ما زالَ هُنا عبدُ الناصر زيارة خاصة لمتحف الزعيم الخالد بمنشية البكرى “رؤية معمارية”   بقلم : سالى رياض   السيّدُ كانَ صديقَ الشمس فكفّوا عن سكبِ العبراتْ السيّد ما

nasser-museum-034

ما زالَ هُنا عبدُ الناصر

زيارة خاصة لمتحف الزعيم الخالد بمنشية البكرى

“رؤية معمارية”

 

998973_10203916576933879_271266521_n

بقلم :

سالى رياض

 

السيّدُ كانَ صديقَ الشمس

فكفّوا عن سكبِ العبراتْ

السيّد ما زالَ هُنا

يتمشّى فوقَ جسورِ النيلِ

ويجلسُ فى ظلِّ النخلاتْ

ويزورُ الجيزةَ عندَ الفجرِ

ليلثمَ حجرَ الأهراماتْ

يسألُ عن مصرَ.. ومَن فى مصرَ

ويسقى أزهارَ الشرفاتْ

ويصلّى الجمعةَ والعيدينِ..

ويقضى للناسِ الحاجاتْ

ما زالَ هُنا عبدُ الناصرْ

فى طميِ النيلِ، وزهرِ القطنِ

وفى أطواقِ الفلاحاتْ

فى فرحِ الشعبِ

وحزنِ الشعب. وفى الأمثالِ وفى الكلماتْ

ما زالَ هُنا عبدُ الناصر…………. صدق الدمشقى شاعرنا نزار قبانى ففى ضاحية منشية البكرى شيد المعمارى كريم الشابورى متحف الزعيم جمال عبد الناصر.

مررت عبر بوابات الزمن لأرصد حقبة من تاريخنا الحديث فصاحبنى صوت العندليب منذ الوصول إلى المغادرة وكأنى مدعو ة لعرض سيموجرافيا بقاعة عرض سينمائى صممت زواياها عبر مفردات وعناصر لغة معمارية غاية فى التبسيط والعمق حيث بانوراما العرض المتحفى تتناغم مع صوت عبد الحليم حافظ هذا الصوت الذى تنزل علينا من سماوات التكوين ليحدث حالة من النوستالجيا لهذا العصر بكل عناصره ومفرداته لتكون صورة صورة للكبيرصلاح جاهين أول ما يسرى بروحك إلى أن تتنوع الأغنيات التى أرخت لتلك الفترة الاستثناية من تاريخنا الحديث من وطنى حبيبى الوطن الأكبر الى ذكريات، مرورا بـ«ذات ليلية»، ثورتنا المصرية، التى تروى قصة الثورة حيث نرى من خلال الواجهة الخاصة بالبيت السيارة التى استقلها الزعيم ليلية القيام يوليو1952 لتكون شاهدا على لحظة فارقة فى تاريخ مصر والتى واكبها تحولات كبرى يسردها المتحف، من خلال زواياه إلى «راية العرب»، قلنا هنبنى وأدينا احنا بنينا التى تجسد حكاية شعب، المشهد الثالث فى الرواية هنا استخدام للصوت والموسيقى كأحد عناصر التشكيل فى الفراغ حيث تمر أمام التمثال الذى نحته المثال المصرى جمال السجينى ووضع فى المدخل فى ارتفاع متوسط ليكسب المدخل حميمية وكأن التمثال يرحب بالرواد المتوجهين ليسمح تصميم السور بالرواية البانورامية لطول الواجهات مع مراعاة الجانب التقنى الخاص بالتأمين فى مواءمة استدعتها الضرورة فجاء السور يسمح للمارة بتسجيل مشهدية البيت والمتحف.

