بقلم: د. هبة شريف (مترجمة ـ أستاذ الأدب الألماني ـ المدير السابق للمؤسسة السويسرية الثقافية بالقاهرة) فى كتابه عن حركة الترجمة فى مصر فى القرن

الدكتور جابر عصفور
د.هبة شريف

د.هبة شريف

 

 

 

 

 

بقلم: د. هبة شريف

(مترجمة ـ أستاذ الأدب الألماني ـ المدير السابق للمؤسسة السويسرية الثقافية بالقاهرة)

فى كتابه عن حركة الترجمة فى مصر فى القرن التاسع عشر يذكر المؤلف جاك تاجر أن عصر محمد على كان “عصر الترجمة والتعريب” ويرجع ذلك إلى حاجة محمد على الشخصية إلى معرفة الأوروبيين، والاطلاع على مؤلفاتهم العلمية والأدبية، ولأن محمد على كان مهتما ببناء جيش قوى فقد اهتم بإنشاء المدارس الفنية التى يتخرج فيها موظفون وأطباء ومهندسون يحتاجهم فى بناء جيشه. واحتاجت هذه المدارس الى كتب، وكانت تلك الكتب تترجم من اللغة الإيطالية ثم من اللغة الفرنسية بعد ذلك.

فى دراسة عن مؤسسة أنا ليندت عن حركة الترجمة فى مصر تذكر الدراسة أن محمد على قد أمر بترجمة الكتب الدراسية التى تخدم طلبة الحقوق والطب والهندسة فى الأساس أو كتب الإدارة التى تخدم الموظفين.

ومع الوقت، تحول التبادل الثقافى – والترجمة جزء منه – الى جانب أصيل فى السياسات الثقافية للدول يصاحب جهودها الدبلوماسية. وتحولت الثقافة الى “القوة الناعمة” بالتعبير الدارج الذى تستطيع أن تحقق ما لا تستطيعه السياسة أحيانا.

وهكذا أنشأت العديد من الدول فى العالم المتقدم مؤسسات حكومية معنية بالترويج لكتبها والترجمة عن لغاتها الى اللغات الأخرى، وتقوم تلك المؤسسات بدعم الناشرين فى البلاد الأجنبية ليترجموا الى لغاتهم الأصلية عن طريق برامج دعم قوية ذات أهداف واضحة ومعايير شفافة تتفق أو تختلف معها ولكنها تقوم فى النهاية بتنفيذ رؤية وسياسة الدولة الثقافية. بالنظر الى برامج دعم الترجمة فى المؤسسات الثقافية الحكومية للدول النشيطة فى هذا المجال فى مصر مثل ألمانيا وهولندا وسويسرا، نجد أن كلها تعتمد على تقديم الدعم المادى لترجمة الأدب الخاص بها للناشر الأجنبي. وتهتم هذه المؤسسات بالناشر الأجنبى الذى يملك قدرة عالية على توزيع وتسويق الكتاب المترجم فى السوق الخارجية. فما يهم هذه المؤسسات هو وصول المنتج للقارئ الأجنبى وليس عدد العناوين المترجمة التى قد لا تصل فى النهاية الى القارئ.

أما فى مصر، فإننا نجد أن الهدف الأساسى للترجمة هو دعم الترجمة عن اللغات الأجنبية – عادة عن الإنجليزية – الى العربية. هذه هى مثلا المهمة الأساسية للمركز القومى للترجمة ثم مهمة سلسلة الجوائز فى الهيئة العامة للكتاب، فى حين تغيب تماما برامج ترجمة الأدب العربى والكتب العربية الى اللغات الأخرى، تاركين هذه المهمة الى الناشرين الأجانب فى الدول الأخرى، دون حتى تقديم أى دعم مادى أو معنوى لهم.

بالنظر مثلا الى موقع المركز القومى للترجمة، نجد أنه يحدد رؤيته فى الترجمة عن اللغات الأجنبية “لتقليص الهوة بيننا وبين من سبقونا على هذا الطريق” و”لسد النقص فى المكتبة العربية”. ويبدو هذا الهدف كأنه هدف قومى لأنه يركز على “ترجمة قدر لا بأس به من الأصول المعرفية، فضلا عن الأعمال المعاصرة التى تصل إلى القارئ العربى بالثقافة العالمية فى تحولاتها المتسارعة”.

