الطبيب والمستشار والدكتورة   بقلم : محمد صالح   سألنى زميلى فى الثانوية العامة بعدما علم بتوقفى عن دراسة الهندسة الميكانيكية وترك الجامعة المرموقة للدراسة بكونسرفتوار روسى تخصص العزف على

%d9%88%d9%88%d9%88

الطبيب والمستشار والدكتورة

 

بقلم :

محمد صالح

 

سألنى زميلى فى الثانوية العامة بعدما علم بتوقفى عن دراسة الهندسة الميكانيكية وترك الجامعة المرموقة للدراسة بكونسرفتوار روسى تخصص العزف على آلة البيانو: «وماذا عساك فاعل بعد أن تنتهي؟ هل تريد أن تصبح بيتهوفن؟ ثم ماذا بعد؟». عند هذا السؤال انقطعت الصلة بيننا، حقا لم أتمكّن من الإجابة، وتفرقت بنا سبل الحياة، لكن شعور الأسى لم يفارقنى على الرغم من مرور أعوام طويلة على ذلك السؤال. تصوّرت وقتها أن الألم الذى أصابنى خاص بي، وباستخفافه بمهنتي، واعتبار الموسيقى هواية لا يصح أن تصبح مهنة وعملا محترما يستحق أن يترك المرء من أجله الهندسة ويسافر إلى آخر بلاد الله، تصوّرت أنه كان يحترمنى مهندسا والآن يحتقرنى موسيقيا، وذلك ما آلمني.. لكن لا، لم يكن هذا هو.

 

فى يوم من الأيام وقعت فى حب فتاة جميلة ابنة لمستشار جليل، وحينما علم والدها بعملى عازفا للبيانو بأوركسترا القاهرة السيمفونى قال لها بالحرف الواحد: «ابتعدى عنه يا ابنتي، فهم قوم ونحن قوم آخرون». تألمت يومها، وتصوّرت أن مصدر ألمى هو فشل قصة الحب، أو ضياع تلك الزيجة، أو الاحتقار الذى أصابنى من ذلك المستشار الجليل. لكن لا، لم يكن هذا هو.

الضربة الثالثة القاصمة أتت من أهل المهنة نفسها.. الموسيقى!! ففى يوم من الأيام وبينما كنت أخرج بصحبة الدكتورة المرموقة التى كانت تحدثنى عن إنجازاتها وعن جوائزها التى حصلت عليها من الدولة بل ومن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر شخصيا، وكنت أنا ما زلت طالبا غرا بكونسرفتوار بطرسبرغ «لينينجراد سابقا» فى روسيا سألتنى الدكتورة: «ألن تجتهد فى البيانو لتصبح قائدا للأوركسترا؟»، كانت ضربة قاصمة لم أتوقعها من دكتورة على هذا القدر من المعرفة والتعمق فى علم الموسيقى، لم أفهم كيف تكون العلاقة بين آلة موسيقية وقيادة الأوركسترا علاقة تصاعدية هرمية تقع على رأس الهرم فيها قيادة الأوركسترا، بل كيف تأتى لدكتورة بهذا الحجم ترسم مستقبل أجيال بأكملها أن تفكر على هذا النحو الساذج. لكن حديث الجوائز ولقاء الزعماء، وتأكيد أن الوصول إلى هدف الحياة إنما يتمثل بعدد الجوائز والأنواط والأوسمة كان متآلفا مع ذلك السؤال الهيراركى «التسلسل الهرمي» المقيت. حيث كنت أدرس وقتها لم يدر بخلد أحد هذا السؤال، كان أستاذى يمارس التدريس أربعين عاما، وتخرج على يده أكثر من ثمانين عازفا للبيانو، وغيره كثيرون ممن كانوا يمارسون أعمالهم فى رضا وقناعة ومهنية مستدامة رفيعة، لم يرغب أى منهم فى «التطور» أو فى «الصعود إلى أعلى»، بل قل ان الصعود إلى أعلى بالنسبة لهم كان مزيدا من المعرفة، مزيدا من القراءة، مزيدا من سبر أغوار العالم، مزيدا من التبحّر فى التخصص..

هنا علمت ما أساءنى من زميلى الطبيب «الذى أصبح مرموقا فيما بعد»، ومن المستشار الجليل.. إنها تلك العنصرية البغيضة والتسلسل الطبقى والمهنى ونبذ واحتقار بعض المهن بدعوى أنها «غير مهمة» أو «غير مرموقة» وكأن الجميع يجب أن يصبحوا أطباء ومهندسين ومحامين، وكأن الجميع لا بد وأن يحصلوا على المؤهلات العالية وإلا فلن يحصلوا على صك الاحترام من المجتمع. يطرح السؤال نفسه أيضا فى وصف المستشار الجليل الموسيقيين بأنهم «قوم» آخرون، من هم؟ ومن نحن؟ فهل المستشار ورجل القضاء ورجال الشرطة والجيش مثلا هم رجال محترمون ومواطنون شرفاء، بينما الموسيقيون مواطنون ينقصهم الشرف أو الاستقامة، أو أنهم «يرفّهون» عن المحترمين، الذين تخدم وظائفهم المجتمع، بينما لا ترقى وظيفتهم إلى ذات درجات الاحترام التى تميّز مهن القضاء أو الطب أو الهندسة؟

