عنف و سياسة فى الشرق الأوسط.. عندما يبدأ “الطريق إلى السلام” من معرفة مُسببات العُنف   بقلم : مُصطفى طاهر     الإصرار على اتباع المنهج العلمى ينجح دائما فى

syria-2015-photos

عنف و سياسة فى الشرق الأوسط..

عندما يبدأ “الطريق إلى السلام” من معرفة مُسببات العُنف

 

مصطفى طاهر

بقلم :

مُصطفى طاهر

 

 

الإصرار على اتباع المنهج العلمى ينجح دائما فى صناعة الكُتب المهمة.. خاصة عندما تتوافر مقومات و معطيات الإجادة.. من حسن اختيار الموضوع و درجة الوعى الكبيرة للمؤلفين و المترجم التى ينتج عنها التشخيص السليم للمشكلة فتأتى الحلول مجدية حقيقية فعالة.. فى كتاب “عنف وسياسة فى الشرق الأوسط.. من سايكس بيكو إلى الربيع العربى” الصادر عن دار روافد للنشر والتوزيع بالقاهرة بالتعاون مع المعهد الثقافى الفرنسى ضمن برنامج طه حسين لدعم النشر .. للكاتبين الفرنسيين بيير بلان و جان بول شانيو الذى قام بترجمته بإجادة متناهية للغة العربية “محمد عبد الفتاح السباعي” نعيش فى قلب الأحداث التى رسمت خريطة الشرق الأوسط منذ مطلع القرن المنصرم، وحتى ما تم تعريفه بالربيع العربى، وذلك فى ظل فترة شديدة التقلب على من فى المنطقة على كافة الأصعدة السياسية والاجتماعية والأمنية يبدو فيها المشهد ممتلئا بما يطلق عليه الكتاب «العنف الحاضر والسياسة الغائبة» .

فى بحث العالمين الفرنسيين الكبيرين “بلان” أستاذ العلوم الجيوسياسية بمركز بوردو للعلوم السياسية و“شانيولو” أستاذ العلوم السياسية بعدة جامعات فرنسية عن أسباب العنف الحاضر والسياسة الغائبة يتم الاعتماد على عدد من الوثائق المهمة، أبرزها مراسلات ومذكرات شخصيات صنعت التاريخ على رأسها الدبلوماسى الإنجليزى السير مارك سايكس القنصل الفرنسى السابق ببيروت جورج بيك، كذلك المراسلات الأخرى بين الشريف حسين أمير الحجاز السير هنرى مكماهون المفوض البريطانى الأعلى بمصر، ومذكرات الرئيس الفرنسى الراحل شارل ديجول .

p30_20161001_pic1

يناقش الكتاب أن هناك ثلاث أيدلوجيات هى مصدر العنف فى المنطقة خلال تلك الحقبة التاريخية هى “الصهيونية”، “تيارات الإسلام السياسى”، “القومية العربية”، حيث يرى المؤلفان أن الأفكار الثلاث جميعها ترفض الآخر وتنكره، لا تترك له أى مساحة للحركة فى الحياة السياسية، بالإضافة بالطبع إلى قبح ازدواجية المجتمع الدولى وكيله بمكيالين.

بمنهج علمى منظم يبدأ الكتاب فى البحث عن جذور العنف لإيجاد تشخيص سليم منذ صفحاته الأولى بعد مقدمتين على طريقة البانوراما للمؤلفين ولمترجم الكتاب “محمد عبد الفتاح السباعى” مراسل صحيفة «لجورنال دى مانش» الفرنسية فى القاهرة الصحفى بمؤسسة أخبار اليوم لخصتا الوضع الحالى تاريخيا .. يبدأ بعدها الكاتبان الفرنسيان فى استقصاء جذور العنف فى منطقة الشرق الأوسط منذ بواكير القرن العشرين الأولى حتى «الربيع العربي».

 

كتاب المرحلة الذى يجب أن يدرسُه علماء الاجتماع خبراء الأمن

 

تقول مقدمة الكتاب المقسِم إلى خمسة فصول، ان الثلاث ايديولوجيات المسببة للعنف فى المنطقة “الصهيونية”، “تيارات الإسلام السياسي” القومية العربية ) هى النقطة التى تعارضها أغلب الأراء النقدية العربية بالطبع بالنسبة لايديولوجية القومية ) كما أن ازدواجية المجتمع الدولى وكيله بمكيالين، خصوصا الولايات المتحدة الأمريكية التى خرقت كل المواثيق والقوانين والأعراف الدولية، حين غزت بجحافلها العراق عام ٢٠٠٣، مبررة جريمتها بأكذوبة كبرى روجت لها تحت مسمى امتلاك بغداد أسلحة دمار شامل. يضاف إلى ذلك انحياز واشنطن الأعمى لإسرائيل، بما لا يجعلها راعيا فيما يسمى عملية السلام، بل شريكا رسميا فى جرائم الاحتلال وتوسعه الاستيطانى.

