مجموعته ”عسل النون” تنافس على جائزة ملتقى القصة بالكويت محمد رفيع: أساطيرى الجديدة تكشف أسرار الوجود السياسة خدعة والسقوط فيها يعوق التواصل مع الإنسانية الكتابة فن تحريضى بالأساس    

the-1

مجموعته ”عسل النون” تنافس على جائزة ملتقى القصة بالكويت

محمد رفيع: أساطيرى الجديدة تكشف أسرار الوجود

السياسة خدعة والسقوط فيها يعوق التواصل مع الإنسانية

الكتابة فن تحريضى بالأساس

 

 

حوار : رشا حسنى

 

روح جديدة بثها الكاتب محمد رفيع فى عالم الإبداع سواء بإبداعه القصصى أو الروائى .. بدت خطواته متمهلة لكنها مع مرور الوقت أكدت رسوخها.

الكتابة عند “رفيع”هى إعادة خلق وتشكيل للعالم كله بأساطيره وحقائقه، تاريخه ومستقبله .يملك رفيع روحا ساخرة تتبدى حتى فى أشد المشاهد قسوة وكذا رؤية إنسانية تصبغ عالمه القصصى وإن تعددت وتنوعت موضوعاته .

برزت فى أولى مجموعاته القصصية ” ابن بحر”، الصادرة عام 2005 سلاسة اللغة وجدتها وبدت قصصه رغم قصرها وتكثيفها مفتوحة على عوالم رحبة، وهوالاتجاه الذى أكده فيما بعد فى روايته “ساحل الغواية” ومجموعته “أبهة الماء” التى نال عنها عام 2012 جائزة ساويرس للكتاب الشباب .

أما “عسل النون” المرشحة ضمن خمس مجموعات لجائزة ملتقى القصة القصيرة بالكويت فى دورتها الأولى، فيمكن اعتبارها لبنة جديدة أضاءت مشروعه الإبداعى ونقلته خطوة للأمام على مستوى السرد والرؤية واللغة.

هنا حوار مع صاحب “عسل النون” نتنقل معه بين محطات مختلفة فى مشواره الإبداعى المتميز:

– بدأت النشر على نفقتك الخاصة رغم جودة أدبك وتميز صوتك الإبداعى هل كان ذلك انعكاسا لحالة التهميش التى يعانيها المبدعون خارج حدود العاصمة؟ ولماذا لم تنشر حتى الآن فى سلاسل وزارة الثقافة؟

فى البداية فعلا نشرت على نفقتى الخاصة لأنى كنت لا أصبر كثيرا على خروج العمل إلى النور ففور انتهاء التجربة أكون متلهفا على رؤية رد الفعل وكان يصيبنى اكتئاب ما بعد الانتهاء من العمل ولا تذوب هذه الحالة إلا مع صدور العمل وبداية مناقشته ومجىء ردود الفعل وكان النشر الخاص يحقق الى حد ما هذا التوازن لى وقد دأبت فى البداية على الادخار فى حصالة خاصة بالعمل من بداية كتابته حتى يوم الانتهاء منه وإن كنت فى المتوسط أصدر كتابا كل أربع سنوات فيكون الأمر هينا، أما بالنسبة لوزارة الثقافة فلم أتقدم بأى عمل لأى من السلاسل ربما لخوف داخلى من التعامل مع العمل بصورة لا أرضاها فأنا حريص على مراجعة العمل ورسم الغلاف وتقديم رؤية للإخراج الداخلى وتاريخ النشر وأهتم بكل التفاصيل الدقيقة مع كل عمل ولست أدرى حقيقة ان كنت قادرا على فعل ذلك وسط قبائل الموظفين فى الوزارة ام لا لكنى على كل حال أرحب بالتجربة وسأخوضها اذا ما واتت الظروف.

 

tth

 

– هل تسببت نشأتك فى مكان يصنف ضمن المناطق البعيدة عن المركز فى مصاعب إضافية واجهتك فى بداية الطريق.. وكيف نجوت بإبداعك من سمات أدب الأقاليم؟

فى البداية وجدت صعوبة بالغة وطرقا وعرة أتلمس فيها الطريق، لكن مع المثابرة والإيمان بالموهبة بدأت ملامح الطريق تتضح، وإن ظلت هناك ظروف صعبة نتيجة لاختيارى أن أكون كاتبا مستقلا لا ينتمى لمؤسسة إعلامية أو صحفية أوحتى أحزاب سياسية فأنا لا أتوارى إلا خلف الفن ولا أجد زادى إلا منه ومن نبع الموهبة والتجريب.

