105 أعوام على الميلاد رمسيس ويصا واصف المعمارى الراهب فى قباب الشمس   منذ تخرجت فى كوكب الفنون الجميلة وأكملت دراساتى العليا بها وأنا أبحث عن سؤال ماذا حدث؟ هل

%d8%b1%d9%85%d8%b3%d9%8a%d8%b3-%d9%88%d9%8a%d8%b5%d8%a7

105 أعوام على الميلاد

رمسيس ويصا واصف المعمارى الراهب فى قباب الشمس

 

منذ تخرجت فى كوكب الفنون الجميلة وأكملت دراساتى العليا بها وأنا أبحث عن سؤال ماذا حدث؟ هل فقدت الأمكنة عبق أزمنة مصر البهية، كيف أصبحت عمارة مصر كما نبصر؟ ولماذا تراجع دور الفنون شيئا فشيئا وتوارى خلف الحجب هذا البلد الكبير يصغر ويكبر القبح عاما بعد عام؟ لعل اليوم ونحن فى حضرة المعمارى الراهب فى محراب الأقبية رمسيس ويصا واصف أحد الرواد المبدعين الذين ملئوا زوايا مصر جمالا وفنا وأحدثوا تطويرا فى منظومة البناء ووضعوا أسس البنيان للعمارة المصرية الشعبية فى العصر الحديث حين نتأمل أعماله سترى مفردات التجريد بخصوصية محلية ونلحظ المساحات تنقلك بسلاسة من حيز إلى حيز. فى رحابة وود ستدور فى زوايا حميمية من طمى النيل الذى ألقى اليه بعصا موسى فنجا بالعمارة من التغريب، حين تدخل الى قدسك لتبوح بالسر هو الذى نسج من خيوط الشمس المذهبة أيقونة الريف المصرى بكل عناصره من وحدات نباتية وحيوانية بمجموعات لونية حيوية وطازجة فصعد ليدق أجراس العيد فى كنيسة السيدة العذراء ويتلمس فى حناياها المحبة وينشد أنشودة المسيح عليه السلام ”على الأرض السلام وبالناس المسرة“ ليبشر بعمارة الأرض للإنسان ويؤكد عبر مسيرة بالغة الثراء اذا أردت البناء فعليك بناء الإنسان أولا قبل كل شيء.

أقم منظومة من خلايا بشرية تضع حضارة ممتدة لا تبنى حجرا فيصم عنك ناحتوه هذا درس علمنا إياه حسن فتحى ورمسيس ويصا واصف الذى تميز أسلوبه الفنى بالمزج بين الطراز القبطى المصرى والنوبى القديم ليمزجه عبر عناصر التكوين عبر الخط والزاوية والقبة والطاقات والفجوات والأقبية والردهات، لتدخل من الواجهات فى رهبة وقداسة الكتلة الى الحيز الداخلي، يتسلل اليك خيط الشمس كمصدر إضاءة طبيعى عبر فتحات مدروسة بدقة ليتنفس المبنى ويرشدك لرحلتك الآثرة ويمنحك السكن والألفة ويبعث فيك طاقة من السكينة والامتنان.

طاف رمسيس ويصا واصف فى عالم الحداثة دون تغريب حيث تلقى تعليمه فى عاصمة النور باريس وعاد مع رفيق مشواره صاحب الطريقة حسن فتحى فأسسا قسم العمارة بمدرسة الفنون الجميلة آنذاك ودرس رمسيس مادة تاريخ العمارة، فوضعا اللبنة الأولى لمدرسة المصرية الشعبية،فلكل منهما نكهته الخاصة التى تفوح بعبير زهرات اللوتس على وجه الأبدية وكأنهما فرعان للنيل نبعا من وادى الملوك بالبر الغربى ينحتان على ضفاف النهر مسلات العصر الحديث ليفكوا شفرات المصرى القديم بلغة التصميم وعبر الدوائر والفتحات والمداخل فى صمت يملئوا الأرض غناء وبهاء.

وقبل أيام مرت الذكرى105 على ميلاد رمسيس ويصا واصف، الذى ولد المعمارى فى 2من نوفمبر 1911

لعل مرور تلك السنوات يفتح أسئلة ما زالت عصية على الإجابة كيف كنا وكيف أصبحنا؟ فالحديث عن عمارة مصر حديث ذو شجون ولنتجاوزه قليلا إن استطعنا لنغسل أعيننا بعمارة كانت تشف الروح وتأسر الوجدان .

