فى غرفة العنكبوت.. أدخلته «مسكة يد» فى التجربة   بقلم : عبد الله غنيم   يُسجن مهندس الديكور، هانى محفوظ ضمن 52 رجلًا وُجِّهت إليهم اتهامات بالفجور وتأسيس جماعة دينية

779

فى غرفة العنكبوت.. أدخلته «مسكة يد» فى التجربة

 

بقلم :

عبد الله غنيم

 

يُسجن مهندس الديكور، هانى محفوظ ضمن 52 رجلًا وُجِّهت إليهم اتهامات بالفجور وتأسيس جماعة دينية تدعو لإعادة الاعتبار لقوم لوط فى قضية كانت الأشهر مطلع الألفية؛ عُرفت إعلاميًا بالـ«كوين بوت» أو «مركب الملكة ناريمان»، شهدت جلسات المحاكمة فيها متابعة إعلامية ووجودا أمنيا كثيفين وجدلًا شعبيًا حادًا، وكذلك على مستوى المؤسسات والجمعيات الحقوقية، وانتهت بعد عامين من التداول، بحكم يقضى بحبس ثلاثة وعشرين متهمًا لفترات تتراوح من السنة حتى الخمس سنوات.

فى السجن وقبيل خروجه بأيام يتعرّض محفوظ لصدمة عصبية، يفقد معها قدرته على النطق ليستبدل بها الكتابة لتصبح وسيلته الوحيدة للكلام. ينصحه طبيبه النفسى بالحكى عبر الكتابة، قضية «الملكة ناريمان» هى الأساس الواقعى للرواية فيما تغدو حكايته هى الرواية «فى غرفة العنكبوت» التى أتت فى 348 صفحة من القطع المتوسط.

فى مجتمع يعتبر المثلية الجنسية انحرافًا عن السائد، بل خطيئة تستلزم عقابًا قد يصل للقتل، ويُحارب قضاؤه حرية الإبداع بحجج خدش الحياء العام، مثلما حدث مع الصحفى والروائى المصرى أحمد ناجى وروايته «استخدام الحياة» فإنه من ضروب المغامرة كتابة ونشر رواية تدور حول عالم المثليين بكل ما يضمه هذا العالم من تفاصيل لا تستهوى المجموع، وتطرح أزمة هوية المثلى ومواجهاته مع أسرته ومع نفسه فى الأصل.

ثمة مغامرة أخرى يخوضها الروائى المصرى محمد عبد النبى خلال روايته الأخيرة «فى غرفة العنكبوت» والصادرة منذ بضعة أشهر، ويُنتظر صدور طبعتها الثانية خلال الشهر الجاري، حيث يغامر بكتابة رواية كلاسيكية دون حيل روائية، وبلُغةٍ كالمياه؛ سائلة وشفافة، تنساب بسلاسة الحكى ولا تتلون ببلاغة الأدب، من حدثها الفارق، لحظة القبض على بطلها وصديقه أثناء سيرهما على مشارف ميدان التحرير، بعيدًا عن مركب الملكة ناريمان محل الواقعة، فى مطلع صيف 2001، لأن مرشدًا دلّ الشرطة عليه، بينما استطاعت عائلة رفيقه ذات النفوذ إخراج اسم ابنها من أوراق القضية قبل خطّها.

هذه ليست رواية عن «الكوين بوت» بل عن هانى محفوظ الذى يقدم نفسه كمثلى تقليدي، يسكن حيًا راقيًا، متزوج ولديه ابنة، أقنعه أبوه الروحى «البرنس» بالزواج فى سبيل تأمين حماية اجتماعية، وقبولًا لصفقة عرضتها أمه المتشككة فى هواه الجنسي، ليحقق خلالها استفادة كاملة؛ نوعا من التخفى الاجتماعى فى ثوب الرجل المتزوج بامرأة، وتحقيقًا لصفقة مالية يتوسّع من خلالها فى مشروعه الربحي.

