الفيلم الحائز على ذهبية الدورة الـ38 من مهرجان القاهرة السينمائى الدولى ميموزا : الإيمان وليس التدين بين الواقع وما وراء الواقع     بقلم : صفاء الليثى   لما كانت

mimosa

الفيلم الحائز على ذهبية الدورة الـ38 من مهرجان القاهرة السينمائى الدولى

ميموزا : الإيمان وليس التدين بين الواقع وما وراء الواقع

 

 

بقلم :

صفاء الليثى

 

لما كانت جوائز لجنة التحكيم الرسمية لدورة مهرجان القاهرة السينمائى الدولة الـ38 قد وافقت توقعاتى وتوقعات الكثير من النقاد والمهتمين وجدت أن الفيلم الذى حاز الهرم الذهبى لا بد أنه متميز ويحتاج منى مشاهدة متأنية لأفهم، فعدت لمشاهدته فى إعادة عروض الأفلام الفائزة بعد أن شاهدته فى عرضه الأول ضمن المسابقة الرسمية، فى المرتين لم أشعر بملل وإن احترت فى فهم رسالة المخرج وتفسير ما يود نقله إلينا، ليس الفيلم من أنواع أفلام الصورة التى يمكنك الاستمتاع بها دون أن تهتم بالبحث عن الرسائل بداخله، فالحوار ليس حوار الحياة اليومية فقط، ولكنه كثيرا ما يروى قصصا ويوجه أسئلة ونصائح خاصة ما حملها شكيب الذى انضم إلى القافلة القديمة من عالم معاصر جعله المخرج موازيا للعالم القديم.

فى ملخص الفيلم بكتالوج المهرجان، وعادة يرسل الملخص كمادة صحفية من قبل المنتج، نعرف أن قافلة ترافق شيخا يحتضر خلال جبال الأطلس المغربية. أمنيته الأخيرة أن يُدفن مع من أحبهم. ولكن الموت لا ينتظر. يتملك الرعب قادة القافلة من عبور الجبل، رافضين أن ينقلوا الجثة. يسافر أحمد وسعيد – اثنان من المحتالين – مع القافلة، ويدعيان أنهما على علم بخط سير القافلة ويتعهدان بتوصيل الجثة إلى مثواها الأخير. فى  عالم آخر، يُختار شكيب ليُسافر إلى الجبال فى  مهمة أخرى وهى  مساعدة قادة القافلة غير المُدربين.

بعد مقدمة طالت إلى عشر دقائق نقرأ لوحة مكتوبة بعنوان الركوع تلت مشهدا يحكى فيه شكيب قصة آدم وإبليس الذى كما حكى أوشك على الانحناء «الركوع تدريجيا» قبل أن يرى نور الله فى آدم فيرفض السجود. الركوع عنونه المخرج كفصل أول ونفهم من التتابع أنها تعنى مرحلة متوسطة من الإيمان. تليها مرحلة القيام وهى أقرب إلى الشك أو الاعتراض، ثم المرحلة الثالثة وهى السجود أو التسليم لوجه الله تعالى وتلبية لطاعته. فى الحقيقة استعنت بصديق دارس للصوفية ليكشف لى بعض مفاتيح فهم الفيلم وأخبرنى أنه فى الصوفية لا بد أن يظهر شيخ بديلا للشيخ المقبل على الموت، وشكيب الذى تم اختياره لمساعدة القافلة يمثل روح الشيخ التى ستوجه أحمد الصعلوك الذى خرج لسرقة القافلة مع صديقه سعيد، ولكن رحلة السفر تنقى سريرته وتشعره بالندم على حياة عاشها بلا إيمان. شكيب يبقى كظل لأحمد ينصحه ويفهمه، يشجعه لينتصر ويتحمل مسئولية المهمة التى كلف بها من إيصال الشيخ حيث مثواه الأخير فى بلاده ومن إنقاذ الفتاة الخرساء من مصير الشنق على يد غوغاء بعد اختطافها.