أما الجمهور المستهدف للمركز القومى للترجمة فهو القارئ العربي. أى أن المركز لا يخاطب الجمهور الذى لا يتحدث العربية. ويبدو واضحا أن الحالة المتأزمة فى هذه اللحظة التاريخية التى تتواجد فيها الدولة المصرية، تجعلها فى وضع يفرض عليها تلقى المعارف أكثر مما تصدره، نظرا لتفوق الحضارات الأخرى، خاصة الغربية فى مجال الفنون والعلوم. ويؤكد استخدام اللغة العربية فقط فى موقع المركز القومى للترجمة الالكترونى هذه الفكرة.

لكن اذا كان الهدف فعلا هو تقليل الفجوة المعرفية فلنا أن نتساءل عن سبب هذا التركيز على مجال الانسانيات؟ فبالنظر الى قائمة كتب المركز القومى للترجمة نجد 1442 كتابا من بينها ستون كتابا فقط متخصصة فى العلوم التطبيقية أو الطبيعية أو الرياضة، أى أن حوالى 4.5 % فقط من اجمالى الكتب المترجمة تخص العلوم. وبالتالى نسأل أنفسنا عن الهدف من التركيز على ترجمة الانسانيات واهمال ترجمة العلوم الى هذا الحد. فهل تقليل الفجوة المعرفية ضرورى فى مجال الانسانيات فقط؟ وماذا عن مجال العلوم التطبيقية والبحتة الذى يمثل أساسا مهما من أسس التفوق فى العالم الغربي؟

واعود لأتساءل عن رؤية المركز القومى للترجمة وتحديد أهدافه بخصوص “تقليل الفجوة المعرفية” بيننا وبين العالم المتحضر. فهل هذه الرؤية متوافقة مع سياسة الدولة العامة وتوجهها؟ أم أن هذا اجتهاد شخصى من القائمين على المركز القومى وهيئة مستشاريه؟ كيف نعرف نحن دافعو الضرائب والممولون الأساسيون والوحيدون للمركز القومى للترجمة إذا كانت رؤية المركز متفقة مع رؤية الدولة العامة أم لا، خاصة أن الموقع الالكترونى للمركز لا يذكر شيئا عن ذلك؟ أليس مخاطبة المواطنين، وهم الممولون الأصليون للمؤسسات الحكومية، بشفافية وصراحة، من المعايير الأساسية فى إنفاق المال العام؟

الدكتور أنور مغيث

الدكتور أنور مغيث

و هل الدولة المصرية مكتفية فعلا بنقل التجارب الأجنبية الى اللغة العربية كما كان الحال منذ أيام محمد علي؟ هل هذا يعنى أننا ما زلنا فى نفس موضع متلقى الثقافة وليس منتجيها منذ أكثر من مائتى عام؟ أليس من حقنا كمواطنين دافعين وممولين للهيئات الثقافية الحكومية أن نتساءل عن الأسباب فى وقوفنا محلك سر كل هذه المدة؟

قد تكون الإجابة هى فى الرغبة فى الحفاظ على مكانة مصر فى المحيط الإقليمى فى مجال الترجمة “بالقياس الى غيرها من الدول العربية التى تعلمت من التجربة المصرية” وضرورة الحفاظ على هذه المكانة ودعمها، كما نقرأ على الموقع الالكترونى للمركز. لكن هل تملك الدولة المصرية بمؤسساتها الثقافية المهترئة ومنتجاتها ذات الإخراج الفنى المتواضع المستوى وقدراتها التسويقية المتواضعة وميزانيتها المحدودة القدرة على منافسة مؤسسات كبرى فى الدول العربية تعمل على ترجمة ونشر الثقافة العالمية؟ خاصة أن هذه المؤسسات تستقطب المترجمين من جميع أنحاء العالم العربى لسخاء ما تقدمه من أجور؟

أليس من حقنا كمصريين أن نفهم لماذا لا تحاول الدولة المصرية العمل على ترويج ونشر الأدب والثقافة المصرية خارج القطر المصرى وخارج الإقليم العربي؟ ولماذا هى مكتفية بدورها فى “المحيط العربي” التى أصبحت تتغنى بأمجاد سابقة فى الريادة فيه لم تعد هناك مؤشرات قوية دالة عليها؟

