ليلة خوف عادية “قصة قصيرة”       بقلم: دينا سمك   البيت ضيق جدا وحوائطه تكاد تنهار كلما مر مترو الأنفاق بجواره وهو ما يحدث كل خمس دقائق تقريبا.

797232-1600x900

ليلة خوف عادية

“قصة قصيرة”

 

 

 

بقلم:

دينا سمك

 

البيت ضيق جدا وحوائطه تكاد تنهار كلما مر مترو الأنفاق بجواره وهو ما يحدث كل خمس دقائق تقريبا. لم أعتد حتى هذه اللحظة على صوت المترو المزعج ولا على خوفى كلما مر من أن تسقط هذه الحوائط المتهالكة عليّ أو على الأقل تسقط قطعة من السقف على رأسى فتنتهى حياتى قبل أن أنجح فى الحصول على عمل بشهادتى الجامعية وتكون حياتى قد انتهت دون أن أحقق حلم الرجل العجوز المقعد فى إحدى قرى سوهاج.

جدران البيت لم تكن الشيء الوحيد الذى يشعرنى بالقلق ويجعلنى أؤخر عودتى إلى البيت إلى ما بعد مرور آخر مترو ليلا، وأتمنى أن يأتى النهار سريعا لأخرج إلى الشارع قبل مرور أول مترو، بل كنت أتمنى ألا أعود أبدا إلى هذا البيت المتهالك.

على فكرة البيت ليس سوى غرفة فوق سطح البناية وحمام مشترك مع محمود وأولاده الخمسة وزوجته التى تشبه المقشة المقلوبة والتى لا يبدو أنها مشطت شعرها منذ يوم زواجها مثلا.

المهم أن كل شيء من حولى كان يشعرنى بالخوف؛ خذ عندك: أشعر بالخوف من أن تظهر لى زوجة محمود بجسدها النحيل وأنا فى طريقى من أو إلى دورة المياه فتمصمص شفتيها قائلة «عينى عليك يا ابني.. لو تعرف اللى مستنيك ما كنت جيت من بلدكم». ولأنى عادة فى مثل هذا الموقف لا أكاد أرى سوى شعرها المنكوش الأبيض على الرغم من صغر سنها النسبي، ولا أعى وجودها إلا بعد أن تكون قد انتهت من كلماتها، فإننى أسرع إلى غرفتى دون رد وأغلق بابها بإحكام ثم أقضى بقية الليلة فى ترقب شديد وخوف من أن ينفتح الباب ويدخل منه ما ينتظرنى ولا أعرفه، والذى عادة ما أتخيله فى صورة زوجة محمود نفسها وقد طالت أظفارها واحمرت عيناها وجاءت لتلتهمني.

الأرض التى أمشى عليها هى سبب آخر لإحساسى بالخوف؛ فتلك السجادة المتهالكة التى أعطاها لى خالى بعد استئجارى الغرفة لا تنجح فى إخفاء ما بالأرض من مطبات وتشققات تجعلنى أمشى داخل الغرفة بحذر شديد خوفا من أن تسقط الأرض بى فوق رأس جارى الضخم الذى لا أعرف اسمه حتى الآن، وإن كنت أعرف أنه لا يحبنى أبدا ولن يكون سعيدا بزيارتى له واقتحامى خلوته مع زوجته من سقف غرفة نومه. والغريب أنى حتى هذه اللحظة لا أعرف لماذا أتخيل أن غرفتى فوق غرفة نوم جارى هذا، خصوصا منذ التقيت به على باب شقته يوما وكانت زوجته تقف إلى جواره فقلت حينها بأدب شديد: «صباح الخير يا مدام»، فجاء رده: «نعم يا خويا؟!». فما كان منى إلا أن هربت على الفور إلى الشارع دون أن ألتفت ورائى للتأكد من أنه لن يطاردني.

أرض الحارة لا تختلف كثيرا عن أرض البيت، أما شوارعها فضيقة جدا وبيوتها متلاصقة تكاد تصيبنى بالاختناق. أضف إلى ذلك رائحة البول التى تملأ المكان وبراز الأطفال، الذين لا يغطى نصفهم السفلى سواء فى الصيف أو الشتاء سوى الذباب. لها امتحانات شديدة القسوة لقدرة المارة على المحافظة على أحذيتهم نظيفة حتى الوصول إلى أول الشارع الواسع.

كل هذه الأشياء تشعرنى بالخوف منذ انتقلت إلى هذه الغرفة قبل أسابيع، ولكنى فى الأيام الماضية اشتركت مع السكان فى نوع مختلف من الخوف؛ وهو الخوف على محمود من أم سيد.