فى مدخل البهو كانت صور الزعيم بحجم كبير مثبتة على الحوائط فى حوارية بصرية بين العرض المتحفى والصور لتصبغ الحيز الداخلى بالبهاء، والفخامة وكأنك فى قدس الأقداس معبد مصرى قديم تمر عبر مركب الشمس إلى الطريق الصاعد لتكون حكاية شعب أحد السيناريوهات الثلاثة ليتحول المتحف إلى حكاء عبر شاشات العرض الديجيتال، ووحدات العرض المتحفى للمقتنيات التى لعبت دور البطولة فى سينما الشابورى عبر الوثائق تارة والمادة الفلمية تارة عبر تجسيد السيموجرافيا كإحدى أدوات العرض المتحفى لثراء شخصية الزعيم والفترة الزمنية حيث تنوعت الوسائط بين مقتنيات من عدة دول وبالأخص الدول العربية ودول عدم الانحياز، وبعض الدول الأوروبية والإفريقية وروسيا وتمثلت المقتنيات التى حرصت الدكتورة هدى عبد الناصر على جمعها وتصنيفها فقد عكفت سنوات على مشروع التأريخ لسيرة الزعيم فجاء المتحف ليكون عرضا حيا لرحلة البحث عن السياسى والقائد والرجل الذى خرجت جماهير الشعب العربى تودعه فى مشهد جنائزى أطلق عليها جنازة القرن والتى خصص لها جناح يحتوى على غرف تحتوى على شاشات العرض الديجيتال من زاوية ومخطوطات ووثائق من الزاوية المقابلة واستطاعت التكنولوجيا الحديثة الرقمية عرض ذلك والتحكم به عبر منظومة تتيح لرواد المتحف الاستمتاع بالعرض اذ لم يكن من هواه القراءة «فالأذن تعشق قبل العين أحيانا» فكانت احدى أدوات الشابورى التى جسدتها عدسة المصور نور الرفاعى التى أكسبت قاعات العرض المتحفى نداوة.

الحكاية مش حكاية السد حكايتنا احنا حكاية شعب، هى إحدى أغنيات الحليم التى تجسد أسطورة بناء السد العالى أحد منجزات ثورة يوليو 1952 حيث نجد فى العرض المتحفى ماكيت للسد صنعه العاملون به أحد أبطال سر الأرض الأبنودى فى رائعته «جوابات حراجى القط» العامل المصرى صاحب ملحمة البناء والذين أهدوه لناصر ليجسد المتحف علاقة الجماهير بالزعيم.

جاءت فكرة المتحف عبر فوز المعمارى ومصمم العرض المتحفى كريم الشابوري بالجائزة الأولى للمسابقة المعمارية لتحويل منزل الرئيس جمال عبد الناصر إلى متحف فى عام 2009… والذى افتتح فى أكتوبر 2016 الذى تخرج فى كوكب الفنون الجميلة عام 2001، وشارك فى الفترة ما بين عامى 2001 و2004 فى تصميم متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية وقاعة المئوية بالمتحف المصرى وامتداد متحف الأقصر..

وشارك فى الفترة ما بين عامى 2005 و2009 فى تصميم العديد من المتاحف المصرية تشمل على سبيل المثال مشروع تطوير المتحف القبطى بمصر القديمة ومتحف التنوع البيولوجى بشرم الشيخ ومتحف البريد المصرى بالقرية الذكية وغيرها، ثم قام فى الفترة مابين 2009 و2016 بتصميم العديد من المتاحف والمعارض داخل وخارج مصر تشمل:

معرض تاريخ مصر واليونسكو بقصر اليونسكو بباريس 2009 – متحف الآثار المصرية بالأكاديمية المصرية للفنون بروما 2010 -المعرض المصاحب لمشاركة الخاصة لمصر كضيف شرف بمعرض السياحة الدولى ببرلين ITB Berlin 2011، اختير كعضو جائزة الدولة للإبداع الفنى بالأكاديمية المصرية بروما فى مجال عمارة المتاحف 2004-2005.