– بخلاف المتوقع من كاتب ينتمى لساحل الصحراء كما تسميه، تطرح كتاباتك دوما رؤى كلية وبرغم اهتمامك بالتفاصيل ينتصر البعد الإنسانى على ما يمكن أن يتوقعه القارئ من انعكاس لخصوصية البيئة.. بم تفسر ذلك؟

أنا واع جدا لفكرة الا اترك البيئة تستهوينى وتسرق الاضواء من الشخوص فالبيئة مهما عظم تأثيرها هى محض مسرح للاحداث فى حين ان هذا الكائن اللغز الذى هو الانسان هو المقصد الرئيسى، وانا أميل لان اعتقد ان وظيفة الفن هى تقديم رؤية كلية للعالم مهما كانت مهتمة بالتفاصيل وبالمحيط وفى مركز هذه الرؤية تطرح رؤية مغايرة وجديدة قدر المستطاع عن ذواتنا الانسانية. قد يكون هناك اتجاهات ووجهات نظر أخرى فى مسالة تناول الفن ولكن هذه هى قناعتى حتى الآن مع محاولة تأطير رؤية جمالية للعام

-“ابن  بحر” على الرغم من تصنيفها كعمل أول أنبأت بكاتب مختلف قادر على رواية الواقع مغموسا بالفانتازيا دون افتعال حتى العناوين بدت مثيرة للدهشة وحملت سخرية موجعة .. ألم تخش من معالجة “القضايا الكبرى” التى يتجنبها كثير من أبناء جيلك ويعتبرونها سقطت بسقوط الاشتراكية ؟

“ابن بحر” كانت تجربة كتبتها إبان سقوط بغداد ذلك السقوط الفجائى والمروع وطبعا لم استطع فكاكا من تأثير الأحداث على كتابتى ولذلك كانت الاسقاطات السياسية موجودة بوفرة مع الحفاظ على محاولة تقديم رؤيتى السياسية وكما لوكنت فرغت من تلك الرؤى فى هذه المجموعة لأحاول بعد ذلك تقديم رؤى جمالية وفلسفية لأنى أدركت ان السياسة خدعة والسقوط فيها وفى الآنى يفقدك التواصل مع الإنسانية جمعاء وادركت بعد ذلك ان فى داخلى كلاما ورؤى إنسانية تحاول أسطرة هذا الواقع وإعادة اكتشافه واعادة تركيبه وترتيبه برؤى فنية. علنا ان فككناه وركبناه بطرائق مختلفة نكتشف اسراره بشكل اجدى من رؤية تركيباته الحالية البالية التى لا تبوح بمكنونه او ان بوحها صار باهتا وخفيضا وسط ضجيج الحياة.

-البعد السياسى حاضر فى كثير من قصص مجموعاتك على تنوعها ..كيف نجحت فى تضفير هذا البعد فى حكاياتك دون اللجوء للصوت الدعائى أو صخب الشعارات؟

انا بطبعى اكره الاعتيادية والمألوف وكان لزاما على ان ألجا للفانتازيا والساركازم وانا اتحدث عن أحداث سياسية فلو قدمتها دون اعمال ذلك فيها ستتحول لنشرة اخبار وانا أكره نشرات الاخبار لانها لا تقول شيئا انها تنتقى الأخبار التى حصلوا عليها او التى يريدون منا ان نعرفها ليس فيها لذة الاكتشاف بل هى معدة خصيصا للتداول بقصدية ما وهذا فى رأيى ضد الفن لأن مكون أساسى فيه العفوية والاكتشاف وتقديم الرؤى، الكتاب الجيد هو الذى يحدث فيك اثرا يغير شيئا فى معادلاتك، يحرضك على الفعل، على المحبة، على البكاء، الكتابة فن تحريضى فى الاساس فان خرج من تجربة القراءة نفس الشخص الذى دخل اليها فهذا فى رأيى ليس كتابا وثابا مؤثرا متوهجا وأنا أطمح لإنتاج هذا النوع حتى لوحاولت نقل جبل المقطم بملعقة شاى، وحتى لو غازلت المستحيل وتحرشت به.

