الأجواء فى أوروبا من منتصف الثلاثينات حتى نشوب الحرب العالمية الثانية كانت تتنبأ بمخاطر كبيرة على البشرية وكان لها تأثير خطير على الفن بجميع أنواعه.

جماعة الفن والحرية
د. محمد أبو الغار

د. محمد أبو الغار

 

 

 

 

 

الأجواء فى أوروبا من منتصف الثلاثينات حتى نشوب الحرب العالمية الثانية كانت تتنبأ بمخاطر كبيرة على البشرية وكان لها تأثير خطير على الفن بجميع أنواعه. عندما اعتلى هتلر قمة السلطة فى ألمانيا قال إن النازية تعبر عن القوة والمستقبل، والفن لا بد أن يظهر الإنسان الألمانى قويا مبتسما ينظر إلى الأمام بثقة واعتبر أن الفن الذى يعبر عن الإنسان العادى وآلامه وأفكاره وكذلك كل أنواع الفنون الحديثة التى خرجت عن المألوف والتقليدى هى فنون متآكلة ومنقرضة وسارعت متاحف ألمانيا برفع هذه اللوحات ووضعتها فى المخازن وعرضت لوحات عن الطفل المبتسم الذى يشرب اللبن ليصبح شابا ألمانيا قويا. وقد شاهدت فى نيويورك منذ عامين معرضا كبيرا للفنون التى رفضها هتلر وكانت تسمى «degenerative art» أى الفن المتآكل أو المنقرض.

تأثرت مصر بما يحدث فى أوروبا وكان تأثير الفاشية الإيطالية وصعود موسولينى كبيرا لأن مصر كان بها جالية إيطالية كبيرة ولها تأثير ضخم. فى كل هذه الظروف ومصر تحت الاحتلال البريطاني، والغالبية العظمى من المصريين كانوا فقراء والأمية كانت نسبتها مرتفعة، فى هذه الأوقات ظهرت مجموعة رائدة معظمها من شباب الفنانين أرادت أن تخرج عن الفن التقليدى وتحطم القيود وتكتشف وتبتكر شيئا جديدا وما كانوا يبتكرونه هو بالضبط ما اعتبره هتلر الفن المنقرض أو المتآكل. هذه المجموعة كانت تشعر بآلام الشعب المصرى وتتعاطف معه وتقريبا كانت كلها رائدة فى الأفكار اليسارية المختلفة.

كان قائد المجموعة جورج حنين الشاعر والكاتب والرسام وكان يكتب أغلب أشعاره بالفرنسية، وقد طرد من مصر ومنع من الدخول إليها عام 1962 بسبب أفكاره اليسارية التى كانت تخالف رأسمالية الدولة الملفوفة بغطاء من الاشتراكية. وكان جورج حنين صحفيا متميزا فى مصر فى عدة صحف تكتب بالفرنسية وفى الفترة التى عاشها فى فرنسا كان يعمل صحفيا. وقد تزوج جورج حنين بالسيدة بولا العلايلى وهى حفيدة أمير الشعراء أحمد شوقى بك.

و كان معه رمسيس يونان وكامل التلمسانى الذى تحول من الرسم إلى السينما وفؤاد كامل الذى بدأ بالسريالية ثم تحول إلى الرسم المطلق «abstract» ثم الأجيال الصغيرة فى ذلك الوقت، عبد الهادى الجزار وحامد ندا وسمير رافع ومجموعة كبيرة كان رائدهم المفكر حسين أمين مدرس الرسم بالمدارس الثانوية وكان له أثر ضخم عليهم. من ضمنهم إبراهيم مسعودة والروائى العظيم ألبير قصرى الذى هاجر إلى فرنسا فى نهاية الحرب العالمية وعاش فى حجرة صغيرة فى فندق حتى مات منذ بضع سنوات وكتب روايات رائعة عن مصر ترجمت معظمها للعربية.

كانت هناك مجموعة من المتمصرين الذين يحملون جنسيات يونانية بالإضافة إلى المصرية وجنسيات أوروبية أخرى.