%d8%b4%d8%a7%d9%86%d9%8a%d9%88%d9%84%d9%88

المؤلف شانيولو

 

يحكى الكتاب أن منطقة الشرق الأوسط لم تعرف مفهوم الحدود إلا من خلال العثمانيين الذين مارسوا وصايتهم على مناطق الشام من خلال شبكة إدارية سمِيت بالولايات. وسرعان ما تم تفعيل المفهوم وترسيخه بواسطة الإنجليز والفرنسيين الذين أرادوا خدمة مصالحهم فى المنطقة. ربح بعض لاعبى المنطقة من ترسيم الحدود كالصهاينة وأنصار لبنان الكبير، فيما كان على بعضهم الآخر التنازل عن حلم السيادة مثل (الأكراد) عن طموحاتهم الإقليمية، مثل ( مناصرى سوريا الكبرى) أو مؤيدى حلم (العالم العربى الموحد) .

السياسة الصهيونية  و«القتل السياسي»

يرصد الكتاب البدايات الأولية للعنف الاستعمارى، مستعرضا شواهد تبرير مراجعة الحدود بتوسعة المجال الحيوى، مؤكدا أن النزاعات الحدودية ما زالت قائمة هنا وهناك بسبب عدم دقة العلامات الفاصلة، لكنها نزاعات ذات حدة خافتة رغم التوترات الحالية بين قطر والسعودية مثلا . فالغريزة الإقليمية لدى الإنجليز والفرنسيين كانت قوية جدا فى تلك اللحظة من تاريخ الشرق الأوسط عندما كانت مؤامرة سايكس بيكتدبر فى الغرف المغلقة.. ما كان مجرد رسم إقليمى أثناء القتال، أصبح حقيقة بعدما وضعت الحرب أوزارها. هكذا، فإن تطبيق سايكس بيكو لتى شابها الكذب والخداع، لم يتم كما كان متفقا عليه بالضبط. تغيرت موازين القوى على الأرض دون أن نشهد صراعا مفتوحا بين الفرنسيين والإنجليز. فقد تحملت باريس قانون الأرض الذى فرضته لندن. ويتناول الكتاب قيام دولة الكيان الصهوينى والعنف المنظم الذى مارسته ضد الفلسطينيين، ثم الحروب التى خاضتها الدول العربية ضد إسرائيل، واصفا السياسة الإسرائيلية فى المنطقة مستخدما مصطلح «القتل السياسي» الذى كان ولا يزال يهدف إلى إبادة الشعب الفلسطينى بطريقة ممنهجة ومستمرة.

 

أحلام روسيا الاستعمارية

 

المترجم محمد عبد الفتاح السباعي

المترجم محمد عبد الفتاح السباعي

 

يقول المترجم “محمد السباعي” فى مقدمته للكتاب ان معطيات التاريخ تؤكد أن خلف الهدف الروسى المعلن بمحاربة داعش حلم توسعى قديم لطالما جذب روسيا نحو المياه الدافئة فى البحر الأبيض المتوسط.. ففى عام 1772 قامت الإمبراطورة كاترين الثانية بإرسال سفينة حربية تجاه شواطئ بيروت محملة بمدافع حربية بغية مساعدة عائلات متمردة على الحكم العثمانى قامت السفينة التى كان يقودها الكونت أورلوف بقصف مدن سورية.. انتهت تلك المغامرة قى عام 1774 باتفاق مع الأتراك يتم بموجبه سحب قوات البحرية التركية من سواحل شبه جزيرة القرم حيث كانت هناك حرب ضروس بين الروس الأتراك للسيطرة عليها فى المقابل عادت السفينة الحربية الروسية من حيث أتت.. يؤكد “السباعى” أن الاحداث حاليا موازية لما حدث فى الماضى.. فبعد استيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم فى مارس 2014.. هاهى تمد رأس جسر بحرى جوى فى سوريا.. حيث من الواضح من عتادها العسكرى فى اللاذقية طوطوس أنها جاءت لتبقى .

التطهير العرقى والتمييز الطائفى وصراعات الأرض

يقول المؤلفان فى مقدمة الكتاب انه لقرن من الزمان يثير الموقع الجغرافى والثروات الطبيعية اضطرابات فى هذه المنطقة بعد تفكك الامبراطورية العثمانية الذى لم يكن بالشيء السهل لرعايا محرومين من المواطنة وصالسيادة.. حيث تم على أنقاض الإمبراطورية المنحلة فرض بناء الدول ترسيم الحدود بالقوة ما زال يثير النزاعات الجيوسياسية حتى يومنا الحالى فى العراق وفلسطين ولبنان والمناطق الكردية حيث يتم استدعاء قوة الجيوش كوسيلة أسهل من الحوار المبادرات الدبلوماسية.. بعد رفع الوصاية الأوروبية فى سياق من الاحباط الإقليمى على الصعيدين السياسى الاجتماعى.. حيث تبنت معظم السلطات أيديولوجيات حصرية بعيدة عن الآخر.. فى مجتمعات التفاصيل الصغيرة بالشرق الأوسط فان ذلك الآخر غالبا ما يكون منتميا لأقلية عرقية أدينية حيث يتم التعامل مع ملف التعددية بأكثر الطرق وحشية.. إذ يصل الأمر إلى حد إنكار الهوية التطهير العرقى .