– استدعيت نكسة 1967 أكثر من مرة أبرزها “عين المسخوط” فى “أبهة الماء” و”هدية المليز” فى “عسل النون” ما دلالات استدعاء هذا الحدث على وجه التحديد على الرغم أنك لم تعايشه فعليا؟

فى الحقيقة انا استدعيت حرب الاستنزاف وليس النكسة، استدعيت فعل القيامة الذى حدث لمصر، فعل الوقوف والرسوخ واستعادة الذات فعين المسخوط تتحدث عن واقعة الرادار الحقيقية التى حدثت فى أواخر الستينات أثناء الاستنزاف وكذلك هدية المليز عن سنوات ما قبل الحرب مباشرة وهى مستقاة من قصة الشهيد الحى عبد الجواد سويلم أحد أبطال الاستنزاف الذى حارب ونسبة إصابته 100 % فهذا فعل القيامة وليس النكسة.

-لديك شخصيات عابرة للكتب تصحبها من رواية لتستدعيها فى قصة أوالعكس كما هوالحال مع “صالح” الذى كان لاعبا رئيسيا فى “أبهة الماء”، “ساحل الغواية”..ما الذى يدفعك لذلك؟

فى الحقيقة “صالح” هو الذى يختارنى وليس العكس نحن لا نكتب القصص بقدر ما تكتبنا هى أو لنقل نحن فى فعل تخليق متبادل ومع ذلك فما المانع ان أرسم وجها فى لوحة وأرسمه فى لوحة اخرى قد يكون للإحساس بديمومة المشروع وقد يشعر الكاتب ان هناك مفجرات فى الشخصية لم تظهر حتى آخرها وانه لم يفرغ منها؟ وانا جربت مع صالح حتى ان احكى حكايته فى قصة قصيرة وان احكى حكاية اخرى عنه بعد مرور عشرين عاما فيما كتبت عليه متباعدة قصصية ثم استحضرته ايضا فى ساحل الغواية، انا العب مع شخصياتى وهم يختارون متى يعاودون الظهور مرة وراء الاخرى بثوب جديد وجوهر واحد

-تنبأت فى مجموعتك”ابن بحر” الصادرة عام 2005 بتحول الإعلام إلى بوق دعائى “سيرة ملهاة” وبتعويم الجنيه وصككت تعبير ” الدولار القادر على كل شىء “ فى “التاريخ مقابل الجرجير”وبأن وجوه البشر تبدلت لأقفية بحيث يمشون دوما نحو الخلف”حدث ذات صباح” ..كيف يملك القاص عينى زرقاء اليمامة؟

لا بد ان هناك شيئا استشرافا فى عملية الابداع وان المبدع هو نبض العالم بشكل أو بآخر لكنى لا أملك وصفه ذلك ولا اعتقد ان احد من المبدعين يستطيع يملك فانا فى النهاية لست عرافا ولا اسمى ذلك تنبؤا بقدر ما هو قراءة الواقع بشكل استشرافى يحدث بقدرة دافعة من كيمياء الابداع ذاتها. لا استطيع ان استدعيها متعمدا لكنها حقيقة لانى تنبأت فى “أبهة الماء” بموت والدىّ وسقطت مغشيا على فور الوصول لهذه الرؤية، فبالتأكيد هذا يحدث أحيانا وليس دائما ويجىء من تلقاء نفسه كالغزال الشارد بطواعية كاملة ودون استدعاء.

-المتتبع لإبداعك يلحظ حرصك فى كل ما تكتب على بناء أطروحتك الخاصة حول الخلق والوجود وتقديم تفسيرات جديدة للرواية الدينية التراثية التى تناقلناها عبر الأجيال.. هل كان للمكان الذى نشأت فيه دور فى انشغالك بتلك القضايا والافراط فى تأمل الكون؟

طبعا االمدن الهادئة والسواحل البعيدة عن الضجيج والزحام والطبيعة البحرية كلها بيئات مساعدة على التأمل والتفكر فى الوجود والحياة والطبيعة والكائنات والاستماع للغة الكون وشىء آخر مرتبط بطفولتى فبعد تعرضى لحادث فى سن مبكرة سردت بعضا من ذكرياته فى “عسل النون” وتحديدا “ما قاله حكائيل لي” صارت نشاطاتى كلها منزلية ولم يكن أمامى غير القراءة والرسم والاستماع للموسيقى والاغانى واعتقد ان ذلك كله شكل تركيبة خاصة تتفجر الافكار  داخلها انطلاقا من السؤال فانا اعترف ان عقلى تساؤلى تحليلى وان بدايات الابداع عندى كثيرا ما تبدأ من منطقتى التساؤل والتخيل البصرى .

-ربما تكون الوحيد بين مبدعى هذا الجيل الذى يستحضر الأنثى كصانع ومحور للأحداث ما سر هذا الحضور الطاغى للأنثى بكل تجلياتها فى إبداعك عموما وفى “عسل النون” على وجه الخصوص..وهل كان محيطك الاجتماعى متقبلا لرؤيتك تلك أم مناهضا لها؟

لا أعرف إن كنت الوحيد أم لا ليس ذلك مهما لكنى مؤمن بقضايا المرأة بشكل كبير، المرأة فى بلادنا تعانى كثيرا ويقع عليها عبء كبير، لكن على مستوى رؤيتى للحياة فالمرأة نبع للجمال متجدد هى أصل الحياة وأيقونتها. فان كنا نعترف بأنها الأم والحبيبة والأخت الرءوم ونبع الحياة وحافظة التقاليد ونصف المجتمع ونهدر حقها فى النهاية، فهذا والله أشد من الكفر، لكنى ايضا مؤمن بان قضايا المرأة يستطيع ان يجيد تقديمها رجل وربما ارى بعض الكاتبات حين يتصدرن ذلك يقعن من فرط حماسهن فى المبالغة والغلواء.

 

-رصدت “عسل النون” تجربة واقعية مررت بها فى طفولتك المبكرة حينما أصبت بغيبوبة إثر حادث سير ووظفتها لتكون مدخلا للحكى الحر .. لماذا اختزنت تلك التجربة ولم تبح بها فى أعمالك الأولى؟

بشكل عام انا انتظر حتى أرضى عن الشكل الذى أريد للتجربة ان تخرج به ولا أبالغ لو قلت لك ان هناك قصصا فى المجموعة أخذت تراودنى فى كتابتها وانا غير راض عن الشكل الذى ستخرج به أعواما طويلة حتى وجدت الشكل المناسب الذى أرتضيه منها نرسيس الجديد فهذه عمرها خمس وعشرون عاما، وأى سرد تقليدى لقصة الغيبوبة كان لن يرضنى الى ان اهتديت لقصة حكائيل والمعمار الذى استخدمته وكم الحكايات التى تتحدث عن الوجود لتكون هى حكايات هذا الملاك الذى يستفز بها داخلى الرغبة فى الحياة، الجزء الشخصى فى ذلك اننى اردت الاعتذار الى أمى عن الفترة التى ما ان ذكرتها حتى الآن الا وانسابت دموعها رغم انى امامها سليم معافى أهديتها ا حفيدا يهدهد ما فى العمر من تعب.

-حصلت قبل أربعة أعوام على جائزة ساويرس عن مجموعتك “أبهة الماء” وحاليا تنافس “عسل النون “ على جائزة ملتقى القصة بالكويت، ما الذى تقدمه الجائزة للمبدع بعيدا عن الدعم المادي؟

فى البداية كنت لا أقدم فى أى جوائز اقتناعا منى بأن الجوائز لا تصنع كاتبا بل الكتاب هم من يصنعون الجوائز وبعد أن مات أبى ندمت على أننى حرمته من ان يعيش ذلك معى فبدأت فى التقديم لكن بقى داخلى السؤال الأزلى عن مدى شفافية اللجان الى ان جاءتنى الإجابة فحين فزت بجائزة مؤسسة ساويرس أدركت ان اللجان تبذل جهدا مضاعفا للحفاظ على الشفافية ودليلى انى لم أكن أعرف أى شخص من تلك اللجان حتى بعد إعلان أسمائهم، اصطحبت والدتي  ابنى معها فى الحفل، كى أكفر عن رحيل أبى دون فرحة بطرح عمره وكى أعلمه ان لكل مجتهد نصيبا، وعلمت ساعتها ان الجوائز هى واحة استراحة على جانبى الطريق تربت كتف الكاتب وتقول له انت سلكت الطريق الذى هو لك .