عندما انتقلت للعيش فى بيت أم سيد نبّهنى الجميع خاصة محمود -باعتبارى جاره الجديد الذى يجب أن يستقبله بالود والنصيحة- إلى أن صاحبة البيت شديدة القسوة، تعبد القرش ولا تتوانى عن فعل أى شيء لتجعل السكان يدفعون الإيجار الذى هو فى الحقيقة ملاليم بالنسبة لها، خصوصا وأنها تمتلك محلا لبيع السمك على أول الحارة يدر عليها ذهبا، ولكنها على ما يبدو تحب التحكم فى خلق الله، وتحب أن ترى رجالا بشوارب تقف عليها الصقور ينحنون أمامها من قلة الحيلة وقصر ذات اليد.

78777

وهذه الصورة التى رسموها لأم سيد كانت كفيلة بأن تجعلنى أحرم نفسى من شراء «بلوفر» يلم عظامى مع اقتراب الشتاء ويضيف لى بعض الهيبة اللازمة لمظهر شخص يحمل مؤهلا عاليا ويبحث عن عمل؛ فلم أكن أريد أن أُعرّض نفسى للسان أم سيد التى تختار أكثر المناطق والأوقات ازدحاما لتعايرك بفقرك وعجزك بأعلى صوت. وكان أمامى خياران لا ثالث لهما: كرامتى أو البلوفر. وبالطبع لم أحتج وقتا طويلا لأقرر.

منذ أيام أحسست على غير العادة بأن سكان البيت يتجمعون فى المدخل ويتبادلون الحديث لفترات أطول من المعتاد وأنهم يتعاملون مع محمود بود غير مألوف وعندما سألت عرفت أن محمود عليه أن يدبر إيجار ستة شهور متأخرة عليه قبل نهاية الشهر وإلا نفذت أم سيد تهديدها. ولم أسأل ما تهديد أم سيد ولكنى تخيلته بشعا جدا إلى الحد الذى جمع سكان البيت حول محمود وحول بعضهم البعض.

كنت أتخيل فى بعض الأحيان أننا سنستيقظ من النوم لنجد أن محمود قد هرب بزوجته وأولاده فى منتصف الليل دون أن يدفع الإيجار، وهذا الخاطر كان يشعرنى بالسعادة لأنه يعنى أننى سأتخلص من أحد مخاوفى وهو صوت زوجة محمود ومصمصة شفتيها فى عز الليل. بل كنت أتمادى إلى أكثر من ذلك وأتخيل أن رحيل محمود وأولاده سيحل جميع مشاكلي، وربما حتى يتوقف المترو عن المرور من جوار البيت وتتوقف الجدران عن التمايل.

ولى الرغم من ذلك فإننى كنت أتعاطف مع محمود ومع سكان البيت فى موقفهم من أم سيد الذى أصبح قضيتهم الأساسية، بل إننى منذ يومين تغلبت على مخاوفى من جارى الضخم وتجرأت وأنا أصعد السلم وسألته إذا ما كان محمود قد دفع الإيجار بالرغم وقوف زوجته إلى جواره، فجاءت إجابته شديدة الود وهو يقول: «لا والله يا ابنى لسه.. والله الراجل شقيان وطالع عينه ليل نهار.. يعنى هو كان لاقى يدفع وما دفعش.. وأم سيد لسانها متبرى منها ونابها أزرق وغاوية شر.. الله يكون فى عونه». فتمتمت زوجته: «وعوننا جميعا». فرفع الرجل يده وربت على كتفى فى حنان فصعدت إلى غرفتي. ومنذ ذلك الوقت لم أعد أشعر بالخوف من أن تسقط الأرض من تحتي.

اليوم فى الصباح استيقظت على صوت جلبة فى بئر السلم. بالطبع هذا لا يعنى أننى أنام كل يوم حتى الظهر دون إزعاج. ولكن الجلبة التى أيقظتنى صباح اليوم كانت مختلفة عن صوت المترو الذى يبدأ مع الفجر وعن صوت أولاد محمود وهم يجرون فى السطح مع أولاد الجيران، بل كان محمود يصرخ بصوت عال:

«مش دافع.. يا ولية يا قرشانة.. مش دافع وأعلى ما فى خيلك اركبيه.. يعنى أجبلك منين؟.. أبيع عيل من عيالى علشان أسد عينك.. باقولك مش دافع يا أم سيد.. مش داااااااااااااافع.. سامعة».

ثم ترتفع أصوات الجيران التى لا أكاد أميزها من تداخلها وكثرتها:

«إهدى يا محمود.. ما تعملش فى نفسك كده يا راجل.. معلش يا أم سيد ده زى أخوكي».

