بنت فى حقيبة بقلم : هبة حلمى         نصوص من «بنت فى حقيبة» يصدر قريبا عن دار العين   62 نحن فى عام 1977 والصراع لم يحسم

photo

بنت فى حقيبة

بقلم :

هبة حلمى

 

 

 

 

نصوص من «بنت فى حقيبة»

يصدر قريبا عن دار العين

 

62

نحن فى عام 1977 والصراع لم يحسم بعد بين العربات المنتفخة والمتبقية من سيارات الخمسينات التى تذكّرنا بعزيز قوم ذل، والبيجو 504 “الاستيشن” أسطورة الطريق الطويل الـ 7 راكب. كانت البيجو بالنسبة للجد هى عربة الموت. كانا يركبان هذه الغرفة المتحركة، يحشر فيها السائقُ الركابَ كالسردين، تحتمى بجسد جدها ورائحة عرقه النفاذة. تقطع السيارةُ الطريقَ بين القاهرة والزقازيق أربع مرات أسبوعيًا.

– بطلى هرش فى راسك، إحنا فى العربية

ما كل هذا الإحراج الذى تسببه لجدها، لا بد أن الركاب أدركوا تمامًا أن برأسها قُملًا، وأنه يرجوها أن تتوقف. تضع رأسها على “حجره” وتبدأ دورة جديدة من الهرش، لكن هذه المرة وهى نائمة.

نصف عام دراسى وإجازة صيف قضتها معه بين القاهرة والزقازيق وقريته. ستصل إلى الموقف بعد رحلة شاقة تبحث طوالها عن فراغ مريح يناسبها داخل السيارة، وتسرح فى الطريق الذى لا ينتهي. ستأخذ الحنطور الذى تحب صوت تهدجه، يتعلق بخلفيته صبية الطريق، بضربة خلفية لمتخصص يلسعهم السواق بالسوط.

تدخل فى رطوبة مدخل العمارة وتأتيها روائح “الطبيخ” من داخل الشقة نصف المظلمة، ثم صوت قرقعة الأطباق والملاعق لتعلن عن اقتراب موعد الطعام الذى لن يكون سعيدًا.

58

فى حالة انفصال متردد عن واقعها، تجوب أرجاء فناء المدرسة، تحمل “سبت السندويتشات“ المعدة ليلة أمس. تنظر إلى شبابيك الفصول، على عتباتها “سندويتشات” أخرى غير مرغوب فيها تخلصت منها أخريات. تترقب اللحظة المناسبة بحيث لا تقع تحت نظر مادموازيل كليوباترا وهى تتخلص من طعامها. “نعمة ربنا ما تترميش”، “فيه ناس تانية مش لاقيه تاكل”، مؤكد أن حديث أمها سيكون كذلك، أما مادموازيل كليوباترا لا تقدم التفسيرات وإنما هى حالة بحث دائم عن فريسة لتفريغ طاقاتها المكبوتة. لن أتذكر أبدًا ما الذى جعل طفلتى تكون تلك الفريسة فى يوم من أيام أكتوبر حيث حرارة الظهيرة ما زالت تشتد.

تقول بالفرنسية:

“وجهك للحائط ويداك فوق رأسك” والا أوضة الفيران فى الطرف الآخر من الفناء. ظلت “أوضة الفيران” مكان غامض لتلميذات المدرسة جميعًا، كنّ يعرفن أنها فى هذا الركن من “حوش” المدرسة. هما غرفتان، لم تعرف هى أيهما أبدًا “أوضة الفيران”، غرفتان لم تراهما مفتوحتين يومًا أو زارهما أحدٌ، ولم ترَ أبدًا طفلةً تدخلهما. كان هذا يكثف الإحساس بالغموض والمجهول. لا تذكر أن مدرسةً أو مشرفةً تكلمت معهن يومًا عن أوضة الفيران، لكن هذا لم ينفِ وجودها فى رءوسهن هن أطفال تلك المدرسة.

كانت أوضة الفيران ضرورة موضوعية للسيطرة.

تأتى أمها للسؤال عن أدائها المدرسى فتصرّح لها أحلام «مدرسة الفصل» أنها مشوّشة، لا تركز، تسرح فى أماكن بعيدة، غالبًا سقف حجرة الدرس. أما أحلام فلم ولن تعرف كم أحبتها هذه المشوشة، لم تلمح تلك النظرة الملتهبة عندما يظهر مسيو سامى عند بوابة فناء الأطفال ليصحب الفصل إلى مسرح المدرسة؛ هو مدرس الموسيقى والرجل الوحيد فيها.

55

جدد اتصاله بها بعد ما يقرب من عشرين عاما من الانقطاع هاجر فيها إلى السعودية، وهاجرت هى إلى الولايات المتحدة.

