المخرج الصينى جيا زانجكى.. جيل جديد ينظر وراءه فى غضب   بقلم : محمد سيد عبد الرحيم   جيا زانجكى واحد من أهم المخرجين المعاصرين حول العالم على الرغم من

747

المخرج الصينى جيا زانجكى.. جيل جديد ينظر وراءه فى غضب

 

Mohamed Sayed AbdelRehim's Profile Photo

بقلم :

محمد سيد عبد الرحيم

 

جيا زانجكى واحد من أهم المخرجين المعاصرين حول العالم على الرغم من عدم شهرته داخل بلده نفسه وهو الصين. وهو أمر أحيانا ما يصاب به المبدعون الكبار، فكثير من المخرجين المتميزين فى تاريخ السينما كانوا مكروهين أو على أقل تقدير مجهولين فى بلادهم بينما يشيد بهم النقاد ومحبو السينما وتحتفى بهم المهرجانات حول العالم مثل المصرى يوسف شاهين خاصة ما بعد مرحلة أفلامه الواقعية التى انتهت بفيلمه “الأرض” وبدء التجريب فى الأفلام الذاتية بداية بـ”إسكندرية ليه” حتى “إسكندرية.. نيويورك” وأيضا اليونانى ثيو أنجيلوبولوس صاحب الروائع مثل “تحديقة عوليس Ulsses’ Gaze” 1995 و”الأبدية ويوم Eternity and a Day ” 1998 و”ثلاثية: المرج الباكى Trilogy: The Weeping Meadow ” 2004.

العصر الذهبى للسينما الصينية

وينتمى جيا زانجكى إلى مخرجى الجيل السادس من المخرجين الصينيين الذين بدءوا حياتهم الفنية مع مطلع الألفية الجديدة. وقد حاز جيا زانجكى على العديد من الجوائز  حول العالم من مهرجانات كان وبرلين وفينيسيا وسنغافورة ودبى وأبو ظبى وغيرها وبالتأكيد هذه الأسباب هى التى دفعت مهرجان القاهرة السينمائى الدولى فى دورته الـ38 لتكريم جيا زانجكي. وأتى ذلك ضمن الاحتفاء بالسينما الصينية كضيف شرف فى المهرجان حيث عرض العديد من الأفلام الصينية الحديثة والكلاسيكية مثل “قد تنتقل الجبال Mountains May Depart” 2015 و”العالم The World” 2004 إخراج جيا زانجكى و”فريق كرة قدم شاولين Shaolin Soccer” 2001 إخراج ستيفن شو و”حياة بسيطة A Simple Life” 2001 آن هيو و”البطل Hero” 2002 إخراج زانج ييمو وغيرها بينما ينافس فى المسابقة الرسمية فيلم “شخص للتحدث إليه Someone to talk to” 2016 إخراج ليو يولين وهو أول أعمالها الروائية الطويلة.

ولد جيا زانجكى عام 1970 وتخرج فى أكاديمية بكين للسينما علم 1993 ليعمل ككاتب للسيناريو ثم يتحول إلى إخراج السيناريوهات التى يكتبها. وجذب جيا زانجكى الأنظار إليه بفيلمه “لا تزال حياة Still Life” عام 2006 حينما فاز بجائزة الأسد الذهبى من مهرجان فينيسيا وأيضا بعدما فاز فى مهرجان كان عام 2013 بجائزة أحسن سيناريو عن فيلمه “لمسة الخطيئة A Touch of Sin” ليصبح واحدا من أهم المخرجين المعاصرين حول العالم.

وربما يكون السبب الأساسى الذى لم يجعل جيا زانجكى مشهورا فى الصين هو نقده القاسى للواقع السياسى والاجتماعى فى الصين الآن. يركز  جيا زانجكى دائما فى أفلامه على التحولات التى تشهدها الصين من أفول التأثيرات الماوية (نسبة إلى ماو تسى تونج) والشيوعية وتحول الصين إلى دولة اقتصاد سوق (رأسمالية) حيث يتخلص أصحاب الأعمال والمصانع والشركات باستمرار من العمال ليصبحوا عاطلين عن العمل لينتشر التطرف والعنف. وقد أوضح جيا زانجكى فى “لمسة الخطيئة” هذه التغيرات الوحشية بل أشار أيضا إلى فكرة هجرة العاطلين من مدينة إلى أخرى أو مقاطعة إلى أخرى أو حتى خارج البلاد فى “قد تنتقل الجبال” كحل بديل عن خيارات الاستلاب أو التوحش أو الانخراط فى الفساد.