شارك ببينالى بيسكارا بإيطاليا لعمارة البحر المتوسط عام 2005

فى عام 2007 حصل على درجة الماجستير فى «العمارة، الاركيولوجيا والموزيوغرافيا» من اكاديمية أدريانية بروما، وحتى 2010 واصل دراسة التاريخ والحفاظ على العمارة من بجامعة روما «لاسبينزا».

 

9

 

متحف جمال عبد الناصر 2016

اعتمد المتحف على مبدأ اساسى فى نظريات الترميم والحفاظ الخاصة بالمبانى ذات القيمة والتى تتم اعادة تاهيلها بشغلها بوظائف مستحدثة لم يتم تصميمها فى الاصل لتحويها، الا وهو تقييم المخاطر او كما يصطلح على تسميته Evaluation of Risks وهذا المبدأ يرتكز اساسا على فكرة ان اى مبنى يعاد توظيفه بشكل مخالف لما انشئ من اجله، حتما يتعرض لتعديلات ضرورية للوظيفة المستحدثة وهذه التعديلات قد تؤثر بشكل ما على طبيعة المبنى. وبالتالى فان عملية تقييم المخاطر تهدف فى الاساس إلى المقارنة بين كل من القيمة المضافة التى تنتج عن اى تعديلات بالمبنى والقيمة الفعلية التى يمكن ان يفقدها المبنى نتيجة لهذا التعديل، وبالتالى تضمن وجود مرجعية لتبرير ضرورة التدخل من عدمه حيث ان عملية اعادة توظيف اى مبنى تراثى هى عمليا عملية حفاظ Conservation، وبالتالى ضروريات نجاح هذه العملية هى فى حد ذاتها حفاظ على المبنى، حتى ان بدت ظاهريا دون ذلك.

ومرت مراحل عدة وهى اعادة تاهيل المبنى واستحداث وظيفة جديدة استطاع المعمارى الإيفاء بالمتطلبات الوظيفية والطابع المعمارى والعمرانى لإنشاء متحف. حيث اعتمد على اعادة خلق العلاقة بين البناء والمجال العمرانى المحيط، نرى من خلال التصميم الحديقة الامامية للمبنى كفراغ عمرانى عام بحيث تتحول حديقة المدخل إلى ساحة عامة مرتبطة بشكل مباشر بشارع منشية الطيران، بحيث يمكن للمارة التجول من خلالها بحرية مع تعديل منسوب الحديقة بشكل جزئى وذلك من جهة الشارع لتكون على منسوب + 75 سم، مع الاحتفاظ بمنسوبها الطبيعى من جهة واجهة المنزل وذلك لخلق شرفة عمرانية مطلة على المنزل، من خلال هذه الشرفة العمرانية يستطيع اى متجول بالشارع ادراك الحضور المؤثر للمبنى وادراك طبيعة كونه مبنى عاما وليس مبنى خاصا، وبالتالى التغلب على رهبة الاقتراب والاستكشاف. الا ان هذه الشرفة لا يقتصر دورها الوظيفى على ربط المبنى بالمجال العمرانى المحيط بشكل مباشر لكن ايضا فهى تشكل جزءا من المشهد المتحفى «Museum Scene» حيث انها فى الحقيقة Urban setting يهدف إلى متحفة البناء فى حد ذاته Building Museumfication بمعنى ان يصبح المبنى نفسه عنصر object يتم عرضه متحفيا لكن من خلال اطار ومقياس عمرانى، حيث ان المبنى هو العنصر الاساسى او the Master Object of the Collection وبالتالى فانه من الضرورة ادراكه فى اطار مشاهدة وليس مجرد اطار استخدام مبنى واحد وواجهتين.