استطاعت هذه المجموعة أن تخلق تيارا فنيا واسعا صاحب الحركة السياسية فى ذلك الوقت. واستطاع هذا التيار الذى جمع بين الفن والحرية وهو اسم جمعيتهم وبين رسالة سياسية تنادى بالعدل والمساواة. وكانت مصر تعرف أهمية جماعة الفن والحرية حين ترى أن الملك فاروق قام بافتتاج معرضهم الأول فى عام 1939. هل تتخيل رئيسا مصريا منذ عام 1952 يفتتح معرضا فنيا لجماعة تعتبر مارقة!

جماعة الفن والحرية لم تكن مصرية فقط، بل كانت عالمية، حين رأت بعد صعود هتلر أن لوحات رينوار تدمر فى فيينا وكتب فرويد تحترق. وتمت مصادرة عباقرة الرسم الألمانى ووضعت فى المخازن ليحل محلها لوحات عن الإنسان الآرى القوى العظيم.

عندما قرر هتلر وتبعه موسولينى أن عباقرة الفن بدءا من سيزان أب التأثيريين ونهاية ببيكاسو هى أعمال متآكلة ومندثرة «degenerative art» وتم وضعها فى المخازن لأنها تعبر عن المشاعر الإنسانية بحلوها ومرها، قالت جماعة الفن والحرية كلمتها بأنه من الخبل اختصار الفن فى الدعوة إلى الوطنية المتطرفة أو الدين أو التطرف فى أى اتجاه وقالوا أن الفاشيين يريدون حبس الأفكار التى يجب أن تشارك فيها الإنسانية كلها.

جماعة الفن والحرية

جماعة الفن والحرية

عندما يحبسون الصحفيين والأدباء والمفكرين فى عصرنا الحالى وعندما يطالب نائب فى مجلس الشعب بمحاكمة نجيب محفوظ «لأنه قليل الأدب وجاب سيرة الجنس» فنحن وصلنا فعلا للحضيض. وقررت جماعة الفن والحرية بإصدار بيانها المهم فى 22 ديسمبر 1939 والذى انتشر فى العالم كله ولأنه بيان شجاع وفريد من نوعه وكان عنوان البيان «عاش الفن المتآكل والمنقرض» «Long live degenerative art» وقال البيان ان العنف والعداء المنتشرين فى المجتمع ضد الفن والأدب الجديد والهجوم على الفنون بصفة عامة وكانت تعتبر نفسها حامى الفضيلة فى المجتمع وما لا يعجبها يجب أن يندثر ويتآكل، ويكون من الخبل اختصار الفن فى الدعوة إلى التطرف.

هذا إعلان: أيها المواطنون المدافعون عن الأدب والفن، وسوف نتحدى ما يقوله هتلر وعندنا أمل فى المستقبل وسوف نقف نؤيد الفن المتآكل ولن يقتصر الفن على أفكار القرون الوسطى. وصدر البيان فى «22-12-1938».

وقد وقعه: ابراهيم وسيلي، أحمد فهمي، إدوارد بولارك، ألبير قصري، كامل التلمساني، إيميل سيمون، أنور كامل، جورج حنين، حسن صبحي، زكريا العزوني، سامى رياض، محمد نور، وآخرون من الأجانب المتمصرين.

أقيم هذا العام معرضان مهمان جدا، الأول استمر فى القاهرة لمدة شهر وكان برعاية وزارة الثقافة التى سمحت باستخدام قصر الفنون للعرض وسمحت بعرض لوحات الفنانين من متحف الفن الحديث بالقاهرة وكذلك متحف محمود سعيد والفنون الجميلة بالاسكندرية بالتعاون مع ابنة حاكم الشارقة الشيخ القاسمي. وكانت مشاركتهم مهمة لأنها سياسيا سهلت موافقة وزارة الثقافة ومساهمتهم المادية والفنية سهلت استلام اللوحات وعرضها وتوثيقها وتأمينها بطريقة جيدة وفى ظروف صعبة لضيق الوقت وقد ساهم فى العرض كبار المقتنين المصريين مثل نجيب ساويرس وياسر هاشم ونديم إلياس وغيرهم وظهرت لوحات من مخازن المتحف ليراها الجمهور للمرة الأولى.

من الناحية الفنية كان المعرض ناجحا لأنه عرض مجموعة كبيرة، صحيح أن بعضها لم يلتزم بالمرحلة السريالية ولا بالتيمة المحددة. لكن من الصعب أن يرى الجمهور كل هذه الأعمال الموجودة فى المنازل ومن المستحيل أن يرى ما هو فى المخازن لأن المتحف بحالته الراهنة وفى ظل مشاكل الإضاءة لا يعطى الفرصة لتبديل اللوحات كل فترة كما هو معمول به فى العالم.