تبدّلت دلالات عنوان الرواية «فى غرفة العنكبوت» منذ قراءته على الغلاف وحتى ختامها، فما بين هشاشة شِباك العنكبوت أو السقوط كفريسة داخلها، والخوف منها، أو حتى الغزل البطيء لتلك المصيدة، تبدو كلها تأويلات صالحة للراوية، ما بين هشاشة هانى محفوظ وهشاشة عالمه السرى الذى انهار بعد وشاية أحدهم به لدى الشرطة، أو لسقوطه فى شِباك عنكبوت محظورات المجتمع ومحرماته فقط لأنه مختلف الهوى عن سائدهم، أو لأن هانى محفوظ كان يخاف من العنكبوت فى حداثته حتى انكسر خوفه مع أول لقاء بينهما فى السجن، أو لأن نسيج الحكاية من أوراق مذكرات محفوظ الأبكم بدا كنسيج عنكبوت يحتل مركزه هانى محفوظ، غزل عبد النبى خيوطه ببطء يحكى عن كل الأشخاص والأحداث فى عالم محفوظ المحدود بالحبايب وبعض الغيريين، يتسع المعنى ليضم كل هذه التأويلات إضافة لكون العنكبوت رفيق غرفته فى أوقات عزلته، وشريكه الصغير الخفى فى زنزانته المزدحمة.

يقتبس الكاتب فى مدخل روايته نصًا من كتاب «منطق الطير» لفريد الدين العطار، يهيئ به القارئ لما هو مقبل عليه، جاء فيه: «هام أحد السادة على وجهه بعيدًا عن أسرته، وساءت حالته من عشق صبى يبيع الفقاع، ومن فرط عشقه ذاعت قالة السوء عنه، وكانت له ممتلكات وضياع فباعها واشترى بثمنها الفقاع، وعلى الرغم من تخليه عن كل ممتلكاته وترديه فى الفقر، إلا أن عشقه كان يزداد ويتضاعف…. وسأله سائل: أيها الحزين المضطرب، ما العشق؟ لتوضح لى سره. فقال: هو أن تبيع مئة عالم من المتاع مقابل كأس من الفقاع».

 

محمد عبد النبي

محمد عبد النبي

 

دون حيل بنائية أو بلاغية، وبتداعٍ سردى سلس ومتدفق تسرى الرواية بعد حدثها الفارق بين عديد من الاسترجاعات الحدثية «الفلاش باك» من حياة هانى محفوظ، بداية من جده القادم إلى القاهرة ليعمل ممثلًا بمسرح نجيب الريحانى فى عشرينات القرن الماضي، مرورًا بقصة أمه الممثلة الثانوية المعتزلة التى تعود للتمثيل بمساحات أكبر وفرص أكثر للشهرة، وعلاقته بأمه، علاقته بأبيه، علاقته بأحبابه «الحبايب» كما يسميهم أبوه الروحي، وبدايات ميله ناحية الحبايب فى مراهقته ليكون واحدًا منهم.

لا تخلو سيرة المثلى الأربعينى هانى محفوظ التى يحررها أو لنقل يرويها محمد عبد النبى من وقائع تفصّل طبيعة المجتمع بمواطنيه وصحفييه وشرطته فى مطلع الألفية، شخص واحد لم يختبر تجربة أقسى من هجر حبيب، متخفيًا بهويته الجنسية المغايرة وسط زحام واضطهاد المجموع لأقليته المستضعفة عليه بين يوم وليلة أن يواجه هذا المجموع، لا يسانده غير أبيه الروحى وحبيبه، يفصل بينهم أسوار الحجز والحبسخانة وأبواب سيارات الترحيلات، يكاد هانى محفوظ يكون شخصًا خاويًا لا يعرف كيف يشعر تجاه حوادث الزمن، عرف أن أمه تزوجت عرفيًا وتخبط بين ردود الفعل التى يجب أن يتخذها، ولا يقوى على السير وحده، هناك دائما من يسنّده، إما أم، حبيب، أب روحى أو حتى رفيق زنزانة، ورغم ذلك فإن صوته هو الغالب إن لم يكن الوحيد فى الرواية، بطبيعة حاله كراوٍ يكتب مذكراته، حتى مع هذه الحالة التى تُصاغ فيها ملامح شخصية هانى محفوظ لم يظهر كبطل، وإن امتلأت سيرته بتفاصيل تسمح له بارتداء قميص البطل، إلا أن شخصيته التى تشكلت طفلًا ثم مراهقًا مع كثير من الاضطهاد والخوف والسرية واللذات المختلسة، لم تنضج لتصبح بطلًا متمردًا، أو حتى شخصًا يهتم لأمور أقاربه، بل جاء هانى شخصًا عاديًا من عداد آخرين، تمضى حياتهم، بما فيها حياتهم الشخصية العاطفية والجنسية، وسط «الحبايب» على الأقل، كما تمضى الحياة فى أى مكان آخر بغض البصر عن الهوية الجنسية لسكانه.