رفاعة الطهطاوي

رفاعة الطهطاوي

فى عام 2004 كان العالم العربى ضيف شرف فى معرض فرانكفورت للكتاب، وفى نفس العام أعلنت الهيئة العامة للكتاب أنها سوف تترجم العديد من العناوين المهمة الى اللغة الألمانية لتكون ضمن الكتب التى سوف تعرض فى المعرض. وكان هذا الهدف من ضمن الأهداف التى ما زالت الهيئة العامة للكتاب تعمل فى اطارها، فعلى موقع الهيئة العامة للكتاب الالكترونى نقرأ أنه من أهداف الهيئة “تصدير الفكر المصرى مترجما” وهو المشروع الذى بدأ عام 2005 والذى “رفع شعار الترجمة من العربية الى اللغات الأخرى”. وطبقا للموقع فإن الترجمة من العربية الى اللغات الأجنبية كانت ضعيفة للغاية مما جعل “الغرب يعترف بعدم ادراكه فهم الفكر العربى بالقدر الكافى نتيجة لعدم نفاذ الفكر العربى فى مضمونه الصحيح الى اهل الغرب الذين يريدون معرفة حقيقة الثقافة العربية من خلال ما نكتبه نحن وليس من خلال ما يكتبه الآخرون عنا”.

وهكذا قررت الهيئة العامة للكتاب على عكس كل المؤسسات الحكومية الأجنبية الأخرى الفاعلة ذات البرامج الناجحة فى مجال الترجمة أن تضطلع هى بمهمة ترجمة الكتب العربية الى الإنجليزية، رغم أن الهيئة العامة للكتاب تعمل وتنشر وتسوق الكتب داخل جمهورية مصر العربية ولا تسوق أى كتب خارجها، فكيف نتوقع أن تعرف الهيئة وتدرك ميول القراء الأجانب ثم كيف نتوقع أن تدرك كيفية تسويق وتوزيع الكتب فى أسواق النشر الأجنبية وهى بالتأكيد أسواق مختلفة فى أدائها وفى آلياتها عن السوق المصرية؟

ولنا أن نتساءل هنا عن مصير الكتب التى تمت ترجمتها فى اطار هذا الهدف، وكيف تم تسويقها، وتوزيعها، وما عدد المرتجع منها؟ وما الأسواق التى استقبلت هذه الكتب؟ وكيف استقبلتها؟ وما مؤشرات الهيئة العامة للكتاب على ان هذا الهدف قد تحقق؟ وكيف لى أن أعرف – أنا دافع الضرائب المصرى الذى تُقتطع من أموالى الميزانية التى تُنفق على ترجمة هذه الكتب من مكافآت مترجمين وطباعة ونشر وموظفين قائمين على البرنامج – التقييم الحقيقى لهذا الهدف؟ أليس من الأفضل هنا أن نعيد التفكير فى مفهوم المركز القومى للترجمة ليصبح هو المؤسسة التى تهتم بنشر ودعم ترجمة الأدب المصرى خارج القطر المصري، بالاستعانة بناشرين أجانب يفهمون آليات عمل أسواق النشر لديهم بشكل أفضل؟ أم أن الدولة المصرية قررت الاكتفاء باستعادة دورها الثقافى “الرائد” فى المحيط الإقليمى العربي، وهذا بالمناسبة ليس عيبا، خاصة أن المحيط الإقليمى ضرورى للسياسة الخارجية المصرية.

فى كتابه عن المنتجات الثقافية الرائجة بعنوان “التيار السائد” يقول الكاتب الفرنسى فريدريك مارتل أن التنافس الثقافى بين الدول ثقافيا ليس بالضرورة تنافسا على السوق العالمية، فهو تنافس يمكن أن يكون تنافسا إقليميا كما فى حالة الصين واليابان، أو الهند والصين، أو البرازيل والمكسيك. أى أن تنافس مصر مع الدول الأخرى فى محيطها الإقليمى جائز وضروري، ولنا فى نجاح الدراما المصرية فى سوق الدراما العربية مثال على ذلك.

ولكن من المهم أن نحدد المنتجات التى نستطيع أن ننافس بها ونضمن بها النجاح والانتشار. قد يكون من المفيد هنا ألا نستهين كثيرا بالصناعات الثقافية الهادفة للربح، خاصة إذا عدنا الى تقرير الهيئة الاستشارية المقدم الى الخارجية الأمريكية عن صورة الولايات المتحدة فى الخارج عام 2005  وسلبياتها. ففى هذا التقرير نجد أن الكثير من النقد يوجه للسياسة الثقافية الحكومية التى لا تخصص ميزانية كبيرة من أجل دعم التبادل الثقافى فى الخارج وتحسين صورة الولايات المتحدة رغم أن أمريكا قوة عظمى.  الا أن التقرير امتدح كثيرا التعبيرات الثقافية الجماهيرية (صناعة السينما والموسيقى والدراما التليفزيونية) التى تجد طريقها الى الدول الأخرى وحدها عبر اتفاقيات التجارة الحرة، أكثر من السياسات الثقافية الحكومية وبرامج التبادل الثقافى الحكومية.