%d8%ba%d9%84%d8%a7%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%a8%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b1%d9%86%d8%b3%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b5%d9%84%d9%8a%d8%a9

ويعرض الفصل الرابع من الكتاب مظاهر التطهير العرقى والتمييز الطائفى والدينى فى الشرق الأوسط، ومظاهر الاضطهاد السلطوى التمييزى الذى وصل إلى حدود التطهير العرقى والإبادة الجماعية كما فى حالة المذابح الجماعية للأرمن، سواء فى المجزرة الأولى حين أبادت الامبراطورية العثمانية حوالى مليون أرمنى بعد التخطيط بمعرفة حكومة تركيا الفتاة ما بين ١٨٩٤ و١٨٩٦. وكان ذلك بأوامر مباشرة من السلطان عبد الحميد الثانى، لما لاقاه الدروز والعلويون، والشيعة والمسيحيون من اضطهاد فى مناطق تقع على الأطراف.. مناطق جبلية فى سوريا ولبنان «الدروز والمسيحيون»، مناطق ترع ومستنقعات فى البصرة «شيعة العراق». ويصل المؤلفان إلى أن هذه الانقسامات ليست دينية بقدر ما هى متوقفة على العلاقة مع السلطة والمكانة الاجتماعية. حتى عندما حاول الإمام موسى الصدر عام ١٩٧٠ إيجاد ظروف معيشية أفضل تعيد الكرامة للمواطنين الشيعة فى لبنان، فإنه أطلق على الجمعية التى أنشأها لهذا الغرض «حركة المحرومين». وهو إن دل على شيء، فعلى موقف الشيعة فى لبنان كما فى أماكن أخرى.

خطورة التخلى عن السياسة

يخلص الكتاب طوال صفحاته للتحذير من خطورة التخلى عن السياسة ويراها من المسببات الحقيقية للعنف ويرى فى وضع الشرق الأوسط الحالى أن عنف الدول عبر الحدود يمكن أن يظهر فى صورة شرعية بمجرد أن يتم تأسيسه على معيار قانونى دولى ويفترض فيها أنه لن يسمح بالعودة لوضع إقليمى كان قائما بشكل ينظر إليه على أنه شرعى لذا فإن أقل استخدام للقوة فى الشرق الأوسط يمثل مشكلة أكثر من الصفة الشرعية لمصدرها.

2102572111466422116

هدف الكتاب

الكتاب يستحق دراسة واسعة لمناقشته خاصة فيما يتعلق بتوصيف اختيار الأيديولوجيات الثلاث المسببة للعنف ولماذا جاءت القومية العربية وسط اختيارات الكاتب مع مسببات كالصهيونية والتيارات السياسية المتطرفة المتاجرة بالأديان.. وينصح بالنظر إليه ومراجعته بعين الاعتبار من صانعى القرار فى مصر والمنطقة العربية.. قال الكاتب فى مقدمته للكتاب إنه يحاول من خلال هذا العمل فك طلاسم آليات العنف المزدهر على الإنكار السياسى من أجل المساهمة فى تحويل الشرق الأوسط نحو عصر من السلام والاستقرار.. وينطلق تحليل الكاتبين لتحقيق ذلك من خمسة أبعاد يؤكدان أنها تعد توضيحات مختلفة لموضوع واحد.

أوليات بمعناها المتسلسل فى إطار الزمن والعنف الإقليمى فى معالجات الفصل الأول وهى الأشياء التى أدت إلى عدم الاستقرار فى الشرق الأوسط وغذت الكثير من الراديكالية فى الفكر السياسى.. وفى الفصل الثانى تم تخصيص المناقشة حول العنف الأيديولوجى بقوة موجهة للإقصاء.. ويتحدث الفصل الثالث عن التصاق العنف الأيديولوجى بمسميات لم تؤسس له مثل التصاق عنف تيارات الإسلام السياسى بالإسلام.. ويعرض الفصل الرابع عملية التعريف بهوية الأنظمة المستبدة التى يقول الكتاب إنها ثمرة وغالبا فاعلة فى العنف ومحتكرة للأيديولوجيات العنيفة من أجل تحليل آليات تشغيل وعناصر بقاء تلك الأنظمة التى تمارس جميعا الإنكار السياسى.

يستحق ناشر الكتاب «روافد» ومترجمه محمد عبد الفتاح السباعى التحية على حسن اختيار الكتاب المهم.. ويستحق الكتاب الذى قد لا نتفق معه فى جميع أفكاره مراجعة دقيقة تحليلية تساعد كل الأطراف الفاعلة فى منطقة الشرق الأوسط على فتح آفاق جديدة للعمل السياسى المنظم والقادر على حماية المنطقة من خطر العنف.. العنف الذى نستطيع أن نتأكد تماما طوال 280 صفحة من الكتاب أنه الخطر الأكبر على حياتنا فى العالم الآن.

 

syria-2015-photos