وبمجرد أن أدركت ما يحدث خارج باب غرفتى وتذكرت أن اليوم هو نهاية المهلة التى أعطتها أم سيد لمحمود قفزت من فراشى حتى لا تفوتنى تفاصيل المشهد الذى قضيت وقتا طويلا وأنا أتخيله وأضع له سيناريوهات مختلفة كل مساء حتى يغلبنى التعب أو الخوف فأنام. والحق يقال كان المشهد أكثر سخونة مما تخيلت.

كان محمود يقف فوق السطوح وينظر من بئر السلم وقد احمر وجهه الأسمر وكادت عروقه النافرة تنفجر من شدة الغضب المتدفق فيها. وفى بئر السلم وقف الجيران يحاولون منع أم سيد من صعود السلم وقد وقفت بجسدها الضخم وخلعت طرحتها السوداء فبدت كمهرج السرك بجلابيتها ذات الألوان الفاقعة وهى تحرك يديها فى هستريا وتصرخ:

«عاملى راجل.. منك لله يا محمود.. فلوسى نار فى جوفك ليوم الدين.. يا حرامي.. ترضاها على نفسك وعلى عيالك.. »، ثم تسرع لتشد شعرها المنكوش من كثرة الحركة «وحياة ده ولا يبقى على مرة لأوريك حقى هاجيبه إزاى يا محمود.. ودينى وأيمانى لأوريك.. عاملى راجل.. طيب انزل.. انزل يا محمود.. ورينى طولك.. »

قبل أن تعود مرة أخرى للردح مستخدمة أسوأ الألفاظ، والجيران يحاولون تهدئتها مؤكدين أن محمود رجل طيب ولا يقصد أن يأكل عليها الإيجار، ومحمود يصرخ من أعلى: «مش دافع يا أم سيد.. ومش نازلك.. مش داااااافع».

أم سيد تصرخ وجيران يحاولون تهدئة الموقف ومحمود يؤكد بكل تحدى أنه لن يدفع الإيجار. وأخيرا انسحبت أم سيد إلى الخارج وهى تهدد وتتوعد وعاد محمود إلى غرفته ليكمل استعداده للذهاب إلى عمله فى حين وقف الجيران فى بئر السلم يؤكدون أن محمود «راجل»، وأنه أول من وقف فى وجه صاحبة البيت الظالمة التى لا ترحم ولا تترك رحمة ربنا تنزل وأخذ كل منهم يذكر جانبا من تقصيرها فى العناية بالبيت ومدخله ناهيك عن ماسورة المياه المكسورة التى تهدد بسقوطه فى أى لحظة. وأخذوا يؤكدون أنها لو كانت صاحبة حق للجأت للقانون ثم أجمعوا جميعا -وهم يغلقون أبواب شققهم ليعودوا إلى إفطارهم وأكواب الشاى التى من المؤكد أنها قد بردت- أن عليهم الوقوف فى وجه أم سيد وظلمها، لكن بعد أن يعرفوا نتيجة ما فعله معها محمود وإذا ما كان سيمر على خير.

وبعد أن تأكدت أن الأوضاع قد هدأت على السلم وفى الحارة ارتديت ملابسى استعدادا للرحلة اليومية للبحث عن عمل وكنت قد قررت بالأمس أن أرضى بأى شىء لأستطيع على الأقل توفير ثمن «بلوفر» جديد. ولا أنكر أنى شعرت ببعض الندم لأنى لم أنتظر لأرى مصير محمود وموقفه فربما كنت اشتريت «البلوفر» وأجلت الإيجار للشهر القادم.

كانت تتبقى ساعة على مرور آخر مترو بجوار البيت، ولكنى لم أستطع الانتظار أكثر من ذلك بعد يوم طويل من اللف دون جدوى فى الشوارع بحثا عن عمل، فقررت العودة إلى البيت لأعرف ما حدث. وعلى السلم كنت أسترجع ما حدث فى الصباح وأحاول أن أتخيل ما حدث بعد ذلك، ولكن مع أول مترو مر وهز الجدران تملكنى مرة أخرى الإحساس بالخوف من أن يسقط البيت، ولكن خوفى تبدل طمأنينة للمرة الأولى حين دلفت من باب السطح وسمعت صوت باب دورة المياه المشتركة وهو ينفتح ليأتى منه صوت زوجة محمود: «إنت جيت يا ضنايا؟». وقتها تأكدت أن أم سيد لم تفعل شيئا وأن محمود ما زال هناك.