فى مهرجان أجيال.. السينما ليست للصغار فقط قضايا العالم الراهنة فى برامج موجهة للكبار   الدوحة : أحمد شوقى   عندما يُنشر هذا المقال يكون الستار قد أسدل مساء الاثنين

qna-a

فى مهرجان أجيال.. السينما ليست للصغار فقط

قضايا العالم الراهنة فى برامج موجهة للكبار

 

الدوحة :

أحمد شوقى

 

عندما يُنشر هذا المقال يكون الستار قد أسدل مساء الاثنين 5 ديسمبر على الدورة الرابعة من مهرجان أجيال السينمائي. المهرجان الذى تستضيفه الدوحة والذى يخاطب مختلف الشرائح العمرية وعلى رأسها الأطفال والشباب من سن 4 وحتى 21 عاما.

حتى لحظة كتابة هذه السطور فى نهاية اليوم الثالث للمهرجان «الجمعة 2 ديسمبر» يبدو كل شيء مثاليا، ليس فقط على مستوى التوسع فى مخاطبة شرائح أو أجيال مختلفة من المشاهدين، لأن المهرجان لا يخاطب الأطفال فقط بل يستهدف مختلف الأجيال فى المجتمع كما أوضحت فاطمة الرميحي، الرئيس التنفيذى لمؤسسة الدوحة للأفلام ومديرة مهرجان أجيال السينمائي، فى لقاء جمعها بممثلى الصحافة الدولية، لشرح تفاصيل المهرجان وأهدافه فى الدورة الجديدة، والتى نحاول تحليل بعضها فى هذه المساحة.

منتصف الليل: رعب يهم الأجيال

عروض فى منتصف الليل غير مسموح للأطفال بدخولها، وإن كانت الأفلام موضوعاتها ترتبط بالطفل وبالقضايا التى تشغل أجندة المهرجان، هى إحدى أبرز الإضافات لأجيال 2016. وبالنظر لقائمة هذه العروض والتى تضم الفيلم الإيرانى البريطانى «فى الظل Under The Shadow» لباباك أنفاري، والذى اختارته المملكة المتحدة ليمثلها فى منافسة أوسكار أحسن فيلم غير ناطق بالإنجليزية، وكذلك فيلم «الفتاة التى تملك كل الحيل The Girl with All the Gifts» لكولم مكارثى الذى افتتح فعاليات الدورة الأخيرة من مهرجان لوكارنو، يمكن بسهولة فهم فلسفة برمجة هذا القسم.

فالفيلمان يمكن بشكل ما إدراجهما تحت تصنيف الرعب غير الملائم للأطفال، لكنه فى الحالتين رعب مرتبط بأمر يشغل المهتمين بحاضر الأطفال ومستقبلهم. «فى الظل» تدور أحداثه خلال الحرب العراقية الإيرانية وسط تعرض طهران لقصف دائم، تتحول خلاله مخاوف امرأة تعيش مع طفلتها إلى رعب حقيقى يفسره الجيران بتعرض الفتاة لمس شيطاني. أما «الفتاة التى تملك كل الحيل» فيدور فى مستقبل كابوسى يتحول فيه البشر إلى وحوش، ومنهم الفتاة البطلة التى توضع وأقرانها من حملة المرض فيما يشبه السجن لإجراء التجارب عليهم.

الرعب إذن فى الفيلمين يمكن بسهولة ربطه بسياق سياسى واجتماعي، الأول عن أهوال الحروب وكيف يمكن أن تتحول فى مخيلة الطفل إلى كوابيس حقيقية «أو حتى خارج المخيلة لأن الفيلم لا يقطع أبدا بأن ما يجرى مجرد وهم». أما الثانى فاختيار البطلة الطفلة يمنح الحكاية المثيرة بعدا مهما وإن كان معتادا عن مستقبل هذا الكوكب وكيف يمكن أن يتسبب التطور العلمى فى الإضرار بمصير أجيال مقبلة من الأطفال قد نضطر للتعامل معهم كوحوش لأسباب لا ذنب لهم فيها.