الواجهة الاولى «المنزل» أقيم على فكرة خلق هذه الشرفة العمرانية المطلة على المبنى اعاقة عملية الدخول اليه من الواجهة الرئيسية، وهذه الاعاقة مقصودة تصميميا بحيث ينتهى دور هذه الواجهة ووظيفة الدخول من خلال الباب الرئيسى للمنزل الموجود بها نهائيا، وبالتالى ودائما فى اطار التناول المتحفى للمبنى بالمقياس العمرانى، يحدث ما نطلق عليه Freezing of the scene او بمعنى اخر تستقر فى وجدان المشاهد للواجهة ان هذه واجهة منزل الرئيس جمال عبد الناصر والباب الموجود بالواجهة هو باب بيت الرئيس، وبالتالى يستطيع ان يحتفظ فى ذاكرته بمشهد بيت الرئيس دون حدوث خلط بين كونه بيت الرئيس او كونه متحفه. وبالتالى يتضح ان عملية الدخول إلى المبنى «المتحف» لن تكون من خلال الباب الرئيسى، واهمية ذلك ليست وظيفية فقط كما سيتم التعرض له لاحقا لكن ايضا لان هذا الفعل يرسخ مفهوم Museumfication of the Building لان العنصر الذى يفقد وظيفته هو فى الحقيقة museum object لان وظيفته اصبحت تاريخا وليست حاضرا وهذه فكرة شديدة الاهمية فى التناول المتحفى لاى عنصر.

ولتأكيد كون الواجهة الرئيسة للمبنى اصبحت فى حكم الواجهة التاريخية تمت الاستعانة ببعص المؤثرات البصرية والسمعية والمتمثلة فى استخدام عدد من الـvideo projectors الموزعة اسفل الشرفة العمرانية وفى مواجهة الواجهة وذلك لاسقاط مشاهد متقطعة من الفيديو او الصور للرئيس عبد الناصر مع وجود مؤثرات صوتية مصاحبة من خلال سماعات خاصة كجزء من الاثاث العمرانى للشرفة، بحيث يتحول المشهد من خلال هذه السينوغرافيا إلى ما هو اشبه بـFlash back وبالتالى يترسخ بشكل نهائى عند المشاهد كون هذا بالمبنى متمثلا فى واجهته هو منزل بيت الزعيم عبد الناصر فقط.

الواجهة الثانية واجهة «المتحف» التى يتم من خلالها الدخول إلى المتحف، ليست هى الواجهة الرئيسية للمبنى وذلك للاعتبارات الموزيوغرافية التى تهدف إلى متحفه الواجهة الرئيسية وايضا لاعتبارات وظيفية متعددة لذلك فقد تم تصميم واجهة جديدة للمتحف وذلك باستغلال الواجهة الشرقية للمبنى والمطلة على شارع الخدمة والذى سيتحول بدوره إلى الشارع المؤدى إلى المدخل وعملية انزال الزوار، اما بالنسبة للمشاة فيتم الوصول اليها من خلال الساحة الخارجية «الشرفة العمرانية». بالنسبة إلى شباك التذاكر والامانات فتقع خارج المتحف وذلك فى ساحة المدخل والمؤدية ايضا إلى الحديقة الخلفية والتى لا يشترط الحصول على تذكرة دخول لزيارتها حيث يتم التعامل معها كحديقة عامة «مع الاحتفاظ بامكانية غلقها عند الحاجة» وذلك حيث ان فكرة الملكية العامة احدى أهم سمات عصر الزعيم فجاء التصميم يجسدها.

تعتمد عملية اعادة التاهيل المعمارية على اعادة استخدام فراغ المطبخ ليصبح هو صالة المدخل إلى المتحف وذلك حتى يتسنى توظيف مساحته بحيث تحتوى على الوظائف الرئيسية لصالة المدخل والمتمثلة فى اجهزة التامين arch way & x-ray، بالاضافة إلى كاونتر الاستقبال information point وكذلك الكاونتر المخصص لتوزيع اجهزة الدليل الصوتى Audio Guide.

وكذلك فان صالة المدخل التى هى ايضا نقطة المغادرة تحتوى على جزء مخصص لبيع الهدايا التذكارية Gift shop يمر الزائر من خلالها تلقائيا عند مغادرة المتحف وتؤدى به مباشرة إلى الحديقة الخلفية..

