سيد حجاب.. عازف الأنغام   بقلم : محمد كشيك   ولد سيد حجاب فى 23 سبتمبر بمدينة المطرية، عام 1940م، وقد كان لمدينة المطرية أثر كبير عليه، فقد اشتهرت المطرية

879

سيد حجاب.. عازف الأنغام

 

بقلم :

محمد كشيك

 

ولد سيد حجاب فى 23 سبتمبر بمدينة المطرية، عام 1940م، وقد كان لمدينة المطرية أثر كبير عليه، فقد اشتهرت المطرية فى ذلك الوقت بصيد السمك، حتى أثر ذلك على وعى الشاعر، وقدرته على النظم، فكتب قصيدة، وحاول أن يقرأها على والده، الذى شجعه على المتابعة والاستمرار، حتى تجلت موهبته، فصار من كتاب العامية المعروفين، وقد التحق سيد حجاب بكلية الهندسة، ثم انتقل الى جامعة القاهرة عام 1958 م لدراسة هندسة التعدين، وقد كانت أول قصائدة بعنوان «الشهيد نبيل منصور»، ثم انطلق بعدها فى عالم شعر العامية المصرية، فكان من أوائل الرواد الكبار فيه، وقد تنبأ له الشاعر صلاح جاهين بعدما قابله بمستقبل باهر فى مجال الكتابة بالعامية، وقد عرف سيد حجاب بدقته الإعجازية فى هندسة الكلمات، فكانت القصيدة لدية تتسم بجماليات اللغة، حيث تمكن من سبر غور الكلمات، وتميز سيد حجاب بالدقة المتناهية فى اختيار القوافى والكلمات، حتى أصبح وكأنما حبست عليه الألفاظ، فاختار منها ما قد شاء، وصارت القوافى ملك يديه يطوعها كيف يشاء، ولعل من أبرز القصائد التى صارت علامة على بلاغته وقدرته، ومدى تمكنه فى كتابة الشعر، هى قصيدته الأراجوز، التى يقول فيها:

أراجوز.. أراجوز.. إنما فنان

فنان.. أيوه.. إنما أراجوز

ويجوز يا زمان أنا كنت زمان

غاوى الأرجزة طياري.. يجوز

إنما لما الكيف بقى إدمان

باجى أبص لشيء واحد

أرى.. جوز

أرى إيه؟ أرى إيه؟ أرى أرى أراجوز

***

فلسان.. كحيان.. أيوه أنا فلسان

إنما برضك.. راجل إنسان

بأضرب بالألف لسان ولسان

وباكلها بعرقي.. ومش إحسان

راجل والرجولية — لا عضلات

ولا ألابندة وسيما وحركات

الرجولية الحقيقية ثبات

قدام جبونية أى جبان

****

أراجوز أنا وأحمى أرى أرى إيه؟

أحمى قراريط الناس من مين؟

من الناس الأرى أرى إيه أرى إيه؟

من الناس القراميط الملاعين

ما هو أصل أنا مش من الأرى أرى إيه

مش من القراطيس

و لو الحال مال مقعدش أنا على

أرى إيه أرى إيه؟.. قرافيصى وأطنش ع الأندال

لازم أشك الأندال مهموز

وأدوس ع اللى افترى والعنطوز

م أنا أرى إيه أرى إيه؟؟

أرى أرى أراجوز

ولعل قصيدة الأراجوز التى كتبها فى عمر مبكر قد ساهمت فى إضاءة عالمه الشعري، ووضعته فى مكانته الشعرية التى يستحقها، وقد أبدع «سيد حجاب» أهم دواوينه على الإطلاق «صياد وجنيه» فى منتصف الستينات، وقد حمل الديوان طاقة تعبيرية عالية، جعلت من سيد حجاب فى الطليعة بين شعراء جيله، كما قد تأثر به العديد من شباب العامية المصرية.