يوازى المخرج بين عالم قصة الشيخ بقافلته من الخيول والبغال حيث اختار الشيخ أن يخترق الجبال ليصل إلى موطنه، فكانت جبال الأطلس بالمغرب شديدة البكارة معبرة عن لا زمن أو عن زمن سحيق، وبين عالم معاصر بسياراته وطرقه الأسفلتية وأردية البشر فيه. يتم الانتقال بين العالمين بموسيقى الكترونية أقرب إلى المؤثر الموسيقى منها إلى موسيقى لحنية، تيمة وحيدة تنقلنا من القافلة فى الجبال إلى المدينة الصحراوية والعكس، قرب النهاية سيجمع المخرج العالمين فى مشهد يدخل فيه شكيب بحصان أبيض وسيف على المدينة حيث أحمد، أو قرينه، فى العالم المعاصر، لقطات تجمع بين الحصان ومركبات حديثة، دراجة بخارية وسيارة نقل. أحمد المتعب يسلم نفسه إلى شكيب بل يشكره ويناديه باسمه للمرة الأولى، يذهبان حيث الفتاة التى يعذبها همجيون وهم مقبلون على شنقها لإنقاذها من هذا المصير، ومع صيحة شكيب شاهرا سيفه وخلفه أحمد وقد ملأ الإيمان قلبه، تعود التيمة الموسيقية مع قافلة، فوج من السيارات الحديثة وصوت التلبية يملأ المكان «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك، لا شريك لك».

زمن عرض «ميموزا» بلغ الساعة ونصف الساعة، حافظ المخرج على إيقاعه فيها تماما، جاذبا المشاهد حتى لو وجد صعوبة فى فهم الرسالة بوضوح، تحدث المخرج عن فكرة الإيمان المختلف عن التدين وطرح أفكارا صوفية مستلهما طريق رحلة قطعها بنفسه مع صديقه الممثل سعيد عجلى، ناقلا لنا تجربته فى السفر والترحال يصحبه إيمانه، وصلاته الدائمة غير مقيدة بطقوس، كان شكيب الشخص القادم من حياة معاصرة هو من حمل صوت المخرج عاكسا ثقافة عربية إسلامية سكنت روحه منذ خروج عائلته من بلاده المغرب للعيش بإسبانيا، الفيلم إنتاج مشترك بين إسبانيا والمغرب وفرنسا وقطر 2016 فى 96 ق تشمل العناوين.

حاولت أن أفهم معنى عنوان الفيلم «ميموزا» ووجدت أنه نوع من النبات تنغلق أوراقه بمجرد لمسها فسميت بالنبتة الخجول. وهو ما لا أجد رابطا بينه وبين الفيلم. السينما فن المكان والزمان، الأماكن فى الفيلم خلابة، هذه الجبال الصخرية التى تفاجئنا بمساحات منبسطة وسطها، وأنهار تخلقها الأمتار تجرى بين الصخور، حرارة شديدة وأماكن أخرى يغمرها الثلج. نجح المخرج فى تنويع مناظره التى غلب عليها الاتساع بينما أغلق حدود الإطار على لقطات المدينة – ما عدا الطرق الأسفلتية – مركزا فقط على وجوه لبشر معاصرين عارضا صراعهم وأحقادهم الصغيرة لنيل لقمة العيش. خلاف للصراع الوجودى بين أطراف قافلة الشيخ فى الصحراء التى اتسمت بطرح أفكار متباينة بجمل واضحة تفسر المقصود، ولم يتركنا المخرج فى حيرة تفسير مشاهد يغلب عليها الصمت كما تعودنا من أفلام تصور فى الصحراء وتركز على الصورة فقط.

منحت لجنة التحكيم الدولية بالقاهرة الـ38 بالإضافة إلى الهرم الذهبى الممثل شكيب بن عمرة جائزة أفضل ممثل، وأندهش قليلا من لجنة تحكيم منحته الجائزة وأجد أن الأجدر بها كان أحمد محمود ففى اعتقادى أنه ممثل الدور الرئيسى وقد عكست ملامحه الشخصية المركبة الحائرة بين ماضيه كصعلوك شرير وبين الخير الذى اكتسبه فى ترحاله مع الشيخ ثم مع جثمانه وحيرته فى التخلى عن مهنته بإيصاله إلى بلاده حيث من أحبوه وبين دفنه فى أى مكان بالخلاء. وهى نفس الحيرة التى تملكتنى من منح ناهد السباعى جائزة أفضل ممثلة فى حين أن الدور الأول والأكثر اكتمالا كان لإلهام شاهين فى دور شامية موديل الرسامين كممثلة عكست فهما للشخصية وأفردت لها مساحة كبيرة بالفيلم.

سبق للمخرج الحصول على الجائزة الكبرى لأسبوع النقاد بمهرجان كان 2016، والمخرج أوليفر لاكس ولد فى باريس 1982، درس السينما فى برشلونة بإسبانيا، انتقل إلى لندن وأخرج هناك عدة أفلام قصيرة، قدم عام 2010 فيلمه الروائى الأول «كلكم قادة» عرض بقسم نصف شهر المخرجين بمهرجان كان وحصل عنه على جائزة اتحاد الصحافة السينمائية فيبريسى. والمخرج له جذور مغربية كما حكى عن نفسه.