المصريون والحرب.. الإنسان حين يعلو فى لحظات الخطر   بقلم : عاطف محمد عبد المجيد   فى جُلِّ كتاباته يبدو الكاتب والروائى الراحل جمال الغيطانى مهتمًّا إلى حد بعيد، ومفتونًا

710

المصريون والحرب..

الإنسان حين يعلو فى لحظات الخطر

 

بقلم :

عاطف محمد عبد المجيد

 

فى جُلِّ كتاباته يبدو الكاتب والروائى الراحل جمال الغيطانى مهتمًّا إلى حد بعيد، ومفتونًا بالتاريخ الإنساني، قديمه وحديثه، وهو يتجول فى أروقته خاصة تاريخ المنطقة العربية والإسلامية. فى كتابه الأحدث، والذى صدر بعد رحيله عن الهيئة العامة للكتاب، وسمّاه «المصريون والحرب.. من صدمة يونيو إلى يقظة أكتوبر» ويهديه إلى مَن اُستشهدوا كى نبقى وتبقى مصر، يتحدث الغيطانى عن نكسة يونيو 1967وآثارها السلبية على المقاتل والمواطن المصري، متنقلا فى الزمن حتى يصل إلى انتصار أكتوبر 1973، والتى داوى بها المقاتل المصرى جراحه التى سببتها نكسة يونيو. هنا يحتفى الغيطانى بالمقاتل المصرى وبقدراته الفذة التى تجعل منه واحدًا من أشجع وأقدر المقاتلين فى العالم أجمع على مدار التاريخ الإنساني. كذلك يسرد بعض الحكايات التى عاشها أثناء عمله كمراسل حربى وجمعته ببعض المقاتلين على خطوط النار. وبرغم أن الكتاب يؤرخ لفترة معينة من تاريخ مصر الحديث، تكسوها الهزيمة واليأس، إلا أن الغيطانى يميل فيه إلى السرد الروائى الذى يجعل منه كتابًا سلسًا، مُطعّمًا إياه بقصص وحكايات المقاتلين وعلاقتهم بأسلحتهم التى كانوا يعشقونها ويطلقون عليها أسماء محببة إلى أنفسهم.

حملة نفسية واسعة

فى مقدمته التى امتدت لأربعين صفحة من الكتاب، يقول الغيطانى إن المقاتل المصرى كان قد تعرض لحملة نفسية واسعة بعد يونيو 1967، هذه الحملة كانت موجهة فى حقيقتها إلى الإنسان المصرى ذاته بتاريخه ومكوناته الحضارية، وقد تمحورت حول عدم قدرة المقاتل المصرى على خوض حرب حديثة، بل شككت فى قدراته القتالية حتى وصل الأمر إلى أن أحد الباحثين الفرنسيين أعد رسالة علمة تقدَّم بها إلى جامعة السوربون، وتدور حول العوامل الحضارية والنفسية التى تجعل المقاتل المصرى غير صالح لخوض غمار حرب. لقد عاش الشعب المصري، كما يحكى الغيطاني، فى جو نفسى كئيب مما جعل الإسرائليين يتصورون أن نكسة يونيو هى النهاية، مثلما تصور ذلك كل الغزاة الطامعين الذين هاجموا مصر عبر تاريخها الطويل. لكن رغم هذه السوداوية والإحباط الشديد، كان هناك طريقان ينفذان عبر مرارة الفترة: طريق يؤدى إلى عمق التاريخ المصرى الموغل فى القِدم، والطريق الثانى هو الحاضر الذى نعيشه، الواقع اليومى بعد الهزيمة، والقول للغيطاني. لقد كان الجيش المصرى بعد هزيمة يونيو، يذكر ذلك الغيطاني، يعمل فى ظروف غاية فى التعقيد، إذ كان عليه أن يُعيد تجديد بنائه، وأن يصد، فى الوقت نفسه، اعتداءات العدو الإسرائيلي، ثم يخوض حرب الاستنزاف حتى 18 أغسطس 1970، ثم يواصل التدريبات فى صمت ويبذل الجهد بلا حد حتى تجيء الذروة فى 6 أكتوبر 1973. الغيطانى يرى أن خلال الفترة الواقعة بين عامى 1967 و1973 كانت العوامل الحضارية فى التاريخ المصري، أو عناصر الوطنية المصرية تتبلور بوضوح، أو تعمل بشكل خفى مؤثر لتشكل سلوك الإنسان المصري، وظروفه خلال هذه الفترة الحاسمة الحرجة من التاريخ المصري. كذلك يورد الغيطانى فى مقدمته جزءًا من مقال لصلاح عيسى يقول فيه إن الإنسان المصرى دائمًا ما كان يتعرض لحملات التشويه، لقد كان هناك خطر ما يحيق بأعدائه إن لم يعملوا على تشويهه بكل ما فى استطاعتهم، واصفًا المقاتل المصرى بالعنيد الذى يملك قدرة العطاء اللامحدود حرصًا على استمرار مصر وعلى تخليصها من أدران الظلم والطغيان. وهكذا يعلو، كما يقول الغيطاني، الإنسان المصرى فى لحظات الخطر، خصوصًا أن حياته مرتبطة تمامًا بالأرض، إنه يجد حياته مهددة أمام الغزو، وليس لديه خيار: إما التصدى للعدو وإبادته، وإما الموت.