الإضاءة كانت معقولة والكروت كانت مكتوبة بطريقة جيدة وواضحة. وقد أضاف المعرض ايضا بعض الفوتوغرافيا القديمة وبعض البروشورات القديمة عن معارض أقيمت فى الأربعينات والخمسينات.

ومن العيوب الواضحة عدم وجود كتالوج كامل يباع وبروشور صغير يهدى إلى الحضور وكذلك قصر مدة العرض. شهر واحد لكل هذا المجهود لا يكفى على الإطلاق. بالإضافة إلى مشكلة متاحف مصر المزمنة فى الإغلاق من 2 – 5 ظهرا ويوم الإجازة هو يوم الجمعة وهو اليوم الطبيعى لزيارة المتاحف.

لوحة لكامل التلمساني

لوحة لكامل التلمساني

أما المعرض الآخر فقد أقيم فى متحف بومبيدو فى إحدى قاعات العرض، وحيث إن هذا عرض عالمى فكان العرض والتنظيم والإضاءة تتفق مع المعايير العالمية. ضم المعرض لوحات مهمة للسرياليين المصريين منها لوحتا الجزار المجنون الأخضر المملوكة لنجيب ساويرس وفرح زليخة لياسر هاشم وهناك لوحات رائعة لرمسيس يونان وجورج حنين وكامل التلمسانى وفؤاد كامل وهناك بورتريه للروائى المصرى الفرنسى البير قصيرى الذى توفى فى باريس منذ سنوات قليلة وكذلك عدة أعمال لإنجى أفلاطون وإبراهيم مسعودة.

تميز المعرض بوجود لوحات نادرة لفنانين مصريين من أصل يونانى مثل بابا جورج ومثل أنطوان مالياراكيس الفنان البورسعيدى واسم الدلع هو ميمو.

تميز العرض بوجود كمية كبيرة من الأفيشات والكتالوجات والمطويات عن المعارض القديمة وكذلك كتابات فى الصحف والمجلات القديمة عن المعارض، وصور فوتوغرافية لمجموعة فنانى الفن والحرية. ثم كان هناك فيلمان مهمان الأول لافتتاح الملك فؤاد معرض الفن التشكيلى فى عشرينات القرن العشرين ثم افتتاح الملك فاروق معرض الفن السريالى عام 1939. وقد قام المنظم سام بردويل وهو لبنانى أمريكى بتنظيم المعرض وبذل مجهودا كبيرا وأصدر كتالوج كاملا عن المعرض ثم كتابا عن السريالية المصرية وفيه كل اللوحات بالإضافة إلى تاريخ السريالية المصرية.

فى أحد الأركان عرض أفيش كبير جدا عن القمصان الخضر لحزب الوفد وعنوانه للفاشية فى ذلك الوقت وفى الأفيش تظهر صورة النحاس باشا ومكرم عبيد باشا وهنا خطأ تاريخى فالذى بدأ ميليشيات القمصان الرزقاء هو حزب مصر الفتاه بقيادة أحمد حسين والذى تلاه هو جوالة الإخوان المسلمين، التنظيم الفاشى الذى بدأ وما زال مستمرا. أما الوفد فقد قلد هولاء لفترة قصيرة جدا وعندما اعترض الوفديون تقرر إلغاء القمصان الخضر بعد فترة قصيرة. وقد قابلت أثناء جولتى فى المعرض فى باريس سام بردويل وذكرت له هذه الملحوظة بالإضافة إلى أشياء أخرى بسيطة.

تحية كبيرة جدا لهؤلاء الفنانين العظام الذين سبقوا كثيرا من الفنانين والدول بابتكاراتهم الرائعة وشجاعتهم فى مواجهة النازية والفاشية ودفاعهم عن المصريين وحقوقهم. وتحية للمثقفين الكبار من المصريين الذين حافظوا على هذه اللوحات داخل مصر، وتحية لوزارة الثقافة ولابنه الشيخ القاسمى ولسام بردويل على مجهودهم ومتحف بومبيدو وأقول لهم شكرا.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 856 الثلاثاء 13 ديسمبر 2016