فى جنوب الصين بتجربة التعبئة الجماهيرية وعسكرة الفلاحين، وتوظيف الوعى الطبقى فى استصلاح الأراضى والقمع العنيف للإقطاعيين، ونجحت الخطة.

أدى هذا النجاح المتزايد إلى صدام دموى بين الحزبين القومى والشيوعي؛ فقرر “شيانج كاى شيك” – زعيم الحزب القومى «الكومنتانج» – القيام بتطهير واسع النطاق، وذبح الآلاف من الشيوعيين فى ما أصبح يعرف بـ “أحداث الثانى عشر من ابريل” أو “الإرهاب الأبيض”.

كوَّن المضطهدون المشتتون فى معاقلهم المعزولة التى فروا إليها فى الغابات والجبال، الوحدات الأولى من الجيش الأحمر، ولكن قوات الكومنتانج كونت عدة حملات لتطويقهم والقضاء عليهم. كان لابد من بناء قاعدة إقليمية فى مكان ما على هامش سلطة الحزب القومى الحاكم «الكومنتانج»، يعيد فيها الشيوعيون المطاردون التجمع والتنظيم؛ فاعتمدت القيادة الشيوعية القرار اليائس: نكسر الحصار أو نموت. وبهذا بدأت “المسيرة الطويلة”، تلك الأسطورة الواقعية فى تاريخ الصين والعالم.

واجه الجيش الأحمر فى مسيرته بعض الجبال والأودية الأكثر قسوة فى الصين، والمضايق الترابية والجسور المتهالكة ومخاضات الأنهار، فى إصرار بشرى لا مثيل له على الصمود والتحدى للأعداء من البشر والطبيعة. يقول الصحفى “هاريسون ساليزبوري” من صحيفة “نيويورك تايمز”: “ فى المسيرة الطويلة شيء من خروج اليهود من مصر، وقليل من عبور هانيبال جبال الألب، وبعض من مسيرة نابليون إلى موسكو، ولدهشتي، وبعض من أصداء الغرب الأمريكي، والموكب العظيم على الجبال والبراري”. ولكن على الرغم من كل أوجه التشابه؛ فإن ما واجهته المسيرة الطويلة، لمدة سنتين من الزحف بطول الصين، كان أمرا لا مثيل له.

فلكى نعلم مدى الصعوبات التى واجهتها قوات الشيوعيين فى مسيرتها الطويلة، يكفى أن نقول ان القوات الزاحفة كانت تقدر بـ 86 ألف جندي، تتبعها 11 ألف رجل من قوات الدعم، ويعانون نقص الأسلحة والذخيرة، بلا بنادق تكفى الجميع وبلا مدفعية ثقيلة، والقليل من القنابل وقذائف الهاون، بينما كانت قوات “الكومنتانج” تقدر بـ 900 ألف جندي، وكان قائدهم “شيانج جاى تشيك” مدعوما من الموسرين الصينيين والمصالح التجارية الأجنبية، فأنفق 20 مليون دولار أمريكى على شراء أحدث البنادق والمدفعية والطائرات من الولايات المتحدة وأوروبا.

يطول الحديث عن بطولات المسيرة الطويلة، وهى مبسوطة فى الكتاب، ولا يغنى هذا العرض عن قراءة الكتاب، بل هو دعوة للاطلاع عليه للتعرف على أسطورة حديثة حدثت بالفعل، ولكن يكفى أن نذكر أن فاتحة هذه المسيرة كانت عبور نهر “شيانج”، على الرغم من العوائق المرعبة المتمثلة فى حصون الأعداء والحشود العسكرية إلى جانب المانع المائى للنهر، وقد تكلف عبور النهر 30 ألف قتيل وجريح. وهو رقم مذهل إذا تذكرنا أن مجمل شهدائنا فى حرب أكتوبر لم يتجاوز 8 آلاف شهيد.

لقد عبر الجيش الأحمر فى مسيرته الطويلة 24 نهرا و18 جبلا، منهم خمسة تغطيهم الثلوج، عبر 11 مقاطعة، خلال بعض أشد التضاريس وعورة فى العالم، وبقى من قواته على قيد الحياة ما نسبته 1 : 20 فقط من الذين بدأت بهم المسيرة الطويلة.

لقد كان نجاح المسيرة الطويلة فى بلوغ هدفها بمثابة انتصار لقوة الإرادة، وروح الثورة التى تأسست عليهما جمهورية الصين الشعبية. لقد انتهت المسيرة رسميا فى 22 أكتوبر 1936، ولكن روحها ما زالت تقود الصين فى مسيرة السلام والتنمية الاقتصادية.

لقد زرعت المسيرة الطويلة بذور التحولات الضخمة التى شهدتها الصين فى العقود القليلة الماضية، كالثورة الصناعية الأكبر على الإطلاق التى جرت فى غضون ثلاثة عقود فقط، بينما احتاجت فى أوروبا إلى ثلاثة قرون حتى تؤتى أكلها.

وفى كتاب “نظرة جديدة للمسيرة الطويلة” تعود كاميرات المصورين لتلقى نظرة جديدة على المسيرة الطويلة، وترى كيف تحولت ساحات المعارك إلى مناطق مأهولة بالسكان، وكيف صارت الأنهار – التى أعاقت مسيرة الجيش الأحمر حتى استطاع عبورها بخسائر فادحة – دعامة أساسية فى اقتصاد الصين بتوفيرها للطاقة الكهرومائية الضخمة التى يحتاجها التصنيع المتنامي، وكيف صارت المناطق العشبية، التى عانها الجيش الأحمر كثيرا، وسيلة من وسائل تخزين المياه والحفاظ على التوازن البيئي، إلى جانب الاستفادة من بعض المناطق الأخرى عبر تنميتها لتصير وجهة سياحية للسائحين من الصين ومختلف أنحاء العالم.

لقد تحققت كلمات الزعيم “ماو”، التى قالها قبيل انتصاره النهائى بقليل: “نحن لسنا جيدين فقط فى كسر العالم القديم، بل سنكون أيضا جيدين فى خلق عالم واحد جديد”؛ فالصين الآن صارت عالما جديدا، حقق معجزته الاقتصادية والإنسانية.

ختاما، لقد ظهرت الطبعة العربية من هذا الكتاب الفريد، فى مستوى طباعى فخم وإخراج فنى أخاذ على ورق مصقول، فى احترام كبير لطبيعة المحتوى المعروض القائم على الصورة الفوتوغرافية كعنصر رئيسي. وهى إحدى مآثر شركة بيت الحكمة المصرية للاستثمار الثقافي، ومديرها العام والشريك الرئيسى بها: د. أحمد السعيد، الذى يعد جسرا حضاريا بين ثقافتين عظيمتين بمجهوداته الكبيرة فى النشر والترجمة

 

___________________________________________

محمد ماهر بسيوني

باحث أكاديمى وناقد