بعد تخرجهما فى كلية الطب، عملا فى مستشفى دار الشفاء معًا، هى كمساعدة لطبيب نساء مشهور فى أواخر الستينات وهو كجراح صاعد طموح.

ترك تعيينه بالجامعة كـ”نائب تخدير” بقصر العينى محبة فى الجراحة، بالإضافة لتلك المحبة كانت مهنة الجراح تناسبه تمامًا.

ففى كواليس وترتيب المهن الطبية يحتل الجراحُ المقام الأول، هو من يأتى بـ”الزبائن” من عيادته إلى المستشفى، هو من تُفتح له غرف العمليات، يكدر الممرضات ويرافقهن عند الحاجة، وهو الذى يأمر “بتاع البنج”، لذا أخذ قراره بعدم قبول التعيين بالجامعة وعمل كجراح بالمستشفى الخاص فى زمن لم تكن فيه الراهبات الممرضات اختفين بعد.

تزاملا فى أروقة غرف العمليات ووقع فى حبها. كانت مشغولة عنه بالطبيب المشهور، يعلمها ويدعمها ويوفر لها فرصًا مفتوحة للمستقبل، لكنها لم تتجاهله تمامًا، يبدو أنهما أسسا معًا علاقة على أرضية الإعجاب والرغبة المؤجلة.

على الحائط الخلفى لكنبة الأنتريه فى شقة أمها بمنيل الروضة عُلقت صورة زفافها. تلبس طرحة وفستانَ فرحٍ قصيرين، هو اختراع ستيناتى جريء، نظرتها ساحرة تشع ثقة بالنفس. يقف بجانبها الضابط العريس الوسيم يبدو أنهما سعيدان. هاجرا فيما بعد هزيمة 67 للولايات المتحدة بعدما انكشف المستور واتضح للمصريين أن عبد الناصر عندما أراد أن يغير التاريخ غير الجغرافيا.

سنوات بعد النكسة بجدة، وفى إحدى محاولاته لإنجاز مشروع العمر، اتصل بها ليعرض عليها العمل معه. كان يؤسس حينها عيادات متخصصة، زمن إذاعة الجزء الأول من مسلسل “ليالى الحلمية”، فوجد أن اسم عيادات الحلمية هو الاسم الأنسب لمشروعه الجديد، حيث يذكره بقاهرته القديمة ويتكئ فى نفس الوقت على شعبية المسلسل كقيمة مضمونة للترويج التجاري.

ظهرت فى حياته مرة جديدة وهى بعد تسعى أمام المحاكم الأمريكية فى الإجراءات الطويلة لمواطنة تريد الانفصال عن زوجها. وهو المتزوج بسيدة أصابها الاكتئاب الخاطف بعد أقل من سنة إقامة بالسعودية، تركها دون أى تشبث.

فأعطى روحه لحلمه القديم وتزوجها فور حصولها على الورقة الأخيرة للطلاق.

وبدأت القصة الحقيقية.

 

 

54

أيام الأحذية الباتا والزبادى الفخار وبائعى اللبن الذين يجوبون العمارات، والملابس التفصيل، كانت -هي- طفلة صغيرة تذهب إلى المدرسة مشيًا مع مجموعة من فتيات الجيران. يعبرن شارعين بإشارتى مرور قادرتين على إيقاف سير الطريق. يتحكم بالإشارة شاويش أنيق، ينزل سلم الكشك المرتفع عندما يلمحهن يقتربن، يحول الإشارة إلى اللون الأحمر ويعبرن.

تستيقط فى الصباح على نور شباك الغرفة المقتحم، تفتحه أمها وتبدأ الاستعجال الصباحى للطقوس اليومية.

“الفطار جاهر، غسلت وشك، لبست، يالا الأكل”

تطعمها أمها فى فمها، تستسلم وهى تتابع المسلسل الإذاعى عن حياة أم كلثوم. تسرح مع صوت عبد الوارث عسر الأب الداعم، ثم يأتى جرس الباب منذرًا بالرحيل.

هل سيخترن طريق الكورنيش أم طريق قصر العيني. كانت نسرين وجاكلين، الجاراتان الأكبر سنًا من تقرران. فيأتى المشهد الأول: عشش الصيادين على كورنيش النيل. كانوا يعيشون هناك فى بيوت من صفيح. تأتى “بطة” بمشنة ممتلئة بالسمك البلطى لتبيعه على أعتاب الشقق المتاخمة لعشة أهلها.