المصرى محارب بطبعه

ما نلاحظه فى الكتاب أن الغيطانى لا يكتفى بالحديث عن الفترة ما بين يونيو النكسة وأكتوبر الانتصار، بل يتجول فى ردهات التاريخ المصرى قديمًا وحديثًا، بدءًا بالفراعنة وليس انتهاء بكل من احتلوا مصر لسنوات وسنوات. الغيطانى يصف المصرى بأنه محارب بطبعه، بحكم عوامل تاريخية وجغرافية وروحية، خاصة وقد تعرض لظروف عدة هددت أمنه واستقراره: دائمًا هناك غزاة طامعون، ودائمًا كان الإنسان المصرى محاربًا لأن تاريخ المنطقة كله حروب، ولهذا كانت المهارة الحربية والاستعداد للحرب وتوقّعها من المعالم الرئيسية التى تدخلت فى شخصية الإنسان المصري. وفى جولته البانورامية هذه فى التاريخ المصرى الحديث لا ينسى الغيطانى أن يذكر دور رجال الصعيد فى محاربة المحتلين ذاكرًا أن مدينة أسيوط كانت خلال فترة حرب الاستنزاف أول مدينة فى العالم يتم ضربها بالطائرات، بعد أن هاجمتها إنجلترا كرد فعل لما قام به رجالها من مهاجمة الحامية العسكرية الإنجليزية فى مدينتيْ أسيوط ومنفلوط. إلى جانب هذه المقدمة المكتملة يضم كتاب الغيطانى هذا خمسة مقالات أخرى هي: البعث، الحياة مستمرة، الطريق إلى أكتوبر، الاقتحام، رسائل من مقاتل من أعماق سيناء. إلى جانب سرده للتاريخ، يسرد الغيطانى كثيرًا من الحكايات التى تُظهر علاقته بالجنود فى أرض المعركة واصفًا ما كان يجرى هناك، وهناك تعرّف الغيطانى إلى المقاتل المصرى على أرض الواقع بداية عام 1969 حينما ذهب إلى مدينة بورسعيد، ذاكرًا أن الصحفى الذى يتردد على الجبهة خلال الحرب تنمو بينه وبين المقاتلين علاقات لها طابع إنسانى فريد، برغم أنه ينصرف عنهم بعد أن يكون قد أدى مهمته الصحفية، إذ يلتقون فى أحد المواقع تحت الخطر والحوار حاد ودافئ وعميق. أما العلاقة فيما بين المقاتلين وبعضهم فقد تستمر طوال العمر على كل المستويات، نفسيًّا وشخصيًّا واجتماعيًّا. إنها صداقات من طراز خاص، وُلدت تحت الخطر والانفجارات وغموض الحرب.

واذكرونا

فى سرده لبعض حكايات الحرب يورد الغيطانى مقتطفًا من نداء قائد الفرقة الثانية إلى رجاله ظُهر يوم السبت السادس من أكتوبر يقول فيه القائد: «يا أبناء مصر.. ليس أمامنا إلا أن ننتصر بإذن الله، أن ننتصر لتعيش مصر، كما عاشت عبر السنين، ولنحقق نصرًا إلى تاريخنا. يا أبناء مصر.. تقدموا.. تقدموا.. تقدموا». أما السطور الأخيرة من هذا الكتاب فنقرأ فيها جزءًا من رسائل الغيطانى إلى أصدقائه وهو فى أعماق سيناء، يقول الغيطاني: « أحبابي.. سأنقطع زمنًا عن الكتابة إليكم، إننى أتاهب للقيام بمهمة قتالية ستستغرق وقتًا وزمنًا، سأحدثكم عنها فيما بعد، عندما تعود أيامنا إلى إيقاعها العادي.. أما الآن وحتى أكتب لكم مرة أخرى، وحتى نلتقى ادعوا لنا بالنصرة.. واذكرونا».