سيد حجاب.. كأنه سحبة قوس فى أوتار كمان   بقلم : فريد أبو سعدة   دى دمعة من قلبى على الخد جارية؟! ولا دى بسمة.. نسمة فى مسامّى سارية؟! لا

879

سيد حجاب.. كأنه سحبة قوس فى أوتار كمان

 

بقلم :

فريد أبو سعدة

 

دى دمعة من قلبى على الخد جارية؟!

ولا دى بسمة.. نسمة فى مسامّى سارية؟!

لا لا.. دى أرواح طاهرة.. طايرة ف براح

وذكرى عمر ف توهة وف توبة راح

يا قلبى عيش.. على زقزقات الكناريا

سيد حجاب

اللى تقدر تقوله فى سطر

متقولهوش فى سطرين».

صلاح جاهــــين

يا هوى يا سيسى

نشِّفْ لى قميصى

انا عروسة النيل السمرا

وابو سمرا عريسى

لازلت أذكر هذه الكلمات منذ سمعتها أواخر عام 1968، كنت فى أولى سنواتى بكلية الفنون، وكان محمد صالح يقوم باجراءات النقل من عمله بالمحلة إلى القاهرة، يتنقل بالأوراق بين مكاتب شقة فى عمارة من عمارات باب اللوق، بينما انتظره أنا فى مقهى الحرية، ثم جاء: تعالى نشرب شاى، طيب ما نشرب هنا: لأ. قوم بس، وقمت، لم يأخذنى إلى مقهى وكلما أبديت اندهاشى، أو حتى استنكارى قال هنروح عند واحد صاحبنا يا أخى ونشرب هناك.

لا أعرف أين هذه الشقة التى أخذنى إليها محمد صالح فى باب اللوق، والتى فوجئت بأن الذى يفتح لنا هو سيد حجاب!! كانت كلمات ياهوى اسيسى معدّة لتغنيها عفاف راضى وكان يترنم بها سيد وقال، انها على وصول.

ولد الشاعر الكبير سيد حجاب فى المطرية عام 1940م، مدينة صيادين، على ضفاف بحيرة المنزلة، لها سحرها الخاص. وهو صغير كان يخرج من الفجر ليرى عودة الصيادين محملين بما رزقهم الله من خيرات البحيرة.

والده الأزهرى كان معلّمه الأول. فى ليالى الشتاء الباردة، وفى جلسات المصطبة الشعرية حول الموقد، كان يُنصت إلى والده يلقى الشعر للصيادين فى مباراة أشبه بالتحطيب الصعيدي. لم يكن الصغير يكتفى بما يسمعه، بل كان يدوّنه ويحاكيه. ثم اطّلع والده على ما كتب، فشجّعه على «كتابة الشعر» وعلّمه العروض والقافية وهو فى العاشرة. وفى المدرسة الثانوية صادق المعلم الثانى كان «شحاته سليم نصر» مدرس الرسم الذى علمه كيف يكتب عن مشاعر الناس فى قريته حصل على شهادة الثانوية، ورحل إلى مدينة الإسكندرية للالتحاق بكلية الهندسة، وقد شغفته الإسكندرية حبا بعالمها الثرى والمتنوع، الذى يعج بمختلف ألوان النشاط الأدبى والفنى لمختلف جنسيات العالم وقتها

9888

 

هجر الفصحى التى كان يعتقد أنّها «الأرقى»، واتجه إلى العامية «الأكثر قربا من الشارع والبشر العاديين». واستجاب لنصيحة أستاذه: «أهلك اللى حواليك ثلاثون ألف صياد، وبداخل كلِّ صيَّاد عشر قصائد تحتاج إلى من يكتبها». غادر سيد حجاب الإسكندرية واستقر فى القاهرة ليلتقى بكبار الشعراء الذين سبقوه، كصلاح جاهين، وفؤاد قاعود، وفؤاد حداد، وزملاء جيله كعبد الرحمن الأبنودى ويحيى الطاهر وغيرهما ومع بداياته بالقاهرة قدم سيد حجاب مع عبد الرحمن الأبنودى برنامجا إذاعيا بعنوان «بعد التحية والسلام

ثم تعرف على أستاذه الثالث صلاح جاهين، التقاه أول مرة بصحبة الملحن سليمان جميل، وشاعر العامية فؤاد قاعود. وعندما استمع إليه، قام جاهين واحتضنه صارخا بفرح ومحبة «زدنا واحد يا فؤاد». يتذكر حجاب: «كان يقول لي: اللى تقدر تقوله فى سطر متقولهوش فى سطرين».

قدّم جاهين قصائد حجاب الأولى فى بابه الصحافى الشهير «شاعر شاب يعجبني»، فى مجلة «صباح الخير» عام 1961، وأسس خصيصا دار نشر لتطبع الأعمال الأولى للشباب، ونشر فيها عبد الرحمن الأبنودى ديوانه الأول، وكذلك ديوان حجاب الأول «صيّاد وجنيّة» الذى كتب له كلمة ظهر الغلاف الشاعر العراقى الراحل عبد الوهاب البياتي.