والده هو السياسى الكبير والنائب الوفدى المخضرم ويصا واصف والذى كان محبا للفنون، فى عام 1930 درس فى مدرسة الليسيه الفرنسية ، ثم سافر الى باريس وحصل على دبلوم الفنون الجميلة بباريس ودبلوم الدولة الفرنسية فى الهندسة المعمارية عام  1935

مما أثر فى منجزه الفكرى والفنى وظهر ذلك فى تأثير بالمدرسة التجريدية لكن ريادته أكسبته أسلوبا فنيا خاصا تجلى فى أعماله المعمارية والفنية.

فسافر فى رحلات صيفية الى أوروبا عام 1937 حتى 1958 لزيارة المتاحف الفنية للوقوف على منجزات الحداثة ونظريات العمارة فى كل من إيطاليا وبلجيكا وفرنسا واسبانيا وشمال افريقيا وسويسرا.

بعد عودته من فرنسا، شيد منزله فى منطقة العجوزة بالقاهرة، (كان مقرا لمؤسسة دوم والمركز الثقافى التركى) وكما اعتاد ويصا على السفر فى فترات متقطعة إلى عدد من الدول الأوروبية خلال تلك الفترة للتعرف على العديد من المدارس الفنية مكتسبا منها خبرة إضافية،وقد ظل ويصا أستاذا فى كلية الفنون حتى منتصف الخمسينات، ساهم خلالها فى بناء عدد من الأبنية العامة والخاصة فى القاهرة مثل كنيسة العذراء، بالزمالك وكنيسة مارى جرجس بميدان هليوبوليس، ومتحف حبيب جورجى، بالإضافة إلى متحف النحات محمود مختار تكريما له بعد وفاته. وهنا قراءة فى جماليات هذه المبانى:

1 – متحف محمود مختار مثال نهضة مصر 1961

بعد أن توفى مختار عام 1934،ونظرا للقيمة الفنية لباعث نهضة مصر المثال محمود مختار، نادى الصحفيون ورواد الحياة الثقافية فى مصر وعلى رأسهم هدى شعراوى بالحفاظ على أعماله الفنية وجمعها لحمايتها من الاندثار والضياع، وكللت هذه الجهود بقيام وزارة المعارف عام‏ 1938‏ بإنشاء متحف لمختار ومقبرته على نفقة الوزارة، وفى نفس العام تم استرجاع بعض اعماله إلى مصر وعرضت بمعرض المثالين الفرنسيين المهاجرين بالجمعية الزراعية وأقيمت بهذه المناسبة ندوات ومحاضرات عن قصة حياته وتناولت عبقريته الفنية بالنقد والتحليل..

حدث أن اندلعت الحرب العالمية الثانية أثناء ذلك، وحال ذلك دون إعادة بقية التماثيل إلا ان جهود هدى شعراوى حققت نجاح عودة التماثيل، كما كان لجهود ‏طه حسين (وزير المعارف فى الفترة من عام‏1950‏ حتى ‏1952‏) أثر كبير لإعادة أعمال محمود مختار إلى مصر.

فى عام ‏1952‏ تم افتتاح متحف مختار فى ملحق خاص بمتحف الفن الحديث ليعرض 59 تمثالا، وقام على تأسيس وإعداد المتحف كل من الفنان راغب عياد زميل محمود مختار وصديقه، وكمال الملاخ الصحفى والأثرى البارز، وقام المهندس رمسيس واصف بتصميم متحف مختار الحديث فى حديقة الحرية بوسط القاهرة ونقلت رفات مختار إلى المقبرة الجديدة بالمتحف.

2- –

مركز الفنون بالحرانية الجيزة « 1952 – 1972»

كان المعمارى رمسيس ويصا واصف على موعد فى عام 1955 مع حدث استثنائى ظل شاهدا على مدرسة الفنية المعمارية والتشكلية والحرفية حيث أسس بيت الفن فى الحرانية عام 1955 وأقام معارض السجاد للحائط من إنتاج هذا البيت فى القاهرة والاسكندرية ومختلف دول أوروبا.

يقع المركز فى الحرانية عند الكيلو 3 طريق سقارة السياحى الجيزة.