بهو المتحف Foyer

ينتقل الزائر مباشرة من صالة المدخل إلى بهو المتحف الذى يشغل حيز الفناء الداخلى بعد تغطيته بارتفاع المبنى، والذى تمتد تغطيته افقيا باتجاه صالة المدخل ثم راسيا إلى اسفل لتشكل الواجهة الجديدة للمتحف، وهو الفراغ المحورى للمتحف الذى من خلاله يتم استيعاب الزوار وتوزيعهما على مسارات الزيارة المختلفة، والتى بدورها تنتهى فى نفس الفراغ ليبدأ كل زائر جولة جديدة. حيث ان الزائر للمتحف يستطيع اختيار احد ثلاثة مسارات ليبدأ منها زيارته للمتحف. جميع هذه المسارات ذات اتجاه واحد وتنتهى بنفس الفراغ «البهو» وبالتالى يستطيع الزائر التجول عليها بالتتابع.

تم توظيف البهو كاداة توجيه للزوار حيث انه هو نقطة بداية ونهاية كل مسار زيارة، كما انه يمكن تحديد موقعه بسهولة من اى مسار وبالتالى فهو يلعب دور الـway finding للزائر بحيث يظل دائما على دراية بموقعه، مما يسهل عليه زيارة المتحف. كما ان هذا البهو يمكن توظيفه كفراغ احتفالى لاى مناسبة مع امكانية ايجاد اتصال مباشر بينه وبين الحديقة الخلفية والتى تصلح بدورها كحديقة احتفالات.

فراغات العرض المتحفى معماريا

تم تقسيم مسار الزيارة إلى ثلاث جولات، ويرجع ذلك إلى سببين رئيسيين، الاول هو طبيعة الفراغات المتاحة وطريقة تقسيمها وبالتالى توزيع كثافة الزيارة بشكل منتظم على فراغات المتحف، اما السبب الثانى فهو سيناريو العرض المقترح الذى جاء ليتناسب مع امكانيات الفراغات المتاحة، وهو ما سيتم التعرض اليه لاحقا فى الجزء المخصص لسيناريو العرض المتحفى بالتقرير.

سيناريو العرض المتحفى

يقسم سيناريو العرض المتحفى إلى ثلاث جولات متحفية تبدأ وتنتهى بالبهو الرئيسى بالاضافة إلى التهيئة العمرانية المتحفية.

الجولات المتحفية الثلاث

تعتمد فكرة سيناريو العرض على تناول شخصية وسيرة وحياة الزعيم جمال عبد الناصر من خلال ثلاثة محاور تختلف باختلاف محتوى العرض وبالتالى فان طبيعة المعروضات هى اساس تقسيم السيناريو بحيث تقسم الزيارة إلى ثلاث جولات متحفية تعرض كل منها جانبا من جوانب حياة الرئيس عبد الناصر. وبالتالى يتم تناول الشخصية من خلال ثلاثة «رواة»:

 

منشية البكرى «البيت»، حكاية شعب، قاعة المقتنيات

«ولست نبيا

ولكن ظلك أخضر..

نعيش معك

نسير معك

نجوع معك

وحين تموت

نحاول ألا نموت معك

ففوق ضريحك ينبت قمح جديد

وينزل ماء جديد

وأنت ترانا

نسير

نسير»

 

محمود درويش

 

nasser-museum-021

 

 