يعبرن امتداد الكوبرى القادم من عند قصر محمد على الصغير، مبنى ذا واجهة حجرية ممتدة،  لماذا هو صغير محمد علي؟ ومن هو الكبير؟ كان جزءٌ من القصر مخصصًا لمقر “الكلوب ميد”، يذيع أصواتًا متسللة لحفلات ليلية. فيما تحول باقى القصر إلى متحف، زارته هى مع خالها يومًا. به مقتنيات الصيد المحنّطة التى حصل عليها صاحب القصر فى جولاته، رءوس حيوانات معلقة زودت بعيون صناعية جعلت نظراتها مخيفة، تراوغ بين الموت والحياة. ما لفت نظرها تلك الفراشات الملونة المرصوصة بعناية فائقة داخل دواليب الزجاج، لا تنتهى احتمالات ألوانها.

هذه الزيارة لم تكن عادية، فقد كان نادرًا أن يقرر الأهل زيارة المتاحف أو الفسحة. أظن أنها قضت وقتًا ليس بالقليل داخل فراغ الشقة وعقلها.

عند المنعطف الأخير الذى يودع الكورنيش عند القنصلية الإيطالية، تعرج الفتيات إلى شارع صغير شأن كل شوارع جاردن سيتى فيظهر المبنى ذو اللون الطوبى العتيق بطرازه العشريني، يلتف الطريق حول المدرسة ليصل بهن إلى بوابة عم فوزى التى تفضى إلى الحوش الكبير، ويبدأ اليوم الدراسي.

هذا ما كان يحدث عندما لا يعيقها البطء الصباحي، أما إذا لم يكن مقدرًا لها أن تلحق بالركب، فقد كانت تذهب بها حليمة، ونظرًا للتأخير تصعد مباشرة إلى الفصل دون تحية العلم وتفتيش الراهبات على الزى الموحّد للطالبات. تدخلان من البوابة الحديدية المشغولة، وتصعدان السلم الأبيض برخامه الكرارا الإيطالي، يمينه ويساره نباتات نسّقها جناينى المدرسة. يقابلهما أول التماثيل، “العذراء والطفل”. تتركها حليمة هنا.

“الآن آخذ زمام الأمور، أنا وصلت مدرستي، أفتح الباب، أعبر المدخل بحذر إلى مادموازيل مارجريت. كل ما سوف يحدث الآن يعتمد على درجة قتامة مزاجها المنحرف غالبًا، ستأذن بالدخول الهادئ أم تصرخ؟”

تظهر مارجريت قصيرة القامة، نحيفة الجسد تكمل شفتيها المنحسرتين إلى الداخل بالرسم بأحمر شفاه شديد القوة، لها صبغة شعر سوداء. ترتدى الكعب العالى والإيشاربات الحريرية الأنيقة، مهنتها هنا عاملة التليفون تؤديها بهيئة وأداء المدير عام.

الآنسة مارجريت لم تكن الوحيدة التى ضلت طريقها إلى الرهبنة هنا، فالمدرسة كانت تعج بالآنسات العجوزات اللاتى عملن كمشرفات أو مدرسات للأدب والأخلاق أو التطريز. كن جميعًا لا يُجدن “العربية” على الرغم من كونهن مصريات.  تستأذن فى الدخول بصوت خفيض، فتسمح لها مادوموزيل مارجريت. تعرج يمينًا أو يسارًا، كالنملة التى تعبر الأنبوب الطويل، تبدأ اجتيازه وتدوس الأرض بحذر بحذائها المدرسى الأسود الجديد المبتل داخليًا بالكحول الأحمر كاحدى محاولات أمها لأقلمته على مقاس قدمها الطويل. تمشى فوق الأرضية الملونة المكونة من البلاط الأسمنتى ذى الأفريز الذى يرسم شكل الطرقة. الهدوء محسوب هنا، فأى صوت فى هذا السكون الكنسى يتحول إلى ضجيج يخرج عن اللائق.

تعرج يمينًا أو يسارًا، فالممران متطابقان تمامًا فى سيميترية صارمة، ينتهيان بشباك زجاجى كبير مقسم إلى مربعات تسمح بدخول الضوء. ضوء متسلل، لا أزيد من اللازم ولا يتركك فى الظلمة. ضوء حسبه من صمم المبنى بعناية. ضوء يُضفى سكينة مهيبة على القادم من ضجيج شارع قصر العيني، وغموضًا محفوفًا بالانتباه للخطر. قد تصادفها سور (الأخت) سان ميشيل لتتفحص كل نواقص يونيفورم المدرسة الذى ترتديه. سيكون حظها غير سعيد. لكن الأخت توجه سهامها لبنات الاعدادى والثانوى أكثر من أطفال الابتدائي، فلهن من بهجة الأجساد الفائرة التى نحتها خراط البنات ما لا تقوى على رؤيته سور سان ميشيل. عند نهاية الطرقة، تنزل سلمًا آخر إلى الحوش الكبير، تعبر ملعب كرة اليد ومنصة تحية العلم والمسرح وغابة الاشجار.. تدخل إلى السور الحديدى الأخضر… إلى عالم الأطفال.