هانى شخص عادي، تعرض للأذى متمثلًا فى عدم تفهم بل رفض من حوله لميوله واضطراره لمداراة حياته فى حيوات الآخرين، كما أنه شخص مؤذ له ضحايا فضلًا عن كونه ضحية مجتمع يرفض الانشقاقات السياسية والثقافية وبالطبع الجنسية، هذا المجتمع بقواعده وقيوده ومنظومته الأخلاقية شماعة ضخمة يمكن أن يُعلَّق عليها أى ضحية، كذا يعطى الضحية المبرر لإيذائه للآخرين، وقد يرى أنه فى الأصل لم يؤذِ أحدًا، مثلًا هانى محفوظ لم ينتبه إلى ضحيته الرئيسة فى الحياة؛ زوجته، الشابة مقبولة الجمال التى تزوجها مثلى مقابل قرض مشروط بالزواج، ولم يصرح لها بمثليته، بل استعان بفتاة ليل ليتدرب على الممارسة الجنسية بين رجل وامرأة، لتكتشف زوجته ميوله بعد إنجاب ابنتهما، وتضطر للطلاق إذعانًا لضغط أهلها، بعد سجنه ونشر اسمه إعلاميًا، وكل ما ترد به هذه الضحية الجليّة مجرد صفعة تحفظ بها كل الود بين زوجين منفصلين أخفى الأول سره عن الثانية.

لا يرى غير أبناء هواه، فلا أحد «غيري» يتكلم فى الرواية. قد ينطق شرطى أو زميل زنزانة، لكن بسباب فاحش للمثليين. يعكس هانى فى دفاتره القمع الذى يمارسه غير المثليين على المثليين فى الواقع. فيجد القارئ نفسه أمام عالم يفتقر إلى التوازن. فالراوى ينحاز إلى بطله فى سجل اعترافاته ويحرص على إبراز تنويعات المثليين، الذين ينمطهم الواقع، فنجد فى الرواية المثلى الرزين، والمثلى المناضل صاحب المبادئ السياسية، والمثلى المتقوقع، والمثلى ذا الميول المزدوجة، والمثلى المتدين أو المتصوف، كريم طالب الأزهر ابن الفتوة الأسطورى الذى يحتوى هانى محفوظ ويكون أخًا حقيقيا له طوال شهور السجن، والمثلى ابن أمه، والمثلى ابن المجتمع الذكوري. ولكننا لا نجد من غير المثليين إلا فئة واحدة، تلك التى ترفض المثلية بشدة.

أدخلته مسكة يد فى التجربة؛ إيداع بالسجن لشهور على خلفية قضية تشغل منظمات عالمية، تشهير يتبعه طلاق بالسجن، تبدأ الرواية وتنتهى بلقاء يد بأخرى، بداية قلقة تنفتح على تورط فى قضية جنسية تخدش الحياء العام، ويعدها المجتمع فضائحية، تتسلى على أخبارها الصُحف مرورًا بتجربة قاسية على بطلها مع حكاية لتجربته الحياتية ومراهقته وشبابه ونزقه وتنتهى ببداية تجدد القصة القديمة، بافتتاحية تقليدية كـ«أذكر الآن كيف بدأ هذا الكابوس… ربما كانت هذه المرة الأولى التى أمسكت فيها يده فى الشارع أمام الناس» لينهى الفصل التاسع والثلاثين والأخير بثقة من مر بأسوأ تجاربه ولا خسارات محتملة أكثر مما خسر بـ «ما إن سرنا معًا إلى سيارته حتى بادر بمد يده، وأمسك أصابعى فى كفه الكبيرة. كان كل شيء ممكنًا فى هذه اللحظة».