يعكس المبنى مجمل تصورات رمسيس ويصا واصف وفلسفته التى تكمن فى مفهوم التكامل ولعل ظلال المدرسة العضوية والبيئة لا يغيب ونحن نحلل سمات أسلوبه الفنى التكامل بين الطبيعة والإنسان، مشتركا فى ذلك مع رفيقه فى الفكر المعمارى حسن فتحى، انعكس ذلك على مبانى المركز التى صنعت بيد أهالى الحرانية من قوالب الطين المجفف المتوافر بكثرة هناك، واعتمد ويصا على معلمين لحرفة البناء من أقاصى صعيد مصر وفرهم له المعمارى حسن فتحى كى يعلموا أهل الحرانية كيف يبنون بيوتهم وورشهم وجعل أهالى الحرانية يبنون قبابا وأقبية من قوالب الطين المجفف باستخدام الأساليب القديمة بعيدا عن الأساليب الحديثة التى لا تحترم البيئة وتوظف الآلة على حساب الإنسان، كما أعطى الفرصة لحديثى الزواج من المساعدين فى أن يمتلكوا الأرض المجاورة للمركز ويصمموا عليها بيوتهم الخاصة ويبنوها بأيديهم فحقق بذلك ارتباطا قويا بين الإنسان وبين عمله وبيئته , هذا الذى يفتقده أهل الحضر فى المدينة الحديثة.

خلال فترة وجيزة انتقلت اعمال رمسيس ويصا واصف إلى شهرتها المحلية والعالمية، إذ اكتسب مركزه فى الحرانية شهرة واسعة فى حياكة السجاد بالطريقة اليدوية، وقد حاز على جائزة الحكومة المصرية للتشجيع سنة 1960

حصد رمسيس العديد من الجوائز على أعماله المعمارية، أولها كان 1954، حيث حصل على ميدالية خاصة من إيطاليا عن رسوماته فى كنيسة مارجرجس بمصر الجديدة، وآخر جائزة استلمتها أسرته بعد وفاته عام 1983، عن متحف حبيب جورجى بالحرانية، كما أنه عرض العديد من أعمال النسيج التى انتجتها أيادى الحرانية فى العديد من المعارض فى مصر والعالم ومنها: جائزة فى معرض سويسرا سنة 1957وجائزة آغا خان للعمارة فى الدورة الثانية (1981-1983) “هى جائزة معمارية رفيعة أنشأها آغا خان الرابع فى عام 1977، وهى تهدف إلى تحديد ومكافأة المفاهيم المعمارية التى تلبى احتياجات وتطلعات المجتمعات الإسلامية فى مجالات التصميم المعاصر والإسكان الاجتماعى وتنمية المجتمع وتحسين وترميم وإعادة الاستخدام والمناطق التى تحتاج للحفظ، وبالإضافة لمركز الحرانية الذى يشمل على ورش العمل وحيزات العرض للفخار والخزف ومتحف النحت والمنازل والمبانى الزراعية، نجح ويصا فى تأسيس قرية مكتملة تعتمد على الانتاج وتمثل نمطا للعيش المعاصر بروح شعبية.

3 – كنيسة العذراء الزمالك- المرعشلى- القاهرة 1959

صمم الراحل مبنى كنيسة العذراء بالزمالك (المرعشلى) تميز موقع الكنيسة بتقاطع طرق فى حى الزمالك فجاء التصميم مبتكرا مما أكسبه تمايزا فى عمارة الكنائس السائدة ونفذ نوافذها الزجاجية الملونة.،لتكن النوافذ أيقونة البناء فينال عنها جائزة الدولة التشجيعية فى فن التصوير عن هذه النوافذ 1960.

حيث اهتم المعمارى بالحرف التقليدية من صناعة الجبس والزجاج المعشق والنسيج والخزف تميز بالقدرة على تجسيد التفاصيل واختيار عناصر ومحددات الحيزات ومن ثمة الأعمال الفنية من أبواب ونوافذ فمن رفع القباب الى فتحات الآبواب يمضى التصميم بمراحل الرسم الهندسى الى التنفيذ فى ايقاع منسجم وفريد.

4 – بيت حبيب جورجى الحرانية الجيزة 1972

لعل طاقة الحب هى التى بعث فى زوايا مركز الفنون بالحرانية كل هذا العطاء والإبداع تعود الى السيدة “صوفى حبيب” رفيقة المعماري”رمسيس ويصا”وابنة الفنان والأستاذ” حبيب جورجي” الفنان العربى حبيب جورجى وهو رائد من رواد التنوير أول من خاض تجربة “الفن التلقائى عند الاطفال المصريين”.