48

إنها طرقة جد طويلة. أرضيتها زرقاء فينيل «قنالتكس» أزرق متسخ بفعل الاحتكاك بالأحذية والتروللى والكراسى العجل، حوائطها كانت بيضاء يومًا. تنتهى الطرقة بباب عريض ذى ضلفتين، لهما شباكان يمينًا ويسارًا دائريان أشبه بشبابيك المراكب.

شيد معهد الأورام القومى فى منتصف الستينات، توظفت أمها به بعد تخرجها مباشرة. فى بعض أيام الآحاد تعمل وهى تكون فى عطلة المدرسة، كانت تأخذنها معها الشغل.

على كورنيش النيل، تقطعان الطريق صباحًا من البيت إلى المعهد. عند الوصول تجدان جمهورًا من المرضى وعائلاتهم محتشدين على السلالم العريضة للمدخل، يتنظرون وصول الموظف بائع تذاكر الكشف، تفسح أمها لهما ممرًا فى الزحمة بإخبارهم أنها الطبيبة هنا.

لعبة الممرضات:

يأخذونها معهن فى عنابر المرضى، تلعب بين الأسرة أو فى غرفة الأطباء. طويلة تلك الطرقة، تجرى بها ذهابًا وإيابًا، يذكروها ألا تحدث صوتًا صاخبًا تمتثل أحيانًا.

السباعى رئيس أقسام الجراحة

السباعى جراح كهل، عملاق الجسد، له شعر نابت على ظهره، يمكنك أن تلمحه بسهولة من خلال الفتحة الخلفية للـ”جاون”. صوته عالٍ نافذ، والأساطير تحكى أنه يبدل ملابسه على الملأ، ويتجول كما ولدته أمه، وهو يستعد لدخول غرفة العمليات.

أمها سيدة الإتير

عندما تعود من العمل، تدخل هى فى حضنها، رائحتها “إتير”، إنه الغاز المخدر الذى استخدم فى غرف العمليات فى هذا الزمن. إنها رائحة استعادة أمها بعد الغياب، إنها الرائحة التى تحب.

– “حالة” الدكتور السباعى دخلت العمليات، فى انتظارك.

– جاية حالا

تذهب الأم إلى التعقيم وترتدى الـ”جاون” و”الأوفر شوز” الخُضر وتتجه إلى غرفة العمليات لتخدر “الحالة” (المريض)، تسرع هى تجاه الأم، تتبعها. لا ممنوع، إن الباب ذا الفتحتين الزجاج الدائرتين هو نهاية حدود حركتها فى هذا المكان. تتوقف خلف الباب.. “تشبط” تريد أن تدخل بأى ثمن. تحاول أمها منعها عن الدخول فتقترب الأم من أذنها وتقول:

– الدكتور السباعى بياكل العيال

وتترك طفلتها عند الباب بين الشك واليقين. فى غرفة العمليات تخدر المريض، فيأتيها صوته من الخلف

– بقى أنا يا منى بآكل العيال؟!

46

أحيانًا أتخيل نفسى فى زنزانة حبس انفرادى، لا بد أنها ستكون عطنة، موحشة مظلمة ليلًا، تترك لك كل الوقت لخيالاتك الداخلية لتنمو وأفكارك السوداء لتتمكن، ستتسلح بالتفاول لتتخيل عالمًا تزول فيه الزنازين وتشرق فيه الشمس، تستطيع فيه أن تتنسم هواء ذا رائحة ربيع قد يكون أو يود البحر ممزوجًا بزفارة سمك جائز. قد تسترجع ذكريات الحشود بالشوارع والأحلام الكبيرة عندها سوف تأتى إليك رائحة غاز المعارك الحاسمة. ستزورك حبيبة تحتمى بجسدها الدافئ أو تتذكر ابنتك وهى تتعلم أسماء الألوان.سوف تشاهد فيلمًا أحببته بكل تفاصيله فهذا هو تمرينك اليومى لضبط الذاكرة، ستقرأ الجوابات مئات المرات، ستتكلم مع بشر غائبين تعرف أنهم معك، لن تترك نفسك للشك، وستكمل حوارات لم تكتمل، وتبدع حلولًا لمشكلات لم تجدها من قبل، وتتجاهل آلام الظهر والركبة وضيق التنفس، وتتمنى لو أن مذياعًا هنا يأتى بإذاعة الأغاني، ستكتب خطابات لمن تحب، تصلح صياغاتها تباعًا فلديك كل الوقت.