 

9888

صياد وجنيه.. وصائد المعاني

بعدما صدر ديوان «صياد وجنيه» للشاعر سيد حجاب، احتفلنا شعراء الوراق بالشاعر الكبير، فقد رأينا فى الديوان مفتتحا لشاعر جديد، استطاع أن يشق طريقه ليحفر لنفسه مكانا متميزا بين شعراء العامية المصرية، ورحنا نتتبع قصائد الديوان، ونحفظها بنهم شديد، فلقد رأينا الديوان يفتح آفاقا شعرية جديدة، ويستخدم اللغة استخداما خاصا وجديدا، كما يقدم مناخا إبداعيا قل أن يعبر به أحد، واستفدنا كثيرا من ديوان «صياد وجنيه» الذى كان علامة إبداعية حينما ظهر، وكنا نجتمع لنتلو قصيدة «وصية سيد حجاب» التى كان يقول فيها:

ولما أموت

لو مت ع السرير ابقوا احرقوا الجسد

ونطوروا رمادى ع البيوت

وشوية لبيوت البلد

وشوية ترموهم على تانيس

وشوية حطوهم فى إيد ولد

ولد أكون بُسُته.. ولا أعرفوش

ولو أموت..

قتيل – وانا من فتحة الهويس بافوت –

ابقوا اعملوا من الدما حنة

وحنوا بيها كفوف عريس

وهلال على مدنة

ونقرشوا بدمى – على حيطان بيت نوبى تحت النيل –

اسمى

ولعل أهم انجازات سيد حجاب الفنية يكمن فى ذلك الحس الدرامي، الذى بدأ يظهر فى قصائده، بشكل واضح وملموس، حتى يكاد يلمسنا بكل إيقاعاته، ليظهر نوع آخر من القصائد الدرامية، التى تصلح دائما للغناء، يقول سيد حجاب فى قصيدته الجميلة «ضربة شمس»:

وليل تباريحنا جارحنا.. نضيع وتضيع ملامحنا

نتوه فى زحمة العالم.. ما نلقاش وشنا مالم

لروحنا نعود.. ونبقى احنا

حبيبى تعالى لسه العمر فى ربيعه.. ونهر الحب فى قلوبنا ينابيعه

حرام نعشق ونتعاهد.. ونتفرق ونتباعد

ويبقى بكرة بين ايادينا.. ونبيعه !

أنا فى التوهة، فى الزحمة.. باضيع ولا راحة ولا رحمة

تعالى انجدنى من روحي.. ومن توهانى فى جروحي

و خلى الكون يصالحنا

وتنفتح أمام سيد حجاب افاق رحبة للغناء، فقد أتاح الطابع الموسيقى للشاعر المجال واسعا أمام المطربين، لكى يستعينوا بقصائده فى الغناء، لذلك سوف ننتقل الى مجال آخر للشاعر سيد حجاب، لا يباريه فيه أحد من الشعراء.

بصمة.. سيد حجاب

لقد انفتح باب الغناء واسعا بعدما ألف سيد حجاب، مجال الأغاني، فقد وجد المطربون شعره صالحا للغناء، فتكالبوا عليه حتى يحصلوا على أغانيه، وقد نجحت قصائده، أيما نجاح، فقد تدفقت الموسيقى لتصل الى الذروة، فى بعض قصائده، فوصلت الذرى، وأصبحت بصمة سيد حجاب تسابق الجميع، فقد أدرك سيد حجاب منذ طفولته سر الشعر فى مندرة والده، أثناء قراءته للشعر، أن يدرك مبكرا بصمة الشاعر، فدخل من الباب الأمامى للأغنية الفردية والجماعية، وكانت أول أغنية له اسمها: الجنود، وكان الشاعر يقول فيها:

كنت بتذكر وأنا فى غاية الأسى

لعبنا الكورة فى حوش المدرسة

والشقاوة واحنا لسة صغيرين

والبراءة والصحاب الطيبين

لما سألتنى اللى جنبي

إنت مصرى؟؟… دق قلبي

اسم زى السحر رفرف عالمكان

زى نسمة مهفهفة بصوت الاذان

أيوة مصريين لآخر

كل نقطة فى دمنا

وابتدى شيء ينجرح جوه الوجود

وابتدينا أسئلة ملهاش ردود

ميلنا عالشباك نخبي

دمعة فرت مننا

الوجوه من ثلج وعيون من قزاز

شوقى زاد للعشرة والناس العزاز

وابتديت أكتب وأنا فوق السحاب

ابتديت يا حبيبى فى أول جواب

مصر إنتى حتة مني

مش مجرد اسم وطني

قالوا فاضل نص ساعة عالوصول

قلت ايه معنى الساعات والا الفصول

إلا فى الأرض اللى فيها

ذكرياتنا وحبنا

وابتدى شيء ينجرح جوه الوجود

وابتدينا أسئلة ملهاش ردود

ميلنا عالشباك نخبي

دمعة فرت مننا

988888

وأصبح جميع الشعراء يغنون من كلماته، وقصائده، فقام بالغناء له: محمد منير وعبد المنعم مدبولي، وصفاء أبو السعود، وغيرهم، غير ان أهم إنجازاته، كان شريطا للأطفال، غناء: عفاف راضي…. ظهرت فيه ثقافته التى تعين الطفل على مشاكل الحياة، وأحدث الشريط ثورة بالنسبة لأغنية الطفل..

هذا وقد توحد الشاعر، مع القصيدة، فانتشر وذاع وشاع، وأصبحت الموسيقى فى شعره بمثابة الشىء البارز، والذى يمكن التعرف على سيد حجاب أول ما تستمع قصيدة له، وقد ساهمت ثقافة الشاعر الكبيرة فى تمكينه من أصول الشعر وأصبح يؤلف الكلام الموسيقى بأكثر من شكل وقد شارك الشاعر منذ زمن فى مجلة جاليرى 68، والتى رعت حركة شعراء السبعينات فى مصر، كما قرأ سيد حجاب دواوين للشعراء الكبار، أبولينير، بول أراجون، إيللوار، ومعظم الشعراء الفرنسيين الطليعيين..

ويعود سيد حجاب الى الصيد والصور الجميلة فى «صياد وجنيه» لتحدث تلك الألفة بين الشاعر والقصيدة، ولنعرف جميعا أن للشاعر دورة لا بد أن تستمر ونردد معه الأغنية «أنا ابن بحر»

أنا ابن بحر.. ابن بحر.. ابن بحر

ابن النسيم اللى رضع من السما

رضع حليب النجمة.. حنية وفجر

وبعدها جه وترمى..

فى حضن أبويا وأمى واخواتى الكتار

خلانا نفهم بالوما..

خلا خيالنا يمد إيده يطول شماريخ السما

وحتى لو حبيت أقول…

إن النجوم فى المية عايمة مسهمة

وإن خطوة ناس بلدنا الطيبين متنغمة.

وإن فى عينيهم نجوم متبسمة

وإنهم كلمة محبة فى الهدوم متقسمة

ولو حاقول ما ينتهى لى بحر قول..

ده البحر جنبى لو حامد الايد حاطول..

شمس… شموس أصيل

ده البحر يوماتى بتنعس شمس فيه

أقدر أجيب الشمس نعسانة تملينى الكلام… كلام بيتنفس سلام

وعرايس البحر ف بلدنا أخوات عرايس الشعر..

لو أمد ايد اقطف لى واحدة منهم

وفى قلب كل عروسة منهم بحر شعر مالوش قرار

وعرايس البحر فى بلدنا أخوات عرايس الشعر…. وأخوات القمر

واخواتى.. واخوات ناسى.. واخواتى الكتار..

ويعود الشاعر الى مدينته «المطرية» حيث ينفتح الأفق، ونستمع الى غناء الصيادين ويعود الطفل ولدا، يحن الى شوادر السمك، وتلتهب الأقمار لنعرف من يكون سيد حجاب الذى تمكن من اصطياد النغم بسنارته الصغيرة، وكيف تمكن الصياد من صيده وانفتح بسهولة ويسر، شلال الشعر:

«قلبى سرح

ويا الشبك لما انطرح

والنجم وسط الريح

يشاور ع الطريق

زى الصديق

يا ريت يا نجم السكة

تصبح بجناحين

وتطير.. تطير.. معرفش فين

لكن تطير

وتاخدنى وياك فى بحور».