قبل النكسة، كان النقّاد يعتبرون سيد حجاب، «شاعر المثقّفين الذى يكتب بالعامية»، إذ تتوافر فى قصائده إحالات ثقافية معرفية، ويختلط الواقع بهامشه السحري، أو ما عُرف لاحقا بالواقعية السحرية…

بعد النكسة، اختلف الأمر تماما انتقل إلى العمل بالاذاعة مع «الأبنودى» الذى كان يقدم معه برنامج «عمار يا مصر» بالتناوب كل 15 يوما، ولكنهما انفصلا بعد فترة وقدم كلا منهما برنامجا منفصلا. «كان هناك ضرورة لمخاطبة الناس بشكل مباشر، وهذا استدعى بالضرورة تغيير التقنيات». فى تلك الفترة، تعرَّف حجاب على الشيخ إمام الذى طلب منه أن يكتب له، فكانت أغنية: «حطه يا بطه يا دقن القطه/». يُعد «سيد حجاب» واحد من أهم الشعراء العرب المغنى لهم فى الأعمال الدرامية، واشتهر بلقب «سيد شعراء العامية» فى الوطن العربي، ومن أهم الأعمال المصرية الناجحة التى حظيت ببصمة «سيد حجاب»: «الليل وآخره» و«أميرة فى عابدين» و«الأصدقاء» و«أرابيسك» و«العائلة» و«بوابة الحلواني».

بالإضافة إلى مجموعة من الأشعار الغنائية للعديد من المسرحيات منها مسرحية «أبو علي» لمسرح العرائس بالقاهرة عام 1973م ومسرحية «حكاية الواد بلية » للمسرح الحديث عام 1988م.

كانت الأغنية أسرع فى الوصول إلى الناس فى مجتمع أمّي، فقرر حجاب التوقف عن النشر والتوجّه إلى كتابة الأغانى والبرامج الإذاعية… وقدمه جاهين لكرم مطاوع ليكتب له مسرحية «حدث فى أكتوبر». وترجم «أوبرا الثلاثة قروش» لبريشت، وكتب الأوبريت عن قصص قصيرة ليوسف إدريس، وعن رواية «ميرامار» لنجيب محفوظ.

يقول حجاب «النص الشعرى الذى أكتبه للدراما والأطفال من أهم المنجزات فى مسيرتى الشعرية»، وبالفعل فمن منا لم يستمتع بما كتب لعفاف راضى من أغنيات للأطفال؟ تلك الأغنيات التى وزعت «مليون نسخة فى عشرة أيام»…

سيد حجاب، شاعر الفقراء، حامل همومهم، وحلمهم أيضا، يقول:

«لو كنت أميرْ من أمراء الحواديت،

كنت أدى لكل فقيرْ وفقيرة بيت،

بيت بجنينه مليانه زهور

وبعشه مليانه كتاكيت،

وأعلق فوقه قمر بنّور،

ونجوم لولى فتافيت فتافيت».

شاعر متوهج الموهبة أسهم فى إثراء القاموس الشعرى بكلمات وإيقاعات أصبحت اليوم تشكل وجدان أجيال، وهو شاعر استعاد للشعر التصاقه بالتجربة الحسية، لقب بشاعر الفقراء، فهو حامل همومهم، تميز بكتابة الكلمة البسيطة المعبرة عن رؤى المجتمع المصري، والتغلغل فى أعماق الأعمال الدرامية التى يكتب كلماتها. وبالرغم من انخراطه فى كتابة الأغانى وتميزه فى هذا المجال إلا أنه استمر فى إصدار دواوينه الشعرية والتى كان من أبرزها «فى العتمة»، «أصوات» و«نص الطريق» وكتب سيد حجاب العديد من الأغانى التى ارتبطت بها الأعمال الدرامية مثل «ليالى الحلمية»، «الأيام»، «الوسية»، «الشهد والدموع»، «المال والبنون»، «حدائق الشيطان»، «ناصر»، «غوايش»، «أحلام لا تنام»، «الأصدقاء»، وغيرها الكثير من المسلسلات، كما كتب أغانى فيلم الاراجوز، وعدد من الأغنيات التى تغنى بها مجموعة من المطربين أشهرهم المطرب على الحجار كما فى أغنيات «هنا القاهر» و»يا مصري».

حصل سيد حجاب على العديد من الجوائز أهمها جائزة كفافيس الدولية لعام 2005 فى الشعر عن مجمل أعماله، كما كرمه معرض تونس الدولى للكتاب فى دورته السادسة والعشرين باعتباره أحد رموز الشعر الشعبى فى العالم العربي.

نفس الشموس بتبوس على روسنا

نفس التراب يحضن خطاوينا

طب ليه بنجرى ونهرى فى نفوسنا

وليه نعيش ناكل فى بعضينا

آدى الحقوق وآدى اللى طالبينها

والحق تاه فى الباطل البطال

وقلوبنا تاهت عن محبينها

ونجومنا عالية بعيدة ما تنطال

 

988888