قضايا مجتمعية كونية

بعيدا عن رعب منتصف الليل عرض المهرجان بالفعل مجموعة منتقاة من أفضل الأفلام ذات الهم الاجتماعي، معظمها تم إدراجه ضمن فئة «بدر» التى تستهدف من هم أكبر من 18 عاما، وعلى رأس هذه الأفلام الأعمال المتوجة بثلاث من أهم الجوائز السينمائية خلال العام: سعفة كان ودب برلين وجائزة سيزار لأحسن فيلم فرنسي.

«أنا دانيال بليك» فيلم المخضرم كين لوتش حامل سعفة كان الذهبية بانتقاده اللاذع لنظام إعانات المتبطلين وكبار السن البريطاني، عبر حكاية نجار عجوز يصاب بنوبة قلبية فيترك عمله مجبرا، لكن الأوراق القانونية تقول انه لا يملك الأسباب الكافية للحصول على معونة تقاعد صحي، فيظل يحارب للحصول على حق من الاثنين إما العودة للعمل أو الحصول على المعاش، وفى خضم فشله وسخطه على الروتين يقابل شابة أم لطفلين تعانى هى الأخرى لتنال معاشا، لتنمو بينهما صداقة بطلها الألم والحاجة.

«حريق فى بحر» وثائقى الإيطالى جيافرانكو روزى المتوج بدب برلين الذهبى عن القضية الأكثر سخونة فى العالم: الهجرة غير الشرعية. روزى انتقل إلى جزيرة ليمبادوسا الشهيرة، محطة سفن الهجرة الشهيرة، ليقيم هناك يرصد ويصوّر ويحاور وينهى مونتاج فيلمه المقسوم إلى خطين لا يلتقيان على الشاشة وإن كان لقاؤهما مستمرا فى ذهن المشاهد: خط السفن التى تتوافد حاملة آلاف المهاجرين إلى سواحل الجزيرة، فى ظروف غير إنسانية تنتهى غالبا بغرق السفينة ومن فيها، أو وصولها بعدما تُزهق أرواح وتمرض أجساد، وخط الصبى ابن الجزيرة، الذى يكتشف عالمه الذى صار منعزلا عمّا يدور على شواطئه بعد نقل حدود الجزيرة وبالتالى مقابلة الواصلين داخل المياه.

أما «فاطمة» الفيلم الفرنسى الأفضل فى العام الماضى حسب جائزة سيزار فتتقدم فيه إلى موضع البطولة شخصية لطالما كانت على هامش السينما الفرنسية. الشخصية هى الخادمة مغاربية الأصول، متمثلة فى البطلة فاطمة التى أفنت عمرها تنظف بيوت الفرنسيين لضمان مستقبل أفضل لابنتيها متباينتيّ الطباع والامتنان. قيمة العمل تنبع فى أنه ليس «فيلم قضية» بالمعنى المعتاد، وإنما هى حكاية إنسانية بالأساس عن امرأة تعيش حرفيا حياة كان من الممكن أن تحيا مثلها أو أفضل فى وطنها الأم، لكنها رضت بها من أجل ذريتها.

معاناة المهاجر حتى يصل الغرب، حياة المهاجر فى الغرب، ومتاعب المواطن الغربى مع نظام يعرض البعض حياته للخطر أملا فى بلوغه. النظر لما تعرضه العناوين الثلاثة المتوّجة من بانوراما ثرية لقضايا تدور فى فلك متقارب، لا تعبر فقط عن قيمة اختيارات مبرمجى «أجيال»، بل تمنحنا كذلك نظرة ما عن تأثير الأحداث الجارية على دائرة المهرجانات السينمائية وصناع الأفلام، فى عام لم يعل صوت فيه فوق صوت السياسة، وعالم يصعب امتلاك تصور حقيقى عن حال أجياله الآتية.