منشية البكرى

المشهد الأول

على الجانب الأيمن يطل البيت الذى سكن الزعيم فيه وحكم مصر عبر زواياه وردهاته واستقبل فى الصالون كبار الشخصيات التى لعبت دورا مهما آنذاك للرجل ذى الظل الأخضر يمثل البيت فى الواقع جزءا من البيت وليس البيت كله فقد تم الاحتفاظ بالفراغات الرئيسية التى تمت الاشارة اليها بكراسة الشروط والمتمثلة فى مكتبى الرئيس بكل من الدورين الارضى والاول والصالونات الملحقة بهما، بالاضافة إلى غرفة نوم الزعيم وغرفة المعيشة وصالونين بالدور الارضى، هذا على ان تتم اعادة تاسيس الفراغات التى لا تحتوى على اثاث مشابه لما كانت عليه وذلك لاعطاء صورة كاملة للزائر عن الشكل الذى كان عليه البيت وطبيعة الحياة بداخله. وقد تم تخصيص عدد من الغرف بالدور الاول بالجزء المخصص للبيت لتجهيزها متحفيا لعرض متعلقات الرئيس الاقرب للتواجد بالبيت وهى المتعلقات الشخصية، وبما ان عملية التدخل التصميمية مقيدة بشكل كبير داخل حيزا البيت، حيث يتوجب الحفاظ عليها كما هى، فان فكرة الاعداد المتحفى لها تعتمد على تصميم الزيارة فى حد ذاتها من حيث حركة الزائر، بداء من فراغ المدخل الذى يهدف إلى التحكم فى معدل تدفق الزوار بهذا الجزء من المتحف، مرورا بصالة الاستقبال والتى يراد من خلالها اعادة تذكير الزائر بانه بداخل بيت وبالتالى فان لهذا البيت خصوصية، لذا فعليه الانتظار حتى يسمح له بالدخول وذلك من خلال مرافقين اشبه برجال المراسم بحيث تترسخ عند الزائر فكرة زيارته لبيت زعيم وليس لبيت عادي، يضم البيت «المتعلقات الشخصية، وكاميرات التصوير التى اقتناها الزعيم حيث كان شغوفا بالتصوير وسماع الموسيقى ولعب البينج بونج، والشطرنج، وأيضا صور العائلة التذكارية، دبلة الزواج، وصورا لحفل زفافه من السيدة تحية كاظم رفيقة العمر وصورا لأسرته ومكتبه الذى شهد أهم القرارات نجد به مكتبة ومكتبا وكرسيا على الطراز الأمريكى قد أهداه اياه هيكل بعد زيارته لمكتب هيكل بالأهرام آنذاك، والصالون الذى استقبل فيه العديد من الشخصيات التى لعبت دورا تاريخيا وقد كان هناك تقليد أن من يزور الزعيم توضع له صورة فى الصالون، وأيضا تشتمل المقتنيات على عدد من بزاته وربطات العنق، والقبعات، وصورة نادرة للزعيم فى 1948 أهداها المهندس عبد الحكيم عبد الناصر للمتحف وهو فى فلسطين فى حرب 48 ويرتدى الزى العسكرى ووضعت الصورة مع الكاب الذى ارتداه آنذاك كأحد مقتنيات العرض المتحفي».

هنا شعور يصعب على وصفه فلقد صعدت إلى غرفة نوم الزعيم الغرفة التى صعدت روحه منها والتى ما زالت تسكن المكان والزمان واذ بصوت الأبنودى يمر «يعيش جمال حتى فى موته» ما هو مات فعاش.

هنا حوارية المشهد الثانى حكاية شعب وما أبدعها من حكاية يحكيها الحكاء والبناء المصرى الذى شيد بطول الوادى أنشودة الخلود. تعتمد الفكرة التصميمية فى هذا المسار من البهو ثم ينتقل إلى الدور الاول فى مسار ذى اتجاه واحد إلى التأريخ لحياة الزعيم عبد الناصر من خلال الاحداث التى شهدها وصنعها. يبدأ المسار بالدور الارضى بتمهيد عن وضع مصر قبل قيام الثورة والاحداث السياسية والاجتماعية التى عجلت بقيام الثورة حيث ينتقل رواد المتحف إلى الدور الاول ويتم تتابع سرد الاحداث بعرض الفترات الزمنية المتلاحقة والاحداث الرئيسية التى شهدتها وذلك من خلال عرض يعتمد فى الاساس على وسائط الفيديو والوسائط السمعية بالاضافة إلى مجموعة من المعروضات المتعلقة بالاحداث المختلفة والمؤرخة لها. وينتهى المسار بمشهد الجنازة وذلك كله فى اطار سينوغرافى اشبه ببلاتوه السينما يخلق عند الزائر الاحساس بتواجده داخل احداث تتم محاكاتها.