إن المجتمعات التى أدركت فى وقت سابق أهمية الفنون والثقافة والآداب، هى المجتمعات التى تقدّمت عنّا بسنوات ضوئية، لقد كانت الحواجب ترتفع احتراما حينما يتطلع موظف الجوازات أو أى شخص يعرف أننى فنان أو أدرس فى معهد فنى فى روسيا، لأنهم هناك يعرفون جيدا قيمة الفن، وتأثيره فى المجتمع، وقيمة الفنان، وقدره ويعرفون جيدا الفرق بين المؤلف الموسيقى «مثل لودفيج فان بيتهوفن ١٧٧٠-١٨٢٧ الذى تصور زميلى الطبيب أننى أريد أن أحذو حذوه» وبين عازف البيانو، وكذلك يعرفون أن قيادة الأوركسترا ليست التطور الطبيعى لكل الآلات كما لاحظت تلك الظاهرة بين الموسيقيين، فالكثير من الزملاء الموسيقيين «مشيا على درب الدكتورة المرموقة!» ما ان أتموا دراسة آلاتهم وبرعوا فيها حتى اتجهوا إلى القيادة كتطور طبيعي.. فكان أن فقدوا ما برعوا يوما فيه، ولم يتحققوا فى القيادة إلا قليلا. إنها من جديد نفس الكيفية التى يريد بها الجميع أن يكونوا أطباء ومهندسين ومحامين، والتى من أجلها أنشأت جامعات خاصة تتيح لمن عجز عن ذلك سبيلا لأن يسلك طريقا موازيا طالما تعذر التحصيل ووجدت النقود، وهى نفس الكيفية التى اهترأت بها المنظومة التعليمية فى بلادنا، وبنفس ذات الكيفية تعيش تلك الجرثومة داخل عقل النخب الموسيقية المصرية، وهكذا أصبح لدينا بدلا من فرقة واحدة للموسيقى العربية أربع وخمس فرق، وبدلا من قائدين أو ثلاث ست وسبع وما تيسّر ممن يبحثون عن مكانهم تحت الشمس على منصة القيادة. والموضوع لا علاقة له بالمادة كما هو الحال فى المهن الأخرى، لكنه عندنا له علاقة بالمكانة الاجتماعية، بالمكانة الأدبية، والزعامة بصرف النظر عن الحاجة الأساسية لدى المجموع إلى أكثر من قائد، خاصة إذا لم يكن هناك ما يضيفه.

أذكر حينما كنت بصحبة صديق مخرج مسرحى جاء بعرض روسى إلى القاهرة، وكنّا نعدّ الخشبة للعرض، وقد وقف ثلاث أو أربع «قادة» يصدرون الأوامر المتضاربة لعامل واحد مسكين موجود على برج من أبراج الإضاءة، لفت ذلك نظر صديقى المخرج، وصعد ليساعد العامل متذمرا من وجود كل هؤلاء القادة ووجود شخص واحد ينجز العمل الحقيقى على الأرض.

لماذا لا يستمتع السائق بعمله فيؤديه على أكمل وجه؟ لماذا لا يستمتع الخباز بعمله ويؤديه كأجمل ما يكون؟ لماذا لا يستمتع العامل والفلاح وجامع القمامة بأعمالهم، ويدركون دورهم وأهميتهم وقيمتهم فى المجتمع؟ لماذا لا يولد الإنسان عازفا للبيانو أو الكلارينيت أو الأوبوا أو الكمان ويظل هكذا، ويتطور هكذا، ويبدع هكذا دون أن يصبح بالضرورة قائدا أو مشرفا أو مديرا أو رئيس مجلس إدارة أو أى مسمى من المسميات الإدارية التافهة التى تفسد حياتنا ومجتمعنا وتحوله إلى كومة قبيحة من العشوائية والتكدس؟

لم أعد ألتقى زميل الدراسة وأشاهد من حين لآخر لافتته المضيئة على واجهة احدى العمارات الفاخرة، لكننى أعلم أنه وعلى الرغم من إتقانه لمهنة الطب قد أصبح رجلا جافا، لم تمسّه حلاوة الفنون ولا روح الثقافة، كذلك فالمستشار الجليل لم يغرد بعيدا عن تصريحات أحد وزراء «العدل» الذى قالها صريحة ان أبناء عمال النظافة لا حق لهم فى التعيين فى سلك القضاء، وأما فيما يخص الدكتورة المرموقة فالأكاديمية التى كانت تعمل بها أصبحت تعج بالقادة والدكاترة والرؤساء، بينما تعجز عن أن تؤهل خريجيها للعزف فى الأوركسترات المحلية ولا أقول فى أوركسترات عالمية أو حتى إقليمية.