وكان قد أعلن نتائج تجربته عام 1952 فكان لها دور عالمى فى أوساط المهتمين بالتربية الفنية مما كان له أثر فى تجربة رمسيس ويصا واصف فى مشروعه مهتما ومستفيدا بنتائج تجربة أستاذه فى مسألة اختيار خامة التشكيل التى نقدمها للطفل من المنظور النظرى بينما استمر رمسيس ويصا فى الممارسة العملية فأطلق عليه أيوب الحرانية لمثابرته ومن المعروف أن الفنان والمفكر حبيب جورجى (1892 – 1965) أمضى زمنا يشجع الفن التلقائى عند الأطفال، ويعد من رواد الحركة الفنية التشكيلية المصرية والعربية، وهو أحد أهم الرموز التى وضعت اللبنة الأولى لمنهجية التربية الفنية من خلال تجربته الذاتية مع الأطفال التى غيرت فكرة ومفهوم تدريس مادة الرسم فى التعليم الأساسي، حيث أسس عددا من الجماعات الفنية منها جماعة الرسم بالألوان المائية وجماعة الدعاية الفنية، وساهمت هذه الجماعات بشكل كبير فى نشر وتقديم الفن التشكيلى فى مصر ورعاية مبدعيه، خاصة فى فترة منتصف القرن العشرين».

فى عام 1972، بنى البيت بهدف السكن، وإقامة متحف لفن الخزف ويعد المبنى تعبيرا عن قيم عمارة الأقبية وبلاغة التجاويف واستخدام الحيزات الداخلية للعرض المتحفى البسيط الذى يجسد قيم العمارة الشعبية والفن التلقائى الفطرى .

وفى عام 2005 ارتفعت المياه الجوفية مما تداعى له الجدار ولم تجد ترميمها فأعيد بنائها بالكامل.

5 – بيت آدم حنين  الحرانية الجيزة عام 1968

آدم حنين فنان مصرى بعد تخرجه فى العام 1953، من كلية الفنون الجميلة سافر إلى صعيد مصر وقضى أشهرا عديدةً فى “مرسم الأقصر” الذى أسسه عام 1941 الرسام الإسكندرانى والدبلوماسى محمد ناجى (1888 – 1956) لتشجيع دراسة الفن المصرى القديم. نال حنين سنة 1957 منحة دراسية لمدة سنتين من أجل متابعة تحصيله فى أكاديمية الفنون الجميلة فى ميونخ. وهناك التقى خلال أحد معارضه سنة 1960 بعالمة الانثروبولوجيا عفاف الديب التى أصبحت رفيقة مسيرته، وعملت كناقدة ومديرة لأعماله فى بداية مسيرته الفنية.

وانتقل حنين سنة 1971 مع زوجته إلى باريس حيث أقاما خمسة وعشرين عاما.

وكان حنين أصبح فنانا معروفا على المستوى الدولي، صمم المعمارى رمسيس ويصا منزل حنين فى قرية الحرانية نهاية الستينات.

ليكن سكنا للفنان وعائلتة واستوديو لممارسة فنه فصمم وفقا لسمات المدرسة الشعبية فى البناء ووضعت خطة التصميم وشرع فى التنفيذ واتسع الموقع لبناء استوديو الفنان فى مبنى منفصل.

وينقسم المنزل الى طابقين فى الطابق الأرضي: تفضى بك الى غرفة المعيشة و تضم غرفة الطعام ومطبخا.

أما فى الطابق الأول : يحتوى على غرفتى نوم وحمام واختيرت مواد البناء من من الطوب اللبن لضمان تخفيض درجات الحرارة داخل المنزل، وشيدت القباب والأقبية من الطوب الأحمر والأسمنت الهاون. وأحيط المبنى بحديقة.

6 – متحف رمسيس الحرانية الجيزة 1983

فى عام 1994 رحل المعمارى الفذ رمسيس ويصا واصف عن عمر ناهز63 عاما، وذلك على اثر ذبحة صدرية مفاجأة، وخلدت أسرته مسيرته الفنية الثرية عبر متحف صغير ضمن أكبر مجمع الفنون ومركز للمعرض من الغزل والنسيج والحرف..

ويضم المتحف الأعمال الفنية وقد تم افتتاحه فى نهاية الثمانينات بجانب مركز الحرانية للفنون، حيث ساهم المتحف على إبقاء اسمه وفكره بين أهالى القرية، ولتبقى مدرسته الفنية نموذجا فريدا لمتذوقى الفن المعمارى المتجذر عبر مفردات التكوين حيث استطاع عبر تلك المسيرة اثراء المكتبة العربية بكتب ومؤلفات عن فنون العمارة والأسس النظرية والعملية لها، بالإضافة إلى الطرق العملية فى فنون الزخرفة على الحجر والزجاج والمنحوتات الخزفية.

وضع بحوث عملية ونظرية فى فن العمارة ونوافذ الزجاج المعشق والصباغة والخزف.

ستظل مركز الفنون أيقونة البقاء يطل علينا ليمنحنا متعة الاصغاء للطبيعية فى بقعة من روح مصر تصل الحاضر بالماضى وترسل عبر التكوين فن النسيج وتنشر عن القباب ظلال الفن والابداع فى تجرد وتفرد.