المشهد الثالث : قاعة المقتنيات

فى تلك القاعة وحدات العرض المتحفى تعرض مجموعة مقتنيات الزعيم كالاوسمة والنياشين والخطابات حيث استخدمت لاعادة سرد سيرته من خلال دلالات هذه المقتنيات والاشخاص المرتبطة بها والاحداث التى نمر من خلالها لبوابة زمنية غاية فى الثراء والتناقضات حيث بعض السيوف والخناجر المهداة من الملك فيصل ملك السعودية، وملوك وأمراء الكويت واليمن وغيرها، وجزء من كسوة الكعبة.

وكثير من الأوسمة من رؤساء كنهرو وتيتو وتمثال للمثال المصرى الفذ جمال السجينى وقصة السجينى مع الزعيم قصة يجسدها الحجر حيث نحت تمثالا للتعبير على تماهى الجماهير معه فى تلك القاعة ثم جسد لحظة الرحيل عبر قبضة اليد وتمثال الوجه ويعد قناع الموت أو قناع الحياة فنا ارتبط بالعصور الوسطى فى أوربا لكن سرعان ما أخذ فى الانحسار نظرا لاختراع الكاميرا وانتشار التصوير الفوتوغرافي.

«Death mask or life mask» يصنع هذا القناع عن طريق سكب مادة الجص أو الشمع على وجه الميت من اجل الاحتفاظ بصورة طبق الأصل عنه، وأحيانا كان يصنع من اجل نحت تمثال أو رسم لوحة للمتوفى.

نصعد عبر سلالم إلى الدور العلوى ليمر بنا العرض السينمائى إلى أهم المراحل 1952 وحادث المنشية والتأميم 1956 والسد ونكسة يونيو 1967 والذى أطلق عليها الشابورى العدوان ونصعد عبر سلالم اختيرت التكسيات لها من الأخشاب لتتلاءم مع الهندسة المعمارية للبيت وهو أحد أهم التحديات التى واجهت المعمارى وهو الحفاظ على هوية البيت وخلق حيز داخلى يتماهى مع الكتلة التاريخية للمكان بحلول مبتكرة ولا تشعرك بالاغتراب نظرا لحداثة الفترة وحيويتها فى المنتصف شاشة عرض نصف دائرية لتسمح برؤية متسعة وتضعك فى اختيار بين ثلاثة محاور هنا.

فى وداع هذا المتحف يودعك حليم ويظل العرض يصحبك إلى أن تمر فى جنبات الحديقة وكل ما حولك يعزف معزوفة تموج بين الجسد والروح، بين الانتصار والانكسار الضددين جاءت المجموعة اللونية بين الألوان المحايدة الرمادية لتسمح للرؤية البصرية بالانسيابية وتتماهى مع الزجاج الذى ينشد الشفافية وصورة ناصرتلوح لك لتشعرك بالألفة وكأنك فى حضرة الغياب صورة وفى لحظة التأميم تمر عبر القناة كسفن الوصول وفى مشهد الثورة تسمع البيان وفى لحظة النكسة تخرج إلى شوارع المحروسة لتغنى أبدا بلدنا للنهار لتعبر قبل العبور ثم مشهد النهاية الوداع يا جمال……. والجماهير فى حضرة القائد والمعلم لا تغيب.. هكذا سطر الشابورى سينما ناصر 2016 صوتا وصورة.

 

#ملحق الصور .. عدسة الفنان الكبير “نور الرفاعي”

 

img_9837 nasser-museum-013 nasser-museum-021 nasser-museum-024 nasser-museum-034 nasser-museum-179 nasser-museum-209