فى مصر نجد أيضا أن الدولة المصرية عاجزة عن تقديم دعم قومى حكومى لتصدير الأدب المصري الى الخارج، بينما تنجح الدراما التليفزيونية المصرية التجارية كثيرا فى الانتشار فى المحيط العربي، ولكنها تنال احتقار واستهزاء المثقفين.

نجحت الولايات المتحدة الأمريكية فى تصدير السينما التجارية الى كل بلاد العالم، واتهمتها كل بلاد العالم أنها تحاول تشكيل وجدان الناس و”أمركة” الثقافات المحلية، فى حين أن الولايات المتحدة لم تسع الى أن تكون لها سياسة ثقافية تتحكم فى “تبادل ثقافى حكومي” تحاول به – مثلها مثل البلاد الأخرى– تعريف العالم بثقافتها، فقد استطاعت ثقافتها تعريف نفسها بنفسها من خلال منتجات هوليوود والمسلسلات الأمريكية وموسيقى الجاز والبوب التى دخلت كل بيت.

فهل كان اعتماد الولايات المتحدة هنا على قوة الدولة أم على قوة قطاع الثقافات الصناعية والتجارية الخاص الذى نجح فى تصدير منتجاته الى الخارج دون سياسة ثقافية حكومية؟ لكن هل صحيح أن حكومة الولايات المتحدة اكتفت بدور المتفرج ولم توفر لهذا القطاع الدعم اللازم والتشجيع بحيث استطاع تحقيق هذا الانتشار العالمي؟ فى نفس الكتاب عن “التيار السائد” يقول فريدريك مارتل ان صناعة السينما الأمريكية اعتمدت بقوة على اتفاقيات التجارة الحرة والقوانين التى أقرها الكونجرس الأمريكي، وكانت تلك الاتفاقيات السبب الرئيسى والدافع فى تسويق الابداعات الصناعية خارج الولايات المتحدة خاصة فى المكسيك.

هناك نموذجان اذن للدولة القوية التى تتدخل وتتحكم وتحمى منتجاتها الثقافية ولكنها تقوم بذلك من خلال سياسات واضحة وبرامج قوية وآليات تنفيذ واقعية ومعايير واضحة وشفافة وطرق محاسبة ورقابة يضمن بها المواطن، أن المال العام ينفق فى مجاله الصحيح وألا يهدر. وهناك نموذج آخر للدولة التى تقرر أن تترك الساحة للصناعات الثقافية والجماهيرية تشق طريقها وتصنع انتشارها وحدها وتدعمها الدولة بالقوانين والاتفاقيات الدولية.

فهل يمكن أن نتساءل عن النموذج الأمثل الذى يمكن أن تسلكه الدولة المصرية لدعم منتجاتها الثقافية فى الخارج والترويج لها؟ سواء كان هذا الترويج إقليميا أم فى السوق العالمية؟

هل يمكن أن نطمع نحن دافع الضرائب والممولين الأساسيين للهيئات الثقافية الحكومية ببرنامج مقنع وناجح لدعم ترجمة الأدب المصرى خارج مصر لا ينشر ويوزع الكتب المترجمة داخل مصر؟ بل يتعاقد مع ناشرين أجانب لينشر الأدب المصرى فى أسواق خارجية؟ هل يمكن أن نرسى قيما تأخذ فى اعتبارها ان المال العام يستلزم الشفافية فى طرح الرؤية والأهداف والمعايير ويستلزم بالضرورة المحاسبة والرقابة والتقييم النهائي؟

هل أتوقع يوما أن يتنازل المثقفون المصريون عن احتقارهم للمنتجات الجماهيرية مثل المسلسلات التى أثبتت أنها أكثر المنتجات انتشارا خارج مصر لتقوم الدولة بدورها فى دعم هذه الصناعة بالقوانين والحماية اللازمة من تنافس بلدان أخرى ؟

وأجد نفسى عند كتابة كل مقال مثل هذا أتساءل هل أطرح أفكارا مستحيلة لهذه الدرجة؟ أم أن المشكلة كلها فى عدم توافر الإرادة لتبنى معايير الجودة والشفافية والمراقبة؟

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 856 الثلاثاء 13 ديسمبر 2016