ويدعم جيا زانجكى أفكاره التى يريد توصيلها للمشاهد بشكل بصرى عبر استخدام حيل مختلفة مثل تنوع نسبة امتداد الصورة aspect ratio من الضيقة المربعة الأقرب للتليفزيون إلى الواسعة المستطيلة الأقرب إلى السينما مثلما فعل فى “قد تنتقل الجبال”. وذلك ليتماشى مع القصة التى تتناول شخصيات فى ثلاثة أزمنة مختلفة الماضى بعام 1999 والحاضر بعام 2014 والمستقبل بعام 2025. وهو يريد بذلك أن يشير إلى التطور التكنولوجى فى الصورة وأيضا إلى مساحة البراح والحرية الأكبر التى تنتقل إليها الشخصيات عبر انتقالها فى الزمان وفى المكان عبر الهجرة الداخلية فى الحاضر ثم الهجرة الخارجية فى المستقبل.

النقد غير المقبول يقابله التهميش

وينتقد جيا زانجكى أيضا فى أفلامه القيم الغربية خاصة الأمريكية (الاقتصادية والاجتماعية والدينية) التى غزت الصين حيث صاحب هذه القيم الجديدة فساد فى كل نواحى الحياة بل وعنف متبادل (الإنسان حينما يمارسه ضد الإنسان) وأيضا عنف الإنسان ضد الحيوان والطبيعة بشكل عام. ويتجلى هذا فى مشاهد ضرب وقتل الحيوانات فى “لمسة الخطيئة” أو إبراز مشكلة التلوث البيئى التى تهدد الصين الآن والناتجة عن التصنيع الذى لا يهتم بالمستقبل عبر المحافظة على البيئة ولكنه يهتم فقط بالحاضر عبر استغلال البيئة من أجل الربح الفورى وأيضا استخدام المتفجرات فى حفر المناجم أو حتى بلا أى سبب نفعى ولمجرد اللهو أو تفريغ الغضب والطاقة السلبية التى تفور وتمور داخل المواطن الصينى المعاصر.

ويظهر جيا زانجكى هذه التغيرات التى تطول حتى القيم الماوية والبوذية وذلك بشكل بصرى عبر وضع تمثال لماو تسى تونج فى ميدان بمدينة حيث يبدو التمثال وكأنه ينتمى لعصر غابر بسبب تراكم الغبار عليه ليكون مهجورا من سكان المدينة فى “لمسة الخطيئة” أو حتى السخرية من عصر ماو تسى تونج والجيش الصينى والشيوعية حينما ترتدى مجموعة من الغانيات رداء الجيش الصينى الشيوعى فى مشهد يعكس حالة من “الفيتش” الجنسى وانتقام الأثرياء الجدد أو محدثى النعمة nouveau riche فى الصين من الشيوعية وقيمها. وأيضا يعكس هذه الأفكار بصريا فى نفس الفيلم حينما يختار المعبد البوذى كساحة للقتل وهو بذلك انتهاك صريح للدين وللمقدسات الصينية بل أيضا نجد سخرية شخصيات أفلامه المباشرة من الدين والآلهة وهو ما يعكس ما وصلت إليه الصين من حالة من الانحدار القيمى والأخلاقي.

وكل هذه الأسباب تجعل من جيا زانجكى مخرجا مغمورا فى الصين وذلك لكشفه الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والبيئية وحتى النفسية التى وصلت إليها الصين فى القرن الواحد والعشرين بأسلوب ما بعد حداثى حيث يحكى قصص شخصيات متعددة واقتباس وتحوير القصص الصينية القديمة أو الأفلام القديمة مثل “لمسة الزن A Touch of Zen” والأسلوب الساخر فى السرد وغيرها من السمات التى ميزت أعمال الكثير من المخرجين المعاصرين حول العالم.