شارع الصابحة.. وسؤال الرواية شعرًا   بقلم : يوسف وهيب   لا أحد يستطيع تصوير حالته طازجة إلا بلغته التى يعيش ويعايش، وبها يفرح ويحزن ويغضب ويرضى ويثور ويهدأ، ولأن

cairo-market-in-old-cairo

شارع الصابحة.. وسؤال الرواية شعرًا

 

بقلم :

يوسف وهيب

 

لا أحد يستطيع تصوير حالته طازجة إلا بلغته التى يعيش ويعايش، وبها يفرح ويحزن ويغضب ويرضى ويثور ويهدأ، ولأن الشعر كما الحلم تماما فى تحليقه، وما تخلّق فيه من طيوف تقارب الشخوص والأمكنة والزمن أيضا، فلا هو واقع تام ولا هو خيال محْض؛ بل هو مزيج من كليهما، وهنا يثور السؤال: هل أحداث أحلامك تدور بغير لغتك وتعبيراتك التى تعيش؟ أو سمعت من أحدهم أنه حلم حلم بالفصحى على سبيل المثال؟!

وفى تجربته الجديدة «شارع الصابحة – كردان حكايات» للشاعر إكرام بشرى، الصادرة عن «الدار للنشر والتوزيع» التى يديرها الفنان التشكيلى محمد صلاح مراد، قد تجد إجابة عن ذلك، بل ربما نفيا أو تأكيدا لما ندعيه، من أن ما يحلو للبعض تسميته بشعر العامية، وكأنهم يريدون وصف لغة هذا الشعر؛ أنها درجة أو مرتبة تالية للفصحى، بل إنك ستلمس وتحس بكل مسامك أنه فى تجليه المتقد، بلغة مصرية صافية، شعر حقيقى بجوهر الشعر، إذ انه يتماس وعمق ما تم اختزانه فى أخاديد الوعى المصري، الذى قهرته ظروف تاريخية وسياسية على مر العصور، وفيما يدعى البعض أو يتوهم الواهمون أن اللغة المصرية دون الفصحى – هكذا فى تعالٍ لا مبرر له – فى تصور «من تعربوا» وهذا تعبير أراه يماثل تماما تعبير «من تفرنجوا» أى انساقوا أو أُرغِموا فى بدايات الأمور إلى لغة المستعمر، سعيا للحصول على وظيفة فى دواوين الحكومات المتعاقبة، وهو بالمناسبة ما اشترطه «ابن الحكم» وغيره من الولاة فى مصر، ممن وصل بهم الحال إلى تقطيع ألسنة من يتحدثون باللغة المصرية، إن معنويًا كما رأينا فى مساومتهم على الوظائف أو الإغراءات الأخرى، وإن ماديًا فيمن كما حدث مع من تحدوا مثل هذه القرارات اللاإنسانية، ولاستمرار بطش هذا المستعمر أو المحتل، سواء البطش المادى كالعقوبات التى تمثلت فى قطع ألسنة من لا يتحدثون لغة المحتل الغازى فى غضون السنة السبعمائة بعد الميلاد، وما بعد ذلك حتى الآن.

ولئن كان المجال هنا لا يتسع لطرح قضية اللغة، بما تستحق، إلا أن المتأمل للحال سيجد أن جُلَّ من يكتبون بالفصحى، يفكرون ويشعرون ويعيشون حيواتهم ويخاطبهم شخوص رواياتهم وقصصهم، وما إلى غير ذلك من صنوف أدبية، باللغة المصرية التى بها يحيون وعليها يموتون، ولن نذهب بعيدًا، فإننى ككاتب لهذه السطور، استقبلت هذه الشحنة الشعرية من شارع «الصابحة» كما يحدث مع غيره من كتب وروايات حتى وهى مكتوبة بالفصحى، بأحاسيس ومشاعر وموصلات وترددات لغتى المصرية التى بها أعيش وأفكر وأشعر.

شارع الصابحة ليس مجرد شارع أو حارة، فهو وإن كان فى وجوده الجغرافى أو تجلياته الاجتماعية والإنسانية، يماثله الكثير من الشوارع والحارات فى شتى ربوع مصر، بل فى هذه «السردية الشعرية» أو «الشعرواية»، يتجلى أهل الشارع فى حضور شعرى يعيد تشكيل الواقع من جديد، ولئن كان الظاهر من حكيهم الشعري، بطبيعة الحال، سردًا لأوجاعهم وانتصاراتهم وهزائمهم، خاصة تلك الهزائم الاجتماعية التى تأسست بفعل الغازى القديم، إلا أنهم يؤسسون ويصنعون منها انتصارًا جديدًا للوجود المجابِه والمقاوم؛ حتى ولو بالتوحد فى العجز والاحتياج الإنسانى العابر لأى أيديولوجيا أو دين، وإن كان فى صمت لكن فى فاعلية تعدمها بطبيعة الحال أى هتافات او شعارات ثورية، ويكفى ما تقرؤه على لسان العاجزة الأميّة «أوديت حنا» لحبيبها عبد العزيز:

«أوديت قالت لعبد العزيز:

هُمّه خايفين على البنت

أصلها بتحبه.. وانت عارف بقى

هى مسيحية وهو ومسلم

ابتسم عبد العزيز وقال لها:

طيب ما انا وانت كده برضه يا أوديت!

قالت له:

لا يا عبد العزيز.. أنا وانت.. عَجَزةْ زى بعض يا خويا!»

ويستمر الشاعر فى طرح كيفية تشكّل الوعى الاجتماعى بتجلياته السياسية والدينية، وما تتمظهر فيه من تفريق شكلي، لا يمس الجوهر، جوهر الشخصية الواعية بالفطرة المصرية، التى تدرك أنها وحدة واحدة يسرى فيها دم واحد وإن تغير نوع فصيلته، فتكوينه من هذا التراب وما ينتجه من مزروعات وطيور وحيوانات، حتى إن مفهوم الشبع هنا قد يأتى فى أحلى تجلياته وهو الاستغناء والاكتفاء بما يكمن فى جلد الإنسان المصري، وهو ما يجسده قول الخالة «أم رحِّم»: «كنت لو شمّيت ضهر إيدى باشبع» وبمناسبة هذا السطر البسيط فى تكوينه وهو ما يتردد على ألسنة عامة المصريين الخُلَّص، هل هناك فى أى لغة تعبير يماثله، ليس فقط فيما يلخصه من قيم وتقنية مواجهة الظروف، بل، أيضًا فيما يشكله من صور تجعل من المجرد اللاملموس «الرائحة» وحاسة الشم» وسيلة وطريقًا لتحقق ما هو محسوس «الشبع والقناعة» بما نملك فى ذواتنا؟!

اسمعوا «أم رحِّم» وهى تحدث أبناء شارع الصابحة مسلمين ومسيحيين:

«ده انا يا أولادي

لما كنت بادخل أى بيت من بيوتكم

كنت لو شمّيت ضهر إيدى باشبع

وكونوا زى ابونا يوسف

اللى كان دايما يسعى للخير

وإيديكم زى إيديه

يا ما خبزت خير للناس»

وتتواشج العلاقات الروحية الاجتماعية، كما تجسدها حكايات أم رحيم ونصائحها لأولادها من مسلمين ومسيحيين وغيرهما، حتى أنها تعود بهم إلى الينابيع الأولى للسلام الاجتماعي، وهو ما يتمثل فى تحية الصباح أو المساء، حين كان المصريون يتبادلون التحية الإنسانية العامة مثال «صباح الخير والرد يسعد صباحك، او مساء الخير، والرد مساء النور والنعمة، وفى وسط النهار كان القول نهاركم سعيد، يستتبعه حتما الرد نهاركم سعيد مبارك» وكانت هذه اللغة المصرية الأصيلة لا تفرق بين من يحمل هذه العقيدة أو تلك، لكن كل ذلك تداعى وصار فى خبر كان، بعد الغزوة الوهابية منذ السبعينات وحتى الآن.

«لكن الغرض خلّيكوا فاكرين

ان صوت الشيخ محمد كامل

كان هو الصوت الوحيد اللى بيجمعنا بعد أم كلثوم

قولوا لبعض كل ما تتقابلوا:

صباح الخير ومساء الخير

ونهارك سعيد وليلتك سعيدة

متتشعبطوش فى السلامو عليكم والسلام لكم

اللى ها تفرّقكم عن بعض

الدنيا اللى شايفانا النهارده

بكره ها تتغرب من غيرنا»

وبين ما هو موجود بالفعل وبين ما هو ماثل فى الذاكرة، يتحرك شخوص «شارع الصابحة»، بل هم مجدولون فى حبل واحد أو كما أسماه الشاعر فى عنوان إضافى على الغلاف «كردان حكايات» وبهذا التعريف لطبيعة الحكايات، كأنه أى صاحب الكتاب الشاعر إكرام بشرى، يريد القول إنها من الأصالة بحيث كلما مرَّ عليها الزمن، كانت نقية نقاء الذهب الذى يصنع منها كردانا يعانق الرقبة كديون قديمة للمحبة، ويفرش بـ«دلاياته» وأيقوناته على الصدر حنانًا وترطيبا فى مواجهة صهد الحاضر وتلوثه، وهو أى الشاعر يذكرنا بإحدى شخوص رواية «المسيح يُصلب من جديد» للروائى اليونانى العالمى نيكوس كازنتازاكيس، وأعنى ذلك العجوز الذى تم تهجيره وأبناء قريته من بلدهم تحت تهديد سيوف الغازى العثمانلى «التركي». لم يكف هذا العجوز عن حمل جِوال به ما استطاع تحصيله من عظام آبائه وأجداده أثناء هجوم البرابرة الأتراك ضدهم، ويتنقل بهذا الجِوال من قرية إلى قرية ومن مكان إلى آخر، ولا همّ له سوى الإنصات كل ليلة لما تقوله هذه العظام، ما يشحذ همته ويشحن صدره بالأمل فى العودة إلى قريته، حينئذ سيعيد هذه العظام إلى موضع راحتها فى تربة بلادها.

«فى يوم عدَّى عليه خمسة وعشرين سنة

حطّيت فى شنطة سفرى بيوت وناس

سكنتهم وسكنوني

وحيطان بيوت حِبلت وجعْ

وفرح وجروح

وروح بجناحات

لَفِّت تاخد من ريحتهم

بواقى حياة

وعطر الحنين من عضم التربة

وشِلْتْ فى قلبى كلام من طرف لسانهم

كان بيزُقْ فى غيوم الغربة

وبواقى عجين ما اختمرش

وحفنة تراب لطريق ما اكتملش»

 

15281042_1691230141206443_538059278_n

 

 

وفى شارع الصابحة، شأنه كأيٍ من شوارع مصر بامتداد أقاليمها ومدنها وقراها، لم يكن هناك ثَمّة خصومة على أساس ديني، ولا ثأر تجاه الآخر، بل انهم عاشوا ولا يزال بعضهم يعيش، فى منظومة لا تسأل عما وراء الظاهر لها، يدركون الاختلاف نعم، لكنهم يفطنون دوما أنه اختلاف مذاقات، معاركهم الأثيرة كانت ولا تزال معارك وجود، تتصدر لقمة العيش أولوياتها، حتى أنهم يتوحدون فى أى فعل حتى ولو كان غير مقبول اجتماعيا، وحين يحاول مدّعو التدين الشكلى فى الثمانينات والتسعينات، أدلجة الأفعال الفاضحة، وتأميم العاهرات لصالح أبناء عقيدتهن فقط، تفضح إحداهن؛ أمهات هؤلاء الصبيان الذين نبتت لهم الذقون فجأة، وتفجر لصاحبتها، وللقارئ فى آن واحد، جوهر الأزمة، أنهن أمام طغيان العوز والاحتياج، الذى لا يفرق بين لحم وآخر، ينمحى الإحساس باللذة إن كانت هناك لذة، بل الحضور الأكبر هو للمبلغ الذى سيتحصلن عليه، فالشخص فى نظرهن مجرد رقم هو «الخمسة جنيهات» وكفى!

«وعارفه كمان يا جميلة انهم لما دخلوا عندك فى الليل

بعد جوزك ما طلع على وردية الحلاجة

علشان يقولوا لك ده حلال وده حرام

كلهم ما طلعوش من عندك زى ما دخلوا..

اللى زينا يا حبيبتى مش بتحس ولا بتفتكر

ولا بتعرف تفرّق لحم عن لحم..

الحاجة الوحيدة اللى بنحس بيها

وبنعرف طعمها ولمستها

هى الخمسة جنيه اللى بيحطّوها تحت المخدة

أو بنقبضها فى الأول لما يكون واحد مش مضمون»

ويبقى أن تجربة «شارع الصابحة كردان حكايات» للشاعر إكرام بشرى، تعد بجدارة ملمحا مهما من ملامح الرواية بالشعر المصري، دون اللجوء إلى تزييف الأحاسيس وتجميد فعاليات الأحداث المتقدة بحيوية لغة أصحابها، عبر الترجمة إلى لغة أخرى هى الفصحى، التى صار اللجوء إليها، لا دوافع وراءه سوى ما وجدنا عليه آباءنا الذين اضطروا إلى ذلك فى عصور سالفة تحت سطوة المتحكمين فى أمور البلاد والعباد آنذاك، ويظل برأيى أن هذه الترجمة كما أسلفت فى مقدمة هذا المقال، تفقد الأدب كثيرا من طزاجته واشتعاله وتزيف حيوات الشخوص وأفاعيلهم، حين يصير الكاتب أو المؤلف نائبا عنهم فى الحديث والتفكير أيضا